
أنا عندي عُقدة كبيرة من الستات، بل وممكن تقول مرض نفسي نادر مخليني اعتزل كل الستات اللي في الدنيا، وبقول ده وأنا معترف بيه تمامًا، أيوة أنا مريض ومش صح، بس أنا راضي بالمرض ده، ومعنديش أدنى استعداد إني اتعالج، وشايف الزواج مشروع فاشل بكل المقاييس، وبما إن فضولك هياخدك ناحية معرفة أسباب عُقدتي دي فأنا هروي فضولك وهقولك.. أنا أمي اتطـ,ـلقت من أبويا واتجوزت غيره ورمتني أنا وأخواتي بكل بساطة، أخويا مسك مراته بتخـ,ـونه وطلقها، حتى أنا لما ارتبطت ببنت في الكلية خانت كل العهود اللي بينا واتجوزت أول طارق على الباب للزواج وكأني لا شيء..
كل ده مع شخص اتربى غلط وشخصيته حساسة بزيادة ربّى جوايا نفور تام من كل ما هو أنثوي، وعافرت عشان أعرف استقل بحياتي واحتوي اللي باقي من مشاعري وإنسانيتي، وكان القدر في صفي الحمد لله..
شغلي كله سفر تقريبًا من بلد لبلد وده خلاني استقل بنفسي أكتر، لحد ما الشركة بعتتني لمشروع قريب من البحر في (رشيد)، ومن جمال القدر إن الشقة اللي خدتهالي الشركة كانت بتطل على البحر في منطقة سكنية صغيرة أوي، مجرد ١٢ عمارة في المنطقة كلها والباقي بيوت قديمة عمري ما شوفت سكانها، والأجمل إن الشقة اللي كنت فيها كان معايا فيها مهندس بيته في إسكندرية، وكان بيروح يوميًا، وده خلاني انفرد بالشقة تمامًا..
أفتح البلكونة طول الوقت وأفضل قاعد قدام البحر، سكون تام ومفيش غير صوت البحر وبس، البحر اللي بشوفه عالم كامل مقفول على نفسه، عالم جواه أسرار ميعرفهاش غير الخالق نفسه، عالم لو ركزت معاه هيسحب عقلك وكيانك زي ما بيسحب أمواجه من على الشط من تاني، وفي النهاية هتقع في دايرة من الجنون ملهاش نهاية..
كنت بتخيل الدوامات والأمواج دي عقل البحر وهو بيفكر وبياخد قرارات، بل وبتخيله كائن بيغـ,ـضب ويفرح ويتأثر باللي بيحصل على البر، وبما إن انهاردة الجمعة فأنا بدأت الطقوس بعد صلاة الجمعة فورًا، طبخت أكلة بحبها واتغديت وعملت كوباية الشاي بالنعناع وحطيت الكرسي المُريح في البلكونة وقعدت، قعدت وسرحت سرحان طويل أوي..
بس الذاكرة قررت تفسد اليوم كله بذكرياتي الصعبة كلها، أمي اللي مشوفتش منها أي حنية أو احتواء، أخويا اللي حياته اتدمـ,ـرت بسبب مراته اللي خدت اللي وراه واللي قدامه، الجواز اللي بقا مشروع لا يصلح لعقلية شخص مريض زيي، وللأسف أنا زيي زي أي راجل، جوايا مشاعر جبارة ومحتاج البنت اللي هخرج معاها المشاعر دي، بس كل الحواجز النفسية دي خلتني مقدرتش رغم إني حاولت، وقام جوايا صراع رهيب بين مشاعري ونفسيتي انتهى بقرار..
قرار غريب شوية، مفيش مانع اتخيل أنثى في خيالي، أحبها، أعشقها، أكلمها، بل وتكون معايا قبل نومي وفي خيالي ليل نهار، معرفش ليه تمنيت لو إن البحر طلعلي حورية من جواه، من العالم بتاعه، متلوثتش بفِكر أهل البر، أو حتى واحدة من أهل البر دخلت غسلت نفسها من تلوث فِكر أهل البر وخرجتلي، خرجتلي أنا وبس..
بس الجنان كله حصل لأن كل اللي تخيلته حصل قدامي، حصل بالنص، بس حصل بطريقة مُرعـ,ـبة، أنا لمحت جسم بنت شعرها طويل عايمة على وش المية، حسيت وقتها بكهربا بتمسك في جسمي كله، قفلت عيني وفتحتها كتير عشان اتأكد من اللي أنا شايفه، بس فعلًا كانت فيه بنت على وش المية..
نزلت أجري من الشقة ناحية البحر، وبالفعل لقيت المية بتطلع البنت ناحيتي، وشوفتها، شوفتها قدام عنيا، وجه ملائكي أبيض، عيونها مغمضة وشعرها أسود بيتموج مع المية زي الشلال، شلتها بسرعة وخرجت بيها، بصيت يمين وشمال ولا حياة لمن تنادي، المنطقة هادية فوق ما تتخيل وصعب لما تشوف حد ماشي فيها.. حاولت أسعف البنت زي ما اتعلمت في دورة الإسعافات بس هي مكنتش بتنطق، بصيت على رقبتها، وشها، إيديها، مفيش أي خدش ولا مظاهر تقول إنها ميـ,ـتة، قـ,ـتيل البحر بيطلع شكله مُخيف، إنما دي كأنها نايمة وبس..
معرفش ليه وازاي شلتها وجريت على شقتي كأني خايف أحسن أشيل أنا التُهمة دي، حطيتها على الكنبة وحاولت أسعفها مرة تانية، بس البنت مكنتش بتنطق، جثـ,ـة مبتتحركش رغم إنها أجمل من القمر حرفيًا.. وقتها بدأ يدق ناقوس الخطر جوايا، لو بلغت ممكن أشيل أنا تهمة قـ,ـتلها، خاصة إني جبتها شقتي، ومعرفش أنا أيه اللي خلاني أعمل كدا أصلًا، ودق ناقوس الخطر أكتر وأكتر، البنت خلاص ميتة، وأنا أكيد مش هحتفظ بجـ,ـثة في شقتي..
فكرت أرميها في البحر تاني بس استحرمت، فكرت كتير لحد ما وصلت لحل مقبول، فيه حفر ورا العماير بتاعتنا كتير أوي في المنطقة لأنها منطقة إنشاءات، وفورًا جبت كيس كبير وحطيت فيه البنت، وأول ما الشمس غابت نزلت بيها، كانت خفيفة جدًا، وده خلى المُهمة سهلة، حطيتها في الأرض الفاضية اللي ورا العماير جوة حُفرة صغيرة وردمت عليها لحد ما غطيتها، دعيتلها شوية ورجعت شقتي مكسور.. حاسس إني دفـ,ـنت حد عزيز عليا أوي، تخيلت لو كانت صحيت فاقدة الذاكرة وعاشت عشاني أنا، بس مش كل اللي بنتمناه بيتحقق، ولازم كل حاجة تبقا ناقصة، الكمال لله وحده..
رجعت الشقة واترميت على الكنبة، حزين، مهموم، حاسس باحتياج، بحد يشدني من الوِحدة والجنان اللي أنا فيه دا، ووسط تفكيري سمعت صوت جاي من الأوضة، صوت حد بيتاوب، معقول يكون المهندس محمد زميلي جه الشقة انهاردة، دخلت بابتسامة كبيرة عشان أسلم عليه بس صُعقت مكاني..
صُعقت لما لقيت البنت، الجُـ,ـثة اللي لسة دافنها من دقايق، الجـ,ـثة مفيش عليها أي أثر للتراب، الجـ,ـثة اللي طلعت من البحر، كانت صاحية ومفتحة عنيها، وبصت ناحيتي، وقتها عرفت يعني أيه شعرك يشيب، يعني أيه جسمك يتشل وتفقد السيطرة حتى على أنفاسك، صرخت زي الطفل الصغير وجريت ناحية الأوضة التانية وقفلت عليا الباب، كنت بتنفس بالعافية، بترعش، قلبي هيقف من الرُعب.. في اللحظة دي سمعتها بتخبط على الباب، ووصلني صوتها من وراه بتقول: ـ مش أنت اللي كنت بتتمنى إني أجيلك، ليه دلوقتي خايف مني؟!
معرفش ليه اترعشت أكتر، وكلامها أثر فيا أوي، أنا فعلا كنت بتمنى وجودها، ليه بقا خايف منها دلوقتي، ليه رافض وجودها، هل عشان هي مجرد جُـ,ـثة، ولا عشان هي مش طبيعية، طيب مأنا تمنيت واحدة مختلفة، من عالم البحر، ليه دلوقتي رافض كل ده.. دموعي خانتني ونزلت مني، وقتها سمعتها بتقول: ـ افتحلي يا شريف، أنا عاوزة أبقا في حياتك، مترفضنيش الرفض ده كله
وقتها حسيت بنار بتمسك في صدري، ألم شديد بدأ يغزو جسمي كله، صرخت مرة واتنين ووقعت مكاني فاقد الوعي، لما صحيت مكنتش موجودة، وروحت الشغل وقضيت اليوم، بس لما رجعت كانت في شقتي، بنفس الهيئة والمنظر، كانت قاعدة على نفس الكنبة اللي كانت جـ,ـثتها عليها، واتكرر نفس الوضع، هربت للأوضة وحاولت تكلمني، بس أنا تعبت أكتر..
الغريب بقا إن الموضوع بقا بيتطور أكتر، بقت بتمشي ورايا في كل مكان، بل وبتيجي ورايا الشُغل، خلتني عايش زي المجنون، بتكلم وأصرخ في شغلي، أروح الشغل بلبس البيت، شكلي بقا مضطرب وغير متزن، وفي النهاية حكيت لمُعتز صاحبي كل حاجة، حكيتله كل اللي بيحصلي.. تاني يوم كلمني معتز وقالي إننا هنروح مشوار وإنه ظبط الموضوع مع مدير المشروع، ركبنا عربيته واتحركنا، ولما سألته على المكان اللي رايحنله رفض يقولي، وفي النهاية وصلنا، وصلنا لمبنى مكتوب عليه “مستشفى الأمراض النفسية”..
كنت مستغرب أوي، بس هو بلغني إنه هيزور صديق دكتور جوة، ولما دخلنا قابلنا دكتور شكله مقبول اسمه دكتور ماجد، وقتها اتكلم معتز وقالي: ـ أحكي لدكتور ماجد اللي بيحصلك يا شريف.. وقتها فهمت، فهمت، معتز شايفني مجنون وجايبني مصحة نفسية، مسكته بغضب من هدومه وصرخت فيه: ـ أنت فاكرني مجنون يا متخلف أنت.. اتحرر مني بلُطف واتكلم وقال: ـ أنا بحبك زي أخويا يا شريف، وحالتك دي ليها تفسير والله، بالله عليك أسمع مني وأحكي لدكتور ماجد..
مقدرتش، مقدرتش اتحط في الوضع ده، بس مع ضغط معتز حكيت، حكيت كل حاجة، وفي النهاية ابتسم الدكتور، ابتسم ابتسامة ودودة جدًا.. ……………… الدكتور قالي إنها مش هتظهرلي تاني بس لو استوعبت كلامه كويس ومشيت على الدوا اللي هيكتبهولي، أنا اتصنفت كمريض نفسي وعندي هلاوس سمعية وبصرية، وإن الجـ,ـثة دي ما هي إلا نتاج شيء اخترعه عقلي بعد الاضطراب النفسي اللي اتسببت فيه الوِحدة والضغط اللي اتعرضتله في حياتي، ولما أقسمت إن كل ده حقيقي روحنا حفرنا مكان الجـ,ـثة، وفعلًا ملقناش حاجة، وحتى هي مظهرتش تاني..
أنا تمنيت بنت تطلعني من وحدتي بطريقة مرضية، وعقلي استجاب واختلق شخصية وهمية مش موجودة، بس الحواجز النفسية جوايا كانت بتقول إنها برضه بنت، وهتخون، ولا تصلح ليا، عشان كدا عقلي اختلقها ناقصة، اختلقها مجرد جـ,ـثة مفيهاش روح، ولما حسيت بالحنين ليها عقلي خلاها تصحا في خيالي، بس النفسية كانت دايمًا بترفضها وبتصورها في هيئة جـ,ـثة رجعت من المـ,ـوت، عشان كدا كنت بتألم كل مرة بتكلمني، لأن الصراع جوايا كان رهيب، واللي أثبت ده إني لما مشيت على العلاج مبقتش بشوفها..
يمكن أخيرًا اعترفت إني مريض وقررت اتعالج، بس الدكتور يومها طلب مني أقعد مع راجل كبير، بالأخص حارس المصحة، ولما قعدت معاه وعرف قصتي نصحني بالآتي بعد العلاج: ـ ربك يابني خلقنا وعارفنا أكتر من نفسنا، خلقنا وعندنا احتياج كبير للجنس الآخر، وخلق الست وعندها نفس الاحتياج، اختبارنا إننا نبعد عن الحرام وندور على الحلال، مش نبعد عن كله، رسولك الكريم يابني قال لا رهبانية في الإسلام، ومهما كان الحرام منتشر وكل حاجة سيئة استعين بالله ودور على البنت اللي هتعينك على الحياة، البنت ذات الدين اللي تشيل معاك الحِمل..
يابني الخير في الأمة دي مهما حصل، ومش عشان السيء هو اللي على السطح يبقا مفيش كويس، دور كويس، عِف نفسك وروحك وجسدك، مفيش حاجة اسمها رهبانية، الرهبانية كلها أمراض نفسية وألم روحي وجسدي، علاجك يابني مش العلاج اللي هيكتبهولك الدكتور، علاجك تستخير وتتوكل على الله وتتقدم لأكتر بنت أنت شايفها مناسبة، ده علاجك، ودي سُنة ربنا في الكون، وربك قال [وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا] سورة الأحزاب محدش بيعاند سُنة الله في الأرض ويفلح، اتخلقنا عشان نتجوز، متمنعش نفسك عن ده، أدعي وتوكل على الله، وربك هيوفقك..
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




