روايات

الكلب المسعو ر للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

كنت راجع البيت على الساعة ١١ بالليل تقريبًا والبلد ساكتة متسمعش فيها أي صوت كعادة الأرياف، وقبل ما أوصل البيت بدقايق متعود بعدي على قطيع من الكلاب، تقريبا حفظتهم كلب كلب وهما كمان حفظوني، بعدي من جمبهم محدش فيهم بيبص ناحيتي ولا بيتحرك من مكانه كعادة كلاب الأرياف المُسالمين، بس في الليلة دي ملقتش غير كلب واحد واقف في نص الطريق، وكان واقف وقفة متحفزة وغريبة كأنك شايف قدام عينك ديب مسعور مش كلب عادي، لدرجة إني شوفته وحسيت إن جسمي كله قشعر وشعر راسي وقف..

عديت من جمبه بهدوء شديد لأني حسيت بالخطر من ناحيته، ومسافة ما قربت منه شوفت عنين حمرة بلون الدم استحالة تكون عيون حيوان، كأنك شايف شيطان قدامك، وبصعوبة تمالكت أعصابي واستعذت بالله من الشيطان الرجيم وكملت مشي، بس مسافة ما عديت من قدامه سمعت زمجرة الهجوم.. وفي لحظة هجم عليا وغرز مخالبه في رجلي، لدرجة إني حسيت إن رجلي دخلت جوا فرن مولع بالنار، صرخت صرخة ألم رهيبة وبكل قوتي غرزت مفتاح البيت اللي كنت ماسكه في إيدي في عنيه وجريت، جريت وأنا شايف نافورة دم نازلة من رجلي..

وصلت البيت وقفلت الباب بسرعة وطلعت على أوضتي، محبتش أصحي أي حد في البيت وحاولت أغير على الجرح اللي كان وكأنه نار بتاكل في لحمي، غيرت عليه بسرعة بس من كتر الإجهاد والألم حسيت بدوخة رهيبة ونمت، نمت زي المحموم مكنتش حاسس بأي حاجة حوليا إطلاقًا.. والصبح صحيت على صراخ ولا كأنه يوم القيامة، قمت مفزوع وجريت وأنا بعرج وطلعت الشارع مع كل الناس اللي خرجت من بيوتها مفزوعة، وفوجئنا بأبشع مشهد ممكن نشوفه في حياتنا، شوفنا طفل من أطفال الجيران جسمه متاكل حرفيًا ومتقطع، كأن حيوان متوحش نهش كل حتة فيه..

أمه كانت في حالة انهيار تام لما اتعرفت عليه والناس كانوا بيخبطوا كف على كف، ده ديب مسعور ولا أيه، ومن أمتا حاجة زي دي بتيجي البلد عندنا، وكان يوم صعب فوق ما تتخيل على منطقتنا لحد ما جمعوا أشلاء الطفل ودفنوه في النهاية، وكان السؤال الوحيد اللي بيطرح نفسه وسط كل الناس.. يا ترى أيه اللي ممكن يعمل كدا؟؟

أنا الوحيد اللي كنت عارف، الكلب اللي هجم عليا امبارح، هو الوحيد اللي ممكن يعمل كدا بكل بساطة، بس كنت هحكي هقول أيه، طلعت على المستشفى والممرضة استغربت من شكل الجرح وجابت دكتور متخصص، وطهر الجرح بمادة حارقة خلتني صرخت زي العيال الصغيرة في المستشفى، وقالي لو كنت اتأخرت كانت رجليا كلها هتتقطع.. خلصت غيار ورجعت البيت وأنا بحاول أداري رجلي عن أهلي، مش متحمل سين وجيم وأنا في الحالة دي، غير إن مشهد الطفل انهاردة كفيل يدمرني نفسيًا لشهور طويلة، عشان كدا فضلت قاعد لحد نص الليل بفكر، مش قادر أنسى مشهد الكلب بالليل ولا أنسى مشهد الطفل الصغير..

وبعد تفكير طويل أوي وبكاء غريب من نوعه لأن الطفل كان صعبان عليا أوي وكمان مش عارف أقول ولا أجيب له حقه، وفي لحظة جنون اتسحبت وطلعت البندقية بتاعتنا من الدولاب وحطتها في كيس كبير وحطيت كام رصاصة في خزنتها، وطلعت على المكان اللي لقيت فيه الكلب امبارح.. كنت رايح وجوايا هدف واحد بس، وهو إني اتخلص من الكلب ده تمامًا انتقامًا لنفسي وانتقامًا للطفل، ووصلت للمكان بس ملقتش أي حاجة إطلاقًا، ولسة الكلاب كلها مختفية، وبعيد شوية كان فيه مقلب زبالة وكنت عارف إن أغلب الكلاب بتكون هناك..

مشيت لهناك بتحفز وأنا ماسك البندقية ومتحكم فيها، ومسافة ما وصلت شوفت على ضوء القمر مشهد بشع، مقزز، غريب، شوفت أكتر من عشرين كلب منهوشـ ـين وأمعائهم طالعة برا، وكأنهم طالعين من مجزرة، وجـ ـثثهم مرمية في كل مكان، وجالي يقين إنه نفس الكلب اللي عمل كدا، وازدادت رغبتي إني أض.ربه بالنا.ر. واتخلص منه تمامًا..

وفضلت اتأمل الجثث بشفقة وحزن لحد ما بدأت أسمع صوت زمجرة جاية من ورايا، وبصيت بخوف عشان ألاقيه واقف من تاني، نفس الكلب بعيونه الدموية وشكله المرعب، ومن بقه كانت فيه مادة زي اللعاب الأبيض التقيل بتنزل، مشهد من مشاهد أفلام الر.عب، وض.ربت أول طلقة، بس البندقية كانت مكتومة ومض.ربتش، قلبي وقع في رجليا، ض.ربت تاني طلقة مفيش، وشوفت ابتسامة، ابتسامة على وش الكلب اللي اتحفز عشان يعمل فيا زي ما عمل في الطفل، ولقيت نفسي بتشاهد، بس قبل ما يهجم بلحظة سمعت صوت صفارة غريب، وجري الكلب فورًا ناحية مصدرها..

استخبيت بسرعة وراقبت صاحبها لقتها واحدة ست لابسة أسود ومش ظاهر منها أي حاجة، وقف الكلب قدامها وبدأت ترميله حتت لحمة صغيرة وكان بياكلها بنهم كبير، هربت من المكان كله بس فضلت الست تحت عيني، ومشيت وراها لحد ما وصلت، وصلت لبيتنا، الست دي كانت مرات أبويا.. حسيت بصدمة رهيبة ومكنتش فاهم هي بتعمل ده ليه، وأيه علاقتها بكلب شيطاني مسعور، وكان لازم أراقبها، وأعرف هي بتعمل أيه وليه، راقبتها يوم كامل بس مقدرتش أوصل لأي حل..

لحد ما جت بالليل وقدمتلي كوباية العصير كعادتها، خدتها منها بس مشربتهاش، مكنتش مطمنلها إطلاقًا، وعلى نص الليل حسيت بالباب بيفتح وبتدخل منه، عملت نفسي نايم لحد ما حسيت بيها بتقص حتة من شعري بالمقص وبتخرج بسرعة، خرجت اتسحب وراها لقتها في المطبخ وبتقطع اللحمة لحتت صغيرة، وكل حتة بتحط فيها شعراية من شعري، ولبست بسرعة وجريت على برا، كنت واثق تمامًا إنها رايحة للكلب.. دخلت على أبويا لقيت كوباية العصير مشروبة، حاولت أصحيه مكنش بيصحا، ومكنتش محتاج ذكاء عشان أفهم إنها بتحط مخدر في العصير، وحتى ابنها أكيد حطتله مخدر اللي هو أخويا من الأب بس..

وملقتش غيرها، جدتي، روحتلها تاني يوم وحكيت كل حاجة تفصيلًا، فضلت تلطم وأنا أهدي فيها لحد ما فسرتلي كل حاجة، قالتلي دي بتحاول تق.تلك، فيه نوع سحر اسمه سحر الحيوانات، بتخلي الجن يتلبس الحيوان نفسه، ودي تقريبًا بتسحر من خلال شعرك والكلب بياكل الشعر ده عشان يق.تلك في اي وقت يشوفك فيه، ولو أنت مروحتش مع استمرار الأكل هيجيلك بنفسه.. جسمي اترعش من فكرة إني أصحا من النوم ألاقي الكلب في أوضتي وبيهجم عليا، طلبت من جدتي الحل قالتلي نقلب الآية عليها، خود شعرها هي حطه في اللحمة..

وفعلا رجعت وجبت فرشة الحمام بتاعتها ولقيت شعر كتير خدته كله وخليته معايا، وعلى بالليل كررت نفس الموضوع، عصير وطبعا مشربتوش، وجت تقص شعر من راسي، بس انا قدرت احط شعرها في اللحمة لأني رنيت على تليفون ابويا وهي في المطبخ، ولما اتخضت وراحت تقفله دخلت انا ولزقت شعرها جوة حتت اللحمة، وخرجت، خرجت ومرجعتش غير تاني يوم الضهر..

بس رجعت جثة متقطعة ومنهوشة وشكلها بشع، مقزز، وفهمت إنها كانت عارفة إن أبويا تعبان وهيمو.ت قريب فقالت تتخلص مني عشان تورث هي وابنها البيت والأرض، راحت لدجال وقالها نعمله سحر حيوانات على أي كلب قريب من البيت والكلب لما يشوفه هيق.تله، بس السحر كان شديد وخلى الكلب يق.تل كلاب تاني وطفل صغير، ويق.تلها هي كمان.. وقتها بس حكيت حكاية الكلب اللي عضني للناس وأنا بمثل البكاء، والكل اتجمع وراحوا ق.تلوا الكلب، الكلب اللي ق.تل الكلبة مرات أبويا اللي كانت عاوزة تق.تلني بسبب الجشع والطمع بتاعها..

“من حفر حفرة لأخيه وقع فيها”.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى