روايات

الحج نوح للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أبويا كان متعود يعلق المفاتيح بتاعته ورا باب البيت على طول كل ما كان بيرجع من الصلاة، لدرجة إني كنت بعرف أبويا في البيت ولا لا من وجود المفاتيح في مكانها، وكان كل وقت صلاة لازم يكون في المسجد لدرجة إني مش فاكرة إن أبويا ضيع صلاته ولو مرة واحدة في المسجد حتى لو كان تعبان وبيمـ ـوت، ولما كنت بحاول أخليه يصلي في البيت لأي سبب كان بيحكيلي قصة سيدنا موسى والخِضر لما طلعوا الكنز للغلامين والسبب إن أبوهم كان رجل صالح، وإن صلاحه ده لآخرته وكمان ليا أنا وأختي الصغيرة، لأن الرجل الصالح في الغالب ربنا بيحفظ ذريته..
كلامه كان عامل زي البلسم تسمع منه تلاقي دموعك بتنزل في صمت، لدرجة إني كنت بحمد ربنا إن أمي مـ ـاتت وربنا عوضني بأب عوضني عن الدنيا كلها، لحد ما من أيام بس بدأ أبويا يحكيلي عن كل مفتاح في سلسلة المفاتيح واللي كانوا ٤ مفاتيح، اتنين بتوع البيت وواحد بتاع الأوضة الجوانية والأخير بتاع المقـبرة اللي هيتدفــ,,ـــــن فيها، كلامه خلى قلبي يتقبــ,,ـــــض..
سألته عن السبب اللي يخليه يقول حاجة زي دي دلوقتي، لقيته بيقول إنه قلقان يوم مـ ـوته لأني بنت ومش هعرف أتصرف، عشان كدا لازم أكون عارفة كل حاجة، اشترى الكفن وحطه في الدولاب، أداني رقم المُغسل اللي هيجي يغسله ويكفنه ويجيب التابوت، مفاتيح المقبــ,,ـــــرة هديها لصاحبه (عم أشرف) عشان يدفــ,,ـــــنه فيها، وأداني رقم دكتور الصحة اللي هيجي عشان يطلع شهادة الوفــ,,ـــــاه، كل ده وأنا مذهولة ومش مستوعبة إيه اللي يخليه يجيب السيرة دي دلوقتي..
حضـني يومها حضـن طويل ودخل نام وكانت نومته الأخيرة، صحيت يومها على أذان الفجر مخضوضة، أول مرة أصحى على الأذان لأن أبويا كان بيصحيني دايمًا قبله، روحت أصحيه لقيته مبيتحركش، حاولت معاه كتير واتأكدت من جوايا إنه مات، ورغم حجم المصيبة اللي وقعت فيها إلا إني فرشت المصلية وصليت السُنة وبعدها صليت الفجر ودعيت ربنا يصبرني عشان أقدر أتعامل مع الموقف الصعب ده..
بعد صلاة الفجر لقيت الباب بيخبط، الناس في الجامع بيسألوا عليه وليه مجاش الصلاة انهاردة، ودخلوا عليه وشوفت الألـ ـم والحزن على كل الوجوه، وفي ظرف نص ساعة كان أهل الشارع كلهم قدام بيتنا، وكل واحد كان بيعمل حاجة عشان جنازة (الحاج نوح) أبويا رحمة الله عليه، وعلى بعض الضهر وقبل طلوع الجنازة سلمت المفاتيح لعم أشرف صاحب أبويا وقالي إنه عارف المقبــ,,ـــــرة وهيدفــ,,ـــــنه وطمني بكلامه للنهاية..
وطلعت الجنازة من الجامع اللي قدام البيت وطلع وراها أهل البلد كلهم، يمكن كانت أكبر جنازة طلعت من سنين طويلة رغم إنها مكنتش يوم أجازة، واتدفــ,,ـــــن أبويا ورجع الناس لبيوتهم من تاني، وجالي عم أشرف سلمني المفاتيح وواساني بكلمتين وقالي لو احتجت حاجة لازم أكلمه وشكرته وقفلت الباب..
قولت إني مش هستقبل حد، العزاء بدعة وأنا مش هعمل بدعة في والدي الراجل الصالح، وكمان أنا فعلًا مش قادرة أستقبل أي حد، ونمت يومها نوم طويل أوي، وصحيت في نص الليل عشان ألحق صلاة القيام والفجر لأني مكنتش صليت ولا المغرب ولا العشاء كمان..
وبعد صلاة الفجر والدعاء والبكاء سمعت صوت حركة المفاتيح المتعلقة ورا الباب، كان صوتها ضعيف أوي بس سمعته لأن المكان كان صامت تمامًا، قمت من مكاني وروحت ناحيتها، بصيت للمفاتيح وبدأت أحس بإحساس غريب أوي، قلبي بيدق بعنــ,,ـــــف كل ما ببص للمفاتيح، وكأني شايفة حاجة لا يتحملها إنسان، أصرف نظري عنها دقات قلبي تهدى تمامًا، أرجع أبص للمفاتيح من تاني قلبي يدق بعنــ,,ـــــف شديد، لدرجة إني كنت هقع مكاني من الإجهاد والخوف..
رجعت لسر,,ـــــيري ونمت، وأول ما نمت لقيت نفسي قدام قبــ,,ـــــر أبويا وهو واقف في صمت تام هناك، بنفس الطيبة والبراءة اللي جواه، بس الاختلاف الوحيد كانت عنيه، كان فيها حزن وقلق ولقيته بيبص ناحيتي وبيقول:
ـ المفتاح… المفتاح في إيد مين؟؟
وقمت من النوم على نفس صوت المفاتيح وحركتها، رجعت أبص عليها من تاني، قلبي لسة بيدق وكأني مش متحملة أشوف منظرها أبدًا، وكأني ببص لحاجة من عالم تاني، عالم مينفعش العين البشرية تلمح أي حاجة منه، لحد ما لمست المفاتيح ومسكتهم في إيدي، وكانت المفاجأة المرعبة لما لقتهم 3 مفاتيح بس، فضلت أبص يمين وشمال يمكن المفتاح الرابع وقع، بس مكنش له أي أثر..
جربت المفاتيح وكانت الصدمة الأكبر، المفتاح الناقص هو مفتاح المقبــ,,ـــــرة بتاعة أبويا، لأن المفتاحين فتحوا البيت، والمفتاح التالت فتح الأوضة اللي جوة، وقبل ما استوعب المصيبة دي لقيت خبط على باب البيت، روحت أفتح الباب ملقتش أي حد، وقبل ما أقفل باب البيت لمحت ورقة صغيرة مرمية تحت الباب، ورقة كان مكتوب عليها الجملة الغريبة دي:
ـ الراجل الصالح اتدفــ,,ـــــن، بس اللي دفــ,,ـــــنه مش صالح..
الجملة دي خلت جسمي كله يقشعر وجسمي يفقد اتزانه، قعدت على الكرسي وفضلت أنهج زي اللي كان بيجري في سباق مالوش نهاية، يعني أيه اللي قرأته ده، وكمان فين المفتاح الرابع، عشان كدا لبست هدومي وروحت على بيت عم أشرف، هو الوحيد اللي أكيد عارف المفتاح راح فين، خبطت على باب بيته وأول ما شافني حاول إنه يتحاشى النظر ليا، سألته عن المفتاح ورد عليا برعشة وقال:
ـ ما أنا رجعته يا بنتي مع باقي المفاتيح..
بصتله بغضـ ـب وأقسمت بالله إني هفضحه في البلد كلها لو مقلش المفتاح راح فين، وفي النهاية قالي إن أبويا السبب، هو اللي اشترى أسوأ مقبــ,,ـــــرة في المقابــ,,ـــــبر كلها رغم إن الكل حذره منها، المقبــ,,ـــــرة السودة، حاولت أفتكر كل الكلام اللي سمعته عنها وأنا صغيرة وازاي كان بيتحط فيها أعمال وأسحار وجثـ ـث حيوانات، المقبــ,,ـــــرة اللي اتحـ ـرق بيت الدجال رمزي بسببها والناس طردوه من البلد وفضلت مقفولة سنين والناس بتخاف تعدي من قدامها أو تجيب حتى سيرتها..
أبويا رغم كل الكلام اللي عليها اشتراها، وقرر إنه يتدفــ,,ـــــن فيها عشان يمنع شرها عن الناس، لأنها لما تتقفل وحد يتدفــ,,ـــــن جواها كل الشر اللي فيها هينتهي، بس واضح إن رمزي بعد السنين دي كلها كان مستني اليوم اللي هتتفتح فيه، وقرر يساوم أشرف ويخوفه عشان ياخد المفتاح منه، عشان يفتحها بعد كدا وياخد اللي جواها، واللي معرفش كان إيه..
وأبويا كان فاكر إنه لو اتدفــ,,ـــــن فيها محدش هيجرؤ يفتحها تاني، وتحديدًا لو رمزي اللي فتحها هتأذي ناس كتير، بس أبويا مكنش يعرف إن رمزي يقدر يعمل أي حاجة حتى لو هينتهك حرمة الأموات، مفكرتش كتير وجريت على المقابــ,,ـــــبر رغم إن الشمس كانت بتغرب، وهناك لقيت قفل المقبــ,,ـــــرة مفتوح وفيه حد جوة، والغريب إني شوفت دخان طالع من القبــ,,ـــــر..
وقتها معرفش أيه اللي حصل، خرجت برة شارع المقابــ,,ـــــبر أصرخ زي المجنونة، عدد كبير من الناس خرجوا من بيوتهم وجريوا ناحيتي، خدتهم ورجعت على المقبــ,,ـــــرة وهناك مسكوا رمزي جوة بيحفر فيها وبيطلع حاجات قديمة، حاجات هتخليه يقدر يشتغل ساحر من تاني، عهود شيطانية وكتب قديمة، الناس .وه، أيوة .وه، وقفلوا المقبــ,,ـــــرة على أبويا عشان تتقفل بالشر اللي جواها للأبد..
وبعدها اتعرفت إني بنت الحج نوح، وجالي شباب كتير يتجوزوني لأني بنت الرجل الصالح وعرضوا يتكفلوا بيا أنا وأختي، عشان أبويا كان راجل صالح، راجل كان سبب إن شر المقبــ,,ـــــرة ينتهي، معرفش ليه وقتها افتكرت قصة الخضر وموسى اللي أبويا كان بيحكيها، الرجل الصالح بيكون سبب نجاة لأولاده من بعده، صلاحك في الغالب ليك ولذريتك..
[وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا] سورة الكهف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى