
الغريب بقا إن من يومها ومسعود بقا بيقعد قدام بيت ياسين، وبدأ يظهر عليه الغضب والحزن الشديد، حتى إنه رفض لمدة يومين ياخد أكل من أي حد، ولما أنا عرفت ولقيته هزيل خالص بدأت أكلمه عشان ياكل، وفعلًا استجاب ليا أنا وبس، ووصيت مراتي يوميًا تطلعله أكل، لأنه مش هياخد غير منها.. ……………… أنا عابدين، أنا ابن أكبر عيلة في البلد، ومكنش ينفع اتضـ,ـرب بالقلم واتهان بالطريقة دي في البلد وأنا من عيلة خِضر، وروحت كلمت أبويا وعمامي وأثرت غضبهم، بالغت في الحكي لحد ما الكل بقا بيغلي، وبعد الجمعة طلعنا طلعتنا وكسرنا المعفن اللي مالوش أصل ياسين..
ورجعت بيتي منتشي، مبسوط، وعارف إن هيبتي رجعت من تاني بين الناس، وعلى بالليل نمت في الشقة اللي فوق لوحدي بعد ما شربت سيجارة حشـ ـيش زودت معايا شعور النشوة.. بس في نص الليل صحيت على صوت حد بينهج وبيتنفس بغضب شديد، كأن فيه حد جمبك طالع من سباق جري، فتحت عنيا الثقيلة وأنا مش قادر، حاسس إني في حلم مش حقيقة، بس مع علو الصوت عقلي بدأ يصفى وأفتح عيني، كانت الأوضة ضلمة، وحاسس بحرارة شديدة في الأوضة، ركزت في الضلمة لقيت واحد ضخم واقف قدام سريري وعمال ينهج وصدره بيتحرك بسرعة، قمت من مكاني منفوض وأنا بقول:
ـ أنت مين؟! مردش عليا وفضل ينهج بعـ,ـنف شديد، ركزت في ملامحه لقيته مسعود العبـ ـيط، بس مش مسعود المسكين الطيب، ده كان مسعود الغضبان وكأنه سجان من سجانين السجون، اتكلمت بخوف وقلت: ـ أيه اللي جابك هنا يا عبـ ـيط أنت؟! مسافة ما قلتها هجم عليا، هجم عليا ومسك في رقبتي وفضل يخنقني بقوة رهيبة، لدرجة إني كنت في إيده زي العيل الصغير، عنيه كانت فوق عنيا وهو قابض على رقبتي بإيديه اللي عاملة زي الجمر، عنيه كانت بيضا زي الأموات، ووشه بينفخ لهب على وشي..
صرخت بس صوتي مخرجش، اتحركت بعشوائية بس مقدرتش أتحرر، كانت أنفاسي بتخبو، بمـ,ـوت، روحي بتخرج، مش عارف اخد نفس واحد، شريط حياتي بيمر قدام عنيا خلاص، إحساس بشع، أسوأ إحساس ممكن تحسه، فزع مُطلق، رعب، ألم، وخوف أكبر من فكرة إنك هتمـ,ـوت وتتدفـ,ـن خلال ساعات بس.. ووسط نهجانه وقسوته اتكلم بصوت خشن، مرعب وقال: ـ ياسيــــــــــن..
وقتها قدرت أتحرر، قدرت أصرخ بأعلى صوت، وجريت زي المجنون على تحت وأنا جسمي بيتنفض وبيعرق زي اللي أصابه مس من الجن، أهلي اتجمعوا وفضلوا يسألوا عن السبب بس أنا كنت في صدمة كبيرة، مش قادر أتكلم ولا مستوعب أنا ممكن أحكي أقول أيه، مسكت تليفوني وأنا بترعش واتصلت على واحد صاحبي بيته جمب بيت مسعود وسألته: ـ هو مسعود قاعد قدام بيته ولا أيه؟!
وبما إني اتصلت بيه في نص الليل قفل في وشي ونام وهو بينعتني بالجنون، وفضلت طول الليل نفسي مكتوم وخايف وفي حالة صدمة غريبة، و الأسوأ إن رقبتي كان عليها أثر صوابعه، وأنفاسي بقت بتخرج بصعوبة، وعدت أسوأ ليلة في حياتي، عدت عشان أشوف اللي أسوأ منها.. مسعود حاضر تاني ليلة.. مسعود بيخنقني عشان يقـ,ـتلني.. مسعود بعيونه البيضا وجسده الضخم، وبأنفاسه الملتهبة وصوته الخشن.. ـ ياسيــــــــــن.. وفي الليلة التالتة ـ ياسيــــــــــن..
أنا بقيت عايش في فزع، رقبتي بتوجـ,ـعني ومش عارف أخد أنفاسي، حتى لما نمت مع أخويا ده ممنعش مسعود، وحضر في نفس الليلة خلاني أقوم أصرخ بأعلى صوت، وحتى يوم ما خرجت من بيتي لقيت مسعود قاعد قدام بيته بنظرته الشاردة وقعدته البسيطة، بس الغريب إنه لما شافني عنيه اتحولت..
اتحولت لعيون واحد واعي لكل اللي بيحصل، لدرجة إني حسيت إنها نظرة شماتة، ومن رعبي مقربتش منه ورجعت، واتكرر الموضوع، اتكرر والخنق زاد لدرجة إن آخر مرة وقعت في غيبوبة وتخيلت إني هصحا من نومي ألاقي نفسي في القبر، ولما صحيت مرعوب لقيت نفسي في بيتي، وفي أوضتي، ووقعت في نوبة بكاء هيستيري.. فضلت أبكي لحد ما كنت هفقد بصري، وخرجت من بيتي جري ناحية بيت ياسين، خبطت على الباب بعنـ,ـف عشان الناس تتجمع عليا بغضب، واحد منهم صرخ وقال:
ـ أنت جاي تضـ,ـربه تاني ولا أيه، محدش هيسمحلك تعملها تاني.. في اللحظة دي خرج ياسين وهو متجبس، مستنتش لحظة وحضنته وفضلت أبكي، فضلت أردد: ـ حقك عليا متزعلش مني.. الناس اتذهلوا من فعلي، حتى هو فضل ثابت متكلمش، أنا كنت في حالة انهيار تام، لقيته شدني على جوة عشان يحافظ على صورتي، ومراته اللي ضـ,ـربت جوزها قدامها دخلت تعمل الشاي وواجب الضيافة، وده خلاني أبكي أكتر، دخل معانا رجلين من أهل البلد وأنا طلبت من ياسين يضـ,ـربني زي ما عملت فيه، وفضلت أقنعه إنه يعمل كدا، بس هو ابن أصول، رفض..
رفض وسامحني وعملنا قعدة صلح وابتسم وكأن مفيش أي حاجة حصلت، في اللحظة دي ووسط الناس لمحته، مسعود، لقيته بص ناحيتي، و…… وابتسم.. وفي اللحظة دي سمعت صوت أذان المغرب، ولأول مرة أدخل أصلي وأحس بشعور السكينة ده كله، لأول مرة أتوب وأرجع لربنا، والمتوقع إن كل حاجة انتهت من يومها وده فعلًا اللي حصل بعد ما اتعلمت إن ظلم الناس عقابه شديد، وإن النفس دايمًا هتميل للانتقام لنفسها ولو بالمبالغة في الفعل، وإن لربنا جنود كتير أوي، جنود بيقتصوا من الظالم في الدنيا قبل الأخرة..
اتعلمت إن كلمة حسبي الله ونعم الوكيل اللي بيقولها المظلوم قادرة تمحي بلاد وتهلك ناس بقدرة الله، اتعلمت إني أعيش مظلوم أحسن ألف مرة من إني أعيش ظالم، وإني اتحمل لوجه الله أحسن ألف مرة من إني أبقا كائن مؤذي.. أنا لو صبرت ربنا هيجازيني خير كبير، ولو ظلمت هتعاقب في الدنيا وفي الأخرة، وأنا مش أد الظلم ولا أد عقاب ربنا..
قال رسول الله ﷺ (الظلمُ ثلاثةٌ: ظُلمٌ لا يُغفَرُ، وظُلمٌ لا يُترَكُ، وظُلمٌ يُغفَرُ، فأمَّا الظلمُ الذي لا يُغفَرُ، فالشِّركُ باللهِ عزَّ وجلَّ، وأمَّا الظلمُ الذي لا يُترَكُ، فظُلمُ الناسِ بعضِهم بعضًا، وأمَّا الظلمُ الذي يُغفَرُ، فظُلمُ العبدِ نَفسَه فيما بينَه وبينَ ربِّه عزَّ وجلَّ) تخريج شرح السنة وقال ﷺ (اتَّقوا الظُّلمَ فإنَّ الظُّلمَ ظلماتٌ يومَ القيامةِ) أخرجه مسلم في صحيح الأدب المفرد بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




