روايات

كُحل الأعين للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

من كام يوم كنت في رحلة تبع الكلية للواحات، والحقيقة إني عملت مشكلة كبيرة أوي مع أهلي عشان أروح الرحلة دي رغم اعتراضهم الكامل لأن البنت مينفعش تسافر لوحدها، بس أنا مكنتش هضيع الفرصة دي من إيدي أبدًا وتحديدًا لأن حُب الكلية (يوسف) كان طالع الرحلة.. الشخص اللي بحاول معاه من سنتين كاملين وعلاقتنا مبتطورش نهائيًا، وكان عندي أمل إن الرحلة تغير البرود اللي أحنا فيه ده ونتكلم ونقرب من بعض لأن مع انتهاء الكلية اللي خلاص بتنتهي كل واحد فينا هيروح لحاله زي ما بيقولوا..

عشان كدا طلعت الرحلة رغم تهديدات والدي إنه هيقاطعني والمعاملة معايا هتتغير تمامًا، لكني عاندت معاه وقولت هعرف أتعامل معاه لما أرجع، وروحت الرحلة وحاولت فيها على مدار يومين كاملين معاه لكنه كان بيتجاهلني تجاهل كامل.. وبقيت على يقين إنه عارف من جواه إني عاوزاه لكنه مش عاوزني ولا ناوي يديني فرصة إننا نقرب من بعض من الأساس، وده اتسبب ليا في موجة حُزن وإحباط غير طبيعي لدرجة إني بقيت بدخل الحمام أفضل أبكي جوة عشان محدش يشوفني..

لحد ما في اليوم التالت وأحنا قاعدين في قعدة شواء جت واحدة ست غريبة عاملة زي العرافين، البنات اتجمعوا عليها وبدأوا يتكلموا معاها ويضحكوا، كانت ست لذيذة وغيرت جو الرحلة كتير رغم إنها كانت بتتكلم في تخـ,ـاريف كتير أوي ودجـ,ـل وشعـ,ـوذة، لحد ما جت المشرفة وزعقت في البنات وخلت الست تمشي عشان متعملهاش مشكلة، وفعلًا مشيت الست والكل كان بيضحك على الموقف.. لحد ما لمحته، لمحته قاعد لوحده، روحتله وأنا باخد نفسي بالعافية وسألته عن رأيه في الست اللي جت دي، وكان رد فعله هو أسوأ رد فِعل ممكن يحصل ليا، مسك الموبايل وعمل نفسه بيتكلم وبص بوشه للناحية التانية..

وقتها بس حسيت وكأنه ضـ,ـربني بسـ,ـكينة في قلبي، جريت على الحمام عشان أبكي لقيت بنت جوة، وملقتش حل غير إني أمشي ورا الكرافانات عشان محدش يشوفني، وفضلت ماشية كتير لحد ما حسيت لوهلة إني برة الدنيا والعالم، وبكيت وقتها، بكيت كتير أوي لحد ما ارتحت ولقيت نفسي بكتب على الرملة اسمي واسم يوسف وبينهم قلب، وقتها بس حسيت براحة كبيرة ورجعت..

ومشيت الأيام بسرعة غريبة، وجت امتحانات السنة الأخيرة، وشوفت يوسف للمرة الأخيرة وودعته بعنيا وبكل جوارحي، وانتهت المادة وخرجت من باب الكلية للمرة الأخيرة، وقبل ما أركب العربية لقيته بينادي عليا، استغربت أوي ووقفت أكلمه لقيته طلب رقمي لأمر مهم وبعدها سابني ومشي..

رجعت البيت وأنا محتارة أوي، هل ممكن يكون راجع نفسه ويكون فعلًا عاوزني، وليه الحاجة بتيجي بعد الواحد ما بيزهد فيها تمامًا، والغريب إن ده فعلًا اللي حصل، كلمني وقالي إنه عاوز يتقدملي، وعلى عكس المتوقع محستش أي فرحة، وكأنه خد مني كل المشاعر وخلاني إنسانة فاضية من أي حاجة، كلمت أكتر من حد وكله نصحني أوافق طالما دي كانت رغبتي وإن اللي أنا حاسة بيه ده ناتج تعب وأمل وخذلان كبير أوي..

وفي النهاية فعلًا وافقت، وتمت الأمور بسرعة غريبة أوي، وافق على كل طلبات أهلي بدون أدنى اعتراض بل وجاب حاجات أكتر من المتفق عليها، كان عنده إصرار كامل إن الفرح يكون في أسرع وقت وإنه جاهز ومش محتاجين نتأخر، لدرجة إن تسرعه ده خلى والدي يقلق أوي لكن أمي أقنعته إننا نوافق طالما هو شخص كويس وشارينا زي ما بيقولوا..

ولقيت نفسي خلال شهرين بجهز لفرحي، شهرين اتبعت ليا فيهم كل كلمات الحب والغزل اللي في الدنيا كلها، شهرين جالي فيهم هدايا قد اللي اتهاديت بيهم في عُمري كله، وفعلًا اتجوزنا، اتجوزنا وعملنا فرح كبير كان الناس مبهورين بكل تفصيلة فيه، ودخلت بيت جوزي واتعاملت فيه زي الأميرة اللي داخلة القصر، وكأني في حلم، حلم من الأحلام الوردية..

وعِشت سنة كاملة معاه، سنة كاملة معاملته هي هي متغيرتش معايا إطلاقًا، مانعني من عمل الأكل والنضافة وبيعمل هو أو بيجيب حد يشتغل في البيت، بيخرجني بصورة يومية تقريبًا، وممنوع تمامًا أروح بيت أهلي غير وهو معايا، مبعرفش أتكلم مع أهلي إلا وهو جنبي ماسك إيدي كأني هتخطف منه.. ويوم ما روحت عيد ميلاد صحبتي المشهد كان سخيف جدًا، ماسك إيدي وبيربطلي رباط الكوتشي قدامهم وكل حركة بعملها بيتخض ويساعدني فورًا، ورغم إن المشهد يفرح أي بنت إلا إن نظرات الضحك والسخـ,ـرية خلتني هنفجر، طلبت منه يهدى شوية ويسيب إيدي لأن شكلنا كان مُلفت لكنه رفض تمامًا..

كان عامل زي ضلي معايا في كل خطوة، كل حركة، بيخاف عليا من أقل حاجة، انتشر كلام كتير إني سحراله، وإنه مش راجل ومراته هي اللي ممشياه، وانتشر الكلام وسط أهله وبقا أبوه بيتخـ,ـانق معاه وبيقوله نصًا (استرجل شوية) بقا مسخرة وسط أصحابه وسموه (جوز الست) وأنا بقيت في أي قعدة عائلية محور الحديث أنا وجوزي، حديث كله سخرية وضحك من العلاقة المريبة دي..

مفيش راجل بيأكل مراته في بقها قدام الناس ويغسلها إيديها ويشربها العصير، مفيش راجل بيركب مع مراته المواصلات ويفضل حاطط إيده عليها ويجبلها الكلام من السواق والناس، الوضع كان جحيم، جحيم خلاني أكرهه أكتر من أي حاجة في الدنيا..

وكان لازم ألاقي حل، أي حل غير الطلاق طبعًا، لأني حاليًا عايشة حياة أحسن من عيشتي القديمة ألف مرة، هو بس يتغير شوية وكل حاجة هتبقا كويسة، وفعلًا قدرت ألاقي الحل، وعملته، وجاب نتيجة كويسة، لدرجة إنه كان بيتجنبني وبينام لوحده من يومها، بقا عادي أخرج لوحدي، ويقعد معايا في أي تجمع بدون أي اهتمام، كل حاجة بدأت فعلًا تتغير وتبقا أحسن..

بس مش كل حاجة، لأني اكتشفت إنه بيتقدم لبنت خالتي الصغيرة وإنهم وافقوا عليه كمان، وعرفت إنها كانت بتجري وراه لما كانت بتشوفه بيعاملني كدا وبقت مُغرمة بيه، ولما اعترضت واتخانقت معاه كانت المرة الأولى اللي يضـ,ـربني فيها، يضـ,ـربني ضـ,ـرب مُبرح، وخلاني أجمع حاجتي وأروح عند أبويا، بس وأنا بجمع حاجتي كانت فيه كارثة لأني ملقتش علبة الكُحل، علبة الكُحل اختفت تمامًا..

وروحت على بيت أهلي وأنا هتجـ,ـنن، أبويا حاول معاه لكنه كان رافض يرجعني نهائيًا، ويوم فرحه الصبح على بنت خالتي بعتلي ورقة طلاقي، لأنه خلاص مبقاش عاوزني، وروحت يومها عشان أشوفه للمرة الأخيرة، وقدام عنيا شوفت بنت خالتي، شوفتها متكحلة بالكُحل الفرعوني بتاعي، الكُحل اللي اختفى للأسف.. وغصب عني افتكرت يوم الرحلة، لما روحت أكلمه وتجاهلني وروحت أبكي ورا الكرافانات، يومها الست العرافة جتلي وسمعت حكايتي، وأدتني ازازة كُحل وقالتلي إنه كُحل فرعوني، وقالتلي كل ما هحط منه أو أثره هيفضل على عنيا كل ما هيحبني ويمـ,ـوت فيا كمان..

وخدت منها الكُحل وحطيته آخر يوم في الامتحانات لما جه كلمني، وبقا الكُحل في عنيا دايمًا، بحط منه كل شهر مرة وأثره مكنش بيروح إطلاقًا، لحد ما فكرت كتير وقررت أجيب حاجة وأشيله بيها عشان يهدى شوية ويبطل يتعامل معايا بالطريقة المُحرجة دي، وكنت مقررة أحط منه بعد فترة لما الدنيا تهدى.. مكنتش أعرف إنه هيختفي، ومكنتش أعرف إن بنت خالتي هتسـ,ـرقه، سـ,ـرقته ازاي وأمتا وعرفت منين إنه السبب أنا حقيقي معرفش، لكن كل اللي أعرفه إني اتطلقت، وبنت خالتي نشرت كلام في العيلة كلها إني كنت ساحرة لطـ,ـليقي، وإن محدش غالبًا هيفكر يقرب مني مرة تانية أبدًا..

معرفش ليه افتكرت كلام أبويا يوم الرحلة وأنا بتخانق معاه، قالي البنت بتتولد غالية أوي بدون أي اجتهاد منها، هي اللي بترخص نفسها بلبس مش كويس، بعلاقة محرمة، برفضها لأوامر أبوها وسفرها لوحدها، هي اللي بتطمع الناس فيها وبترخص من قيمتها، ولما البنت قيمتها بتقل بتكون مطمع لأي حد، ولو ده حصل فعمرها ما هترجع غالية تاني، لأن وقتها بتكون خسرت أهم حاجة فيها؛ حيائها وأنـ,ـوثتها.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى