
أنا بشتغل عاملة في مستشفى كبيرة أوي بس مش هينفع أقول اسمها، ومن حظي اللي زي الفُل اتعينت في قسم الحروق، وما أدراك ما قسم الحروق، القسم اللي كلمة آآآه مبتقفش فيه لحظة واحدة، نموذج مُصغر لنار جهنم بالظبط، ومن حظي اللي قولتلكم إنه زي الفُل كنت شغالة في عنبر الحالات الحرجة.. يعني أي حد عنده حـ,ـروق من الدرجة التالتة وجسمه متشـ,ـوه وشبه متفحم هتعرف إن أنا اللي بشيله وانقله واعتني بيه على السرير بتاعه لحد ما يقابل رب كريم، اه مانا نسيت أقولك إن أغلب حالات قسم الحالات الحـ,ـرجة مش بيعيشوا إطلاقًا، ونادرًا لما حد بيتعافى ويقوم من الإصابة..
كل ده ربى جوايا هم وغم وضيق صدر كبير، وكل ما كنت بحاول أسيب الشغل مكنتش بقدر، ولقيت نفسي بتورط يوم بعد يوم في الشغلانة اللي تدمر النفسية دي، كل شكل حالة من الحالات المحروقة كان بيربي جوايا شيء من الدمار النفسي، أصوات آهاتهم بالليل بتفكرك إنك واقف مع مالك خازن النار على بوابة جهنم، وللأسف كان لازم مُخـ,ـدر، مُخدر قوي عشان يهون عليا الأيام الصعبة دي..
شربت سجاير وأدمنتها، لقيت فيها متنفس قوي أطلع فيه انفعالي وغضبي، بس مع الأيام كنت محتاجة مُخـ,ـدر أقوى، مُخـ,ـدر ينسيني حياتي كلها ومفكرش غير فيه، وللأسف المُخـ,ـدر ده كان الجِنـ ـس، اتعرفت مع مرور الأيام على شاب من بتوع الأمن وكبرت بينا علاقة عاطفية، ومع الأيام اتحول الموضوع لعلاقة فجة كاملة مُتكاملة، كنا من قرارة نفسنا عارفين إن الموضوع مجرد مصلحة، أنا بهون عليه وردية بالليل، وهو بيهون عليا الشغل الصعب اللي أنا بشتغله..
وكان يوم بعد يوم بيجبلي سجاير محشية بتخليني أسافر من الواقع اللي أنا فيه، جنـ ـس ومخـ ـدرات وتدخين، ولو كنت لقيت حاجة تاني كنت هعملها بدون أي تردد، كنت أسمع صوت الآهـ,ـات أقوم مولعة السيجارة وأقف عند شباك الأسانسير بعيد أشرب السيجارة وأشغل أغاني قديمة تفصلني..
وفعلًا المَوضوع جاب نتيجة، ونتيجة كبيرة كمان، لدرجة إن أعصابي بقت في تلاجة وبقيت بتجاهل الآهـ,ـات والتعب وحتى استغـ,ـاثات المرضى، ولما بتطلب معايا أكلم (علي) بتاع الأمن نطلع لوحدنا في غرفة قديمة في آخر المبنى نقضي وقت مع بعض، واستمر الموضوع يمكن ٦ شهور كاملين، أيوة كانت فيه مواقف غريبة وكنت بشوف أطياف وأسمع أصوات مش من عالمنا أصلًا، بس الحشـ ـيش بيخليك تتعامل عادي، والدنيا زي الفل..
لحد ما جالنا اتصال من الطوارئ إن فيه حالة حرجة جدًا وحـ,ـروق من الدرجة التالتة وجاية علينا، التمريض كلمني استقبلها وادخلها على سرير، شربت السيجارة بسرعة وكنت قبلها بنص ساعة مع علي بتاع الأمن ولسة حتى مغسلتش نفسي.. وطلع الأسانسير بالحالة اللي كانت أغرب حالة شوفتها في حياتي، ست كبيرة اسمها الحاجة وفية، وشها أبيض ومورد بالأحمر وكأنه منور تمامًا، في حين إن جسمها حرفيًا كان شبه متفحم، الست هدومها كانت مخلوطة بجلدها بسبب قوة الحـ,ـرق، بس الغريب مكنش في كدا، حالة غيرها كان هيبقا صوت صريخها ووجعها واصل لآخر الدور، إنما دي كانت مبتسمة وعمالة تردد بهدوء شديد:
ـ إنا لله وإنا إليه راجعون.. المشهد ولأول مرة يهزني بالطريقة دي، وكأنها ست جاية من عالم تاني، ده الجلد محـ,ـروق ومعاه اللحم، أنتي ازاي مش موجوعة، وصلنا بيها للسرير أنا وعامل تاني والدكتور وممرضة، ومسافة ما مسكت الملاية عشان أرفعها مع العامل صرخت، صرخت وبصت ناحيتي بصة غضب رهيبة، وبكل صرامة وكأنها مش في حالة حرجة قالت: ـ النجسة دي متحطش إيدها عليا..
انا اتنفضت من كلامها، وزادت رعشة جسمي لما بصت في عنيا وكأنها شايفة أفكاري وعارفة أنا عملت أيه في حياتي كلها، لدرجة إني حسيت إني عريانة قدامها، الدكتور زعق فيا عشان أتجاهل كلامها وكأنها خطرفة مريض، بس الحاجة صرخت تاني وقالت: ـ قولت النجسة دي متحطش إيدها عليا.. بعدت وأنا خايفة عشان الممرضة والدكتور يشيلوها ويحطوها على السرير، وفضلت نظرتها تطاردني وكأنها نظرة ملك المـ,ـوت، خرجت من العنبر وسبت الدكتور يحطها على الأجهزة الخاصة بالسرير اللي بتقيس مؤشراتها ومن جوة لسة سامعة صوتها الثابت الصارم بيردد:
ـ إنا لله وإنا إليه راجعون.. سبتها ووقفت في الشباك أدخن سيجارة تانية وأنا من جوايا بسب وبلعن عليها، دخلت غسلت جسمي في الحمام وخرجت، لقيت الدكتور بينادي عليا عشان تساعده في إننا نقلبها على جمبها، بس الغريب إنها معترضتش المرة دي، سابتني ألمسها، بس فضلت نفس النظرة القاسية تطاردني بيها.. ولازالت عمالة بتردد نفس الذِكر، لدرجة إن صوت الذِكر كان بيتعبني أكتر من صوت آهات المرضى، وغصب عني كنت محتاجة أفصل، أفصل بالمخدر الأقوى، استنيت تلت ساعات لما الدنيا هديت خالص وخدت الست المسكن والدور فضي واتصلت لتاني مرة في نفس الليلة بعلي بتاع الأمن وجهزت الأوضة من تاني..
وبعد نص ساعة كنت أنا وهو لوحدنا في الأوضة بنمارس الفاحشة بكل صورها، كانت آهات المرضى كلها ألم، إنما انا بتكلم من المتعة والمخدر اللي أنا فيه، ووسط اللي أحنا فيه ده لقيت باب الأوضة بيتفتح بهدوء تام وشوفت عيون بتبص علينا، عيون الحاجة وفية، نفس العيون الغضبانة اللي كلها وعيد، اتنفضت وصرخت لقيت علي كتم صرختي، شاورت ناحية الباب بس كانت العيون اختفت، خرجت بسرعة وأنا جسمي كله بيترعش وهو خاف وقلق ونزل بسرعة وسابني..
دخلت الحمام أغسل نفسي وأنا عمالة أترعش ومش قادرة أسيطر على نفسي، الحمام كان فيه دش صغير كنت دايمًا بستحمى فيه، قلعت هدومي ونزلت تحت الدش وأنا بحاول أتمالك أعصابي، بس من برة بدأت أسمع صوت خطوات دخلت الحمام، خطوات هادية بطريقة مستفزة ومُخيفة جدًا جدًا.. مين هيدخل الحمام بالليل، كل الحالات استحالة تقوم من سريرها، ومحدش بيدخل الحمام ده غيري، ناديت على اللي بره عشان يرد عليا بس مكنش بيرد، وحسيت إن فيه شيطان بره هيدخل دلوقتي ويقـ,ـتلني، وقبل ما أنطق نور الحمام بتاع حمام المستشفى أتطفى، وحسيت بخبطات خفيفة على باب الحمام من بره..
شوية وشوفت أكتر من ٢٠ عين حمرة شيـ,ـطانية في قلب الحمام، وكأن الحمام فيه عشر شيـ,ـاطين، وكلهم كانوا بيبصوا ناحيتي، وبالأخص على جسمي، كان عندي يقين بده، و الأسوأ إني حرفيًا كنت حاسة إن جسمي بيتحرق من نظراتهم، وراودني إحساس بالعار والخزي، كل ده وأنا لساني جاتله حالة جفاف وجسمي كان مشلول، مبيتحركش.. وفجأة سمعت وشوشة في ودني بتقول: ـ مكسوفة من نفسك ومن أفعالك يا حقيرة ولا لا.. الكلام كان عامل زي الحمم النـ,ـارية اللي بتتصب في ودني، وكملت الوشوشة وقالت:
ـ الناس بتتحرق وأنتي مبتتعظيش، عشان كدا هنحرقك زيهم.. وحسيت وقتها بنـ,ـار، نـ,ـار بتاكل في جسمي، وقتها قدرت أتحرك، فتحت الباب وجريت، جريت زي المجنونة، ولقيت نفسي فجأة عـ,ـريانة وفي نص الدور، وكأن فيه حاجة بتتعمد تحسسني بالخزي والعـ,ـار، دخلت حمام تاني استخبيت فيه وانا مش عارفة هستر نفسي بأيه والهدوم في الحمام إياه.. ووسط رعشتي ورعبي قعدت في ركن الحمام اتنفض، ومن بره بدأت أسمع نفس صوت الخطوات من تاني، وظهرت قدامي، الحاجة وفية، مكنتش محروقة، كانت سليمة وعاملة زي الأبطال الخارقين، ضخمة أوي ووشها منور ونظرتها عاملة زي السهم..
بدأت اتنفض أكتر وقولتلها: ـ أبوس إيدك استريني.. وبدون ولا كلمة لقيت نظرتها اتغيرت وحدفت عليا هدوم، هدومي اللي كانت في الحمام، لبستها بسرعة وهي كانت اختفت من قدامي، وخرجت أجري وقعدت على السلم أبكي، أبكي بمرار وخوف مالوش حدود، وقتها اتحركت ناحية أوضتها، لقتها بنفس الوضع تحت الأجهزة، ولسة بتردد بثبات: ـ إنا لله وإنا إليه راجعون.. قربت منها ودموعي نازلة زي الشلال، كانت مغمضة بس أول ما قربت منها فتحت، وبصت ناحيتي بصة مُخيفة، بس لما شافت دموعي لانت نظرتها، ولقتها بتشاور عشان أقرب، قربت ناحيتها بخوف شديد لقتها بتشدني عشان أقرب ودني منها، كانت عايزة تتكلم:
ـ ندمانة.. ـ اه والله ندمانة ونفسي حد يساعدني.. ـ كفى بالمـ,ـوت واعظًا يا بنتي، وأنتي شوفتي أصل الدنيا، شوفتي حقيقتها، وشوفتي النار والمـ,ـوت، ازاي متعظتيش من كل ده!! بكيت أكتر وأكتر وقلت: ـ كنت عايزة أي مسكن يقويني على اللي أنا فيه.. ـ كام واحد بيجي محـ,ـروق زيي كدا وساكت مبيصرخش؟؟ ـ أنتي وبس يا حاجة.. ـ عشان معايا مسكن أقوى من المسكنات الحرام، معايا ذكر الله اللي عشت عمري كله بردده، كل ما بحس بوجع بردده الوجع بيروح، الخنقة بتروح، حتى المشاكل بتختفي، ليه يابنتي ناخد مسكنات حرام ومعانا ذِكر الله..
وقتها كانت دموعي بتسيل وقولتلها: ـ أنصحيني يا حاجة.. ـ ذِكر الله يا بنتي، إنا لله وإنا إليه راجعون معناها إننا كلنا لله، جسمنا وأرواحنا ودمنا، هو اللي خلقنا، وإليه هنرجعله، عايز ياخد دراع، رجل، جلد، عايز يخلينا نتقطع، نتشرح براحته، هو مولانا وكل اللي فينا ومعانا له، ومهما ياخد مننا بنشكره، لأننا كلنا منه وراجعين له، وكلنا يعني كل خلية وكل عرق فيك له، عشان كدا يابنتي مش مستاهلة معاصي، خليكي معاه لأنك له وإليه ومنه، هو الله يا بنتي..
معرفش ليه كلامها خلاني أحس بسكينة رهيبة، وحسيت بالراحة ناحية كل الحالات اللي هنا، أيه يعني اتحـ,ـرقوا طالما جلودهم ولحمهم من خلق الله وراجعين له، وطالما ده قدره فأحنا راضيين، راضيين والله، ابتسمت وقولت: ـ أنتي بتتحركي يا حاجة؟؟ لقتها ابتسمت وقالت: ـ مش أنا يا بنتي، دول عباد صالحين كانوا بيصحوني لصلاة الفجر وبيساعدوني بأمر الله، حبوا يدوكي درس بس درس يعلمك صح، ومتنسيش إنا لله وإنا إليه راجعون..
ومـ,ـاتت، مـ,ـاتت الحاجة ووقعت فوق منها أبكي بانهيار، الدكاترة جريوا عشان يلحقوها بس كانت مـ,ـاتت، مـ,ـاتت وهي بتقولي إن أغلى مسكن في الكون هو ذكر الله، وإن حتى وجع النـ,ـار بيسكن لو عندك يقين في الذِكر نفسه، وكان لازم أتوب، أتوب توبة نصوحة، وإن شاء الله هعيش باقي عمري على جملة واحدة اتعلمت معناها.. إنا لله وإنا إليه راجعون…. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




