
من أربع أيام تقريبًا لقيت باب البيت بيخبط بعد نص الليل خبط جامد أوي، قمت من مكاني مخضوضة وجريت على الباب فتحته لقيت بنت غرقانة من المطر وبتسأل بلهفة عن ابني الأسطى عماد الميكانيكي، قولتلها إنه نايم جوة واستفسرت عن سبب سؤالها فقالتلي إن عربية أبوها عطلانة على الطريق ومحتاجة ابني يبص عليها وكانت بتترعش وجسمها عمال يتنفض، دخلت صحيت ابني اللي فضل يسب ويلعن بس في النهاية قام وخرج معاها وسط المطرة..
قفلت الباب وأنا حاسة بقلق وتوتر شديد أوي، معرفش أيه السبب رغم إن الموقف ده اتكرر كذا مرة، بس يمكن عشان دي بنت، ويمكن عشان الجو برد ومطر، أو يمكن لأنها شبه حد أعرفه، بس مين مش عارفة اتأكد وكأن فيه غيبوبة مشوشة على عنيا وذاكرتي، وفضلت مستنية، ساعة واتنين وتلاتة، وابني مرجعش، رنيت عليه تليفونه مقفول، وقتها بس كان لازم اتأكد إن فيه حاجة غلط ومش مفهومة بالمرة، صحيت ابني الأصغر وأنا مخضوضة وطلبت منه يتحرك فورًا ويشوف أخوه على الطريق اللي خرج من تلت ساعات ولسة مرجعش..
طبعًا كان متكاسل بسبب البرد ومش عايز يتحرك من مكانه، بس أنا كنت هفضحه واصرخ لو متحركش، قلبي كان بياكلني وعندي احساس كبير إن فيه حاجة غلط، وفورًا لبس ابني الجلبية التقيلة واتحرك تحت المطر والبرد بعد ما أكدت عليه يرن عليا ويطمني أول ما يلاقي أخوه..
واستنيت، استنيت كتير أوي لحد بعد الفجر، بس محدش من الاتنين رجع خالص، وقتها جريت على الجيران وأنا مرعوبة، خبطت على أكتر من بيت والرجالة خرجوا معايا والكل طلع على الطريق، بس مكنش فيه أدنى أثر للاتنين، وكأن الأرض اتشقت وبلعتهم، وعلى الصبح روحنا القسم نبلغ وأنا قلبي مفطور بس اتقالنا إن لازم يمر على الاختفاء ٢٤ ساعة على الأقل..
بعض الجيران حاولوا يطمنوني بس أنا مكنتش قادرة أطمن، حاسة إن فيه مُصيبة، مُصيبة كبيرة أوي من بعد اللي حصل من أسبوع، طردت الفكرة من دماغي خالص وقعدت طول اليوم وأنا بترعش وقلبي بياكلني، لحد ما جت الساعة ١٢ بالليل والجيران مشيوا على وعد إنهم بكرة لو مرجعوش هيعملوا بلاغ ويلفوا على المستشفيات وأقسام الشرطة كمان..
وفضلت لوحدي، مع البرد اللي بينهش في جسمي من امبارح، والمطر اللي مش عاوز يوقف إطلاقًا، ووسط ضلمة الليل والبرد سمعت صوت بينادي من برة البيت، كان صوت ابني الكبير عماد، فتحت الباب وأنا ملهوفة بس ملقتش أي حد إطلاقًا، شوية واتكرر الصوت ولقيته جاي من بعيد، من عند آخر الشارع تقريبًا.. لبست هدومي في لمح البصر وخرجت أجري في البلد، ضلمة وطين وبرد، الشوارع فاضية وأنا ماشية، بنهج، بترعش، بس صوت ابني عمال يتكرر، ووسط الضلمة كنت شايفة شبح، مجرد شبح عمال يتحرك بسرعة وأنا بحاول ألحقه أو أجري وراه بأي طريقة..
بس حركته كانت سريعة، سريعة أوي، لحد ما وصل لطريق الزراعة اللي بيطلع على الطريق السريع، دخلت فورًا وراه وأنا لسة عمالة بنادي عليه بلهفة، بخوف، بتوتر، لحد ما وصلت على أول الترعة الكبيرة اللي بتفصل بين الطريق السريع والأراضي الزراعية..
واختفت كل حاجة، مبقتش شايفة ولا سامعة أي حاجة، اللهم إلا بنت، بنت كانت واقفة على حرف الترعة ولابسة لبس خفيف وعمال تغني وكأنها قاعدة على البحر، معرفش ليه حسيت بكهربا شديدة أول ما عنيا لمحتها، ريقي نشف وقلبي بدأ يدق بسرعة غريبة، مين دي وواقفة هنا بتعمل أيه من الأساس، فكرت أقرب منها وأشوفها أو اسألها عن ولادي بس اترددت كتير، وفضلت واقفة مش قادرة أشيل عنيا من عليها إطلاقًا..
بس الغريب إني بدأت أسمع صوت آهات، وكأن فيه حد بيتعذب، والصوت كان مميز أوي، وواضح وضوح الشمس، ده صوت ابني، عمال يتوجع ويستغيث وينادي عليا، والأغرب إن الصوت كان جاي من الترعة، وبالأخص من عند البنت دي نفسها، معرفش ليه حسيت إنها رابطة ابني وبتعذب فيه، ويمكن بتقتله، مسكت حجر كبير وقربت منها وأنا بترعش، بتنفض، قربت وقربت لحد ما شوفت مشهد بشع، مش هنساه لحد ما أمو.ت..
شوفتها ماسكة ولادي وبتغرقهم في الترعة من راسهم، والاتنين وشهم أزرق ومنفوخ وكأنهم شافوا الجحيم على الأرض، أول ما شوفتهم صرخت، صرخت بكل رعب الدنيا، مفيش لحظة واتحول وشها للون أسود متفحم، وبدون وعي رجليا خانتني ولقيت نفسي بقع في قلب الترعة، وحسيت إن جسمي دخل فيه مليون خنجر بارد بيقطع فيه، وفي لحظة شوفتها بتنط في الترعة بعد ما سابت ولادي، كانت جاية ناحيتي أنا، جاية تغرقني وتقتلني.. فضلت أصرخ بهيستريا وأنا بحاول متسحبش لتحت المية وفضلت أردد:
– ابعدي عني، ابعدي عني.. معرفش ليه وقتها وشها بقا مألوف، وزالت الغشاوة اللي على عقلي، البنت دي اللي خبطت عليا بالليل وخدت ولادي، وهي بنت الراجل اللي.. واتسحبت، اتسحبت بقوة رهيبة ناحية تحت، وبلعت المية، وحسيت بالمو.ت ومبقتش قادرة أخد نفس واحد بس، وبرضه مقدرتش أتشاهد ولا أقول نص كلمة، وقبل ما أمو.ت وألفظ أنفاسي الأخيرة حسيت بحد بيسحبني من المية، كان راجل من بلدنا ربنا بعته صدفة عشان يلحقني، ومسافة ما خرجني شوفت الجحيم كله..
تلت جثث طفوا على وش الترعة، ولادي الاتنين، وجثة بنت، بنت كانت صاحية من دقايق بتحاول تغرقني، أو يمكن عفريتها الله أعلم، بس أنا دلوقتي أعرف كل حاجة، وصرخت، صرخت لحد ما أغمى عليا تمامًا.. ……………… من تلت سنين ولادي اشتغلوا مع صاحب معرض عربيات وعملوا شغل كبير معاه بيقدر بخمسين ألف جنيه، بس الراجل محاسبهمش، وفضل تلت سنين يأخر في السداد لحد ما من أسبوعين اتخانق معاهم وحلف ما هيديهم جنيه واحد..
ورجعوا ثايرين، عنيهم بتطلع شرار، وحلفوا لينتقموا منه، لحد ما من أسبوع لقتهم راجعين ومرعوبين، ولما فضلت أقرر فيهم قالوا إنهم انتقموا منه في بنته، حاولت أصرخ كتموا صوتي وقالوا لو اتكلمت هيتعدموا، ولادي اغتصبوها وقتلوها ورموها في الترعة.. أنا كنت أعرفها بس معرفة سطحية، بس هي رجعت تاني، قرينها رجع يخبط على الباب، وعقلي فضل مشوش وحسيت إني أعرفها بس مش فاكرة مين دي، حتى ولادي الاتنين بسبب الفعل الشيطاني ده محدش فيهم افتكر إنهم قتلوها من أسبوع واحد بس، كأنهم كانوا مشوشين زيي..
وقتلتهم، وكانت عاوزاني أنا كمان، فعل شياطين، استدرجتني بصوت ابني، بس ربك يشاء ليا النجاة ويشاء ليهم المو.ت وإنهم يطفو على سطح المية رغم إنهم غرقوا من يوم واحد، وكأنه فعل شيطاني جديد منها، ورغم قهرتي وانتظاري للمو.ت إلا إني عارفة إنهم غلطوا، غلطوا غلط كبير، لو اتظلمت خود حقك من اللي ظلمك بس، مقدرتش فوض الأمر لقاضي السماء واتفرج على حقك وهو بيجي، إنما تنتقم من حد ملوش ذنب فلا تلومن إلا نفسك، ادعولي بالله عليكم..
[إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] سورة البقرة بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




