
واقف قدام المراية بتأمل ملامح وشي، وإذ فجأةً اتفاجئت بخيط من الدم نازل من مناخيري، دم أحمر قاني شكله مُخيف وغريب في نفس الوقت، مسكت منديل من المناديل اللي مبقتش بتفارق جيبي وبدأت أمسح بالمنديل مع إني عارف إن الدم هيفضل ينزل طول الليل بدون أي انقطاع تقريبًا، وإني هقضي ليلة من أسوأ الليالي حرفيًا.. ده ببساطة لأنها ليلة اكتمال القمر، الليلة اللي من سنين طويلة بشوف فيها الويل، بتبدأ بخيوط دم بتنزل من مناخيري وتفضل طول الليل تنزل وأنا أمسح فيها، مرورًا بأحداث تشيب الشعر بتفضل تحصل معايا طول الليلة، أحداث ميتحملهاش أي إنسان ولو لمرة واحدة بس..
وقفت قدام المراية أتأمل خيوط الدم اللي مستمرة في النزول وأنا مبتسم ابتسامة باهتة، الموضوع بدأ بدري أوي المرادي، ده يادوب لسة أذان العشاء كان من ساعة واحدة بس.. وقفت على سطح البيت مقهور، حزين، عامل زي الراجل العجوز اللي الحياة دمرته وبقا عبارة عن حطام، تخيل تفضل عايش ٢٩ يوم في رعب لأنك عارف إن يوم ١٤ في الشهر هيتكرر نفس الموضوع بحذافيره كلها، وإنك في اليوم ده هتتحول لكيان تاني وحاجة غريبة وغير مفهومة..
وبدأ الدم من تاني بدون مقدمات ينزل من مناخيري، ومسكت المناديل وبدأت أمسح فيه، مرة واتنين وتلاتة لحد ما بدأ الصداع يمسك فيا كالعادة وبطريقته المخيفة، وبدأت الدوخة المعتادة تهاجمني لحد ما وقعت مكاني، وفي نومي بدأت أشوف الحلم من تاني، نفس الحلم اللي بيتكرر من سنين طويلة..
بشوف خروف شكله بشع، عنده قرنين طوال أوي وعنيه حمرة وعمال يدور في السما، بيدور ويهمهم بهمهمات غريبة، وكأنها ترانيم من كتاب قديم بلغة قديمة وغير مفهومة، وبعدها بيركز عنيه عليا وبينقض عليا زي النسر، وقبل ما بيوصلني بقوم من نومي مفزوع، عشان كالعادة ألاقي نفسي في قلب المقابر والدم نازل من مناخيري بغزارة..
وصحيت من الحلم، صحيت عشان ألاقي نفسي قدام نفس المقبرة، وكأني بمشي وأنا نايم، والصداع بينهش فيا والدم سايل من مناخيري بغزارة، وقفت اتسند على القبر القديم لحد ما بدأ ذهني يصفى وقدرت أقف على رجلي، المقابر حوليا في كل مكان والمكان صامت بطريقة رهيبة، الظلام في كل مكان بس إحساس إن فيه حد بيراقبني بياكل في قلبي، وكأن فيه عيون كتير بتراقبني من قلب كل أضرحة المقابر دي..
وفجأة سمعت صوت خروف جاي من قلب المقابر، بس الصوت كان خشن، خشن بطريقة مُخيفة، وصوت خطواته كان واضح جدًا، صوت قوي وكأنه خروف ضخم وثقيل جدًا، ووقع أقدامه كأنه بيرج الأرض من تحتي.. وهناك وعند آخر حارة من حارات المقابر شوفته، خروف ضخم بحجم الحصان تقريبًا، عمال يدب على الأرض وبيبص ناحيتي بتركيز شديد ويزوم، الغريب إنه كان بيزوم زي الحيوانات المفترسة، قلبي وقع في رجليا وحسيت برجلي بتنهار وكأنها مش قادرة تشيلني.. رددت جوايا آية الكرسي برعب، ودعيت ربنا إنه ينجيني من الشر اللي أنا فيه، في اللحظة دي سمعت صوت بينادي وبيقول:
ـ مين هناك؟! وفورًا اختفى الخروف في الظلام وكأنه مكنش موجود من الأساس، بصيت لمصدر الصوت لقيته عم عدنان التربي، أول ما شافني فضل يقول: ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.. وبعدها اتكلم تاني وقال: ـ لسة يابني برضه بتيجي كل ليلة قمرية هنا؟؟ ـ أعمل أيه ياعم عدنان، حتى لو ربطت نفسي بالليل وقفلت كل الأبواب، لازم أنام وأصحى ألاقي نفسي هنا.. ـ يابني لازم تشوف حل للي أنت فيه ده.. ـ أنا زهقت ياعم عدنان، أنا مسبتش شيخ غير لما روحتله ومفيش أي نتيجة والله..
ـ أنا شوفت حلم غريب أوي امبارح وأنت كنت فيه.. بصتله بتعجب شديد وقلت: ـ حلم أيه ده ياعم عدنان؟! ـ شوفت جدتك في بركة كلها تعابين، وأنت واقف بتحاول تنقذها وكل ما تمسك إيديها تقوم هي ماسكة تعبان ورمياه عليك عشان تأذيك.. استغربت من كلامه وقلت: ـ وده معناه أيه يا عم عدنان؟! ـ زور جدتك يابني واتكلم معاها يمكن عندها الحل..
وسبته ورجعت البيت، وفضلت أمسح في مناخيري والدم اللي بينزل منها لحد الفجر، ومع آذان الفجر كل حاجة انتهت، ووقفت على سطح البيت أراقب شروق الشمس ودموعي مش عايزة تقف أبدًا، عمال أفكر في كل حاجة حصلتلي، وليه أنا بالأخص اللي مريض بالطريقة الغريبة والمخيفة دي.. وعلى بعد الضهر اتجهت ناحية بيت جدتي بديعة، ست كبيرة وعجوزة يمكن قربت من الـ ١٠٠ سنة، لدرجة إن فيه ناس كتير كانوا عايزين يفهموا الست دي ازاي لسة ممتتش لحد دلوقتي، سلمت عليها وقعدت قدامها ساكت مبتكلمش، وهي قاعدة تايهة وسرحانة في ملكوت الله..
الغريب واللي لاحظته كانت فيه قماشة مستطيلة محطوطة جمبها على الكنبة، ولفت نظري إن القماشة كان منقوش عليها بالخيط اسمي أنا، واسمي كان مميز وصعب أتخيل إن الاسم المكتوب ده اسم حد تاني، كان مكتوب “رشيد”.. مسكت القماشة بصيت فيها وهي أول ما خدت بالها اتنفضت وقالت بصوتها الغريب: ـ هو أنا نسيت أشيلها، يادي العيبة.. بصيت في القماشة لقتها مطرزة بالخيط كلها، شوفت كواكب كتير، واسمي ومن تحته حاجة شبيهة بالنار وكلام كتير غير مفهوم بالمرة، بصيت ناحيتها بحيرة كبيرة وسألتها:
ـ أيه ده يا جدتي؟! فضلت باصة ناحيتي وساكتة، كررت كلامي من تاني بصوت أعلى: ـ أيه ده يا جدتي بقولك؟! فضلت ساكتة مش عايزة تتكلم، وقتها راودني إحساس إن حل اللي أنا فيه ده عندها، أو على الأقل خالص عندها تفسير للي أنا فيه، كررت عليها كلامي بس مردتش، وقتها مسكت سك.ينة صغيرة كانت جمبي وحطتها على شراييني وزعقت فيها: ـ لو مقولتيش أيه ده هموت نفسي.. وقتها صرخت وقالت بصوت مرتعش: ـ لا يا ولدي أوعى تعمل كدا، لو عملت كدا هتموت وهفقد الأمل في إنه يرجعلي..
ـ مين ده اللي يرجعلك؟! سكتت من تاني..




