
وأحنا قاعدين في البيت وتقريبًا على بعد الضُهر سمعنا صوت مزمار قوي وغريب في الشاررع قدام البيت بتاعنا، كان شبه مزامير المولد اللي خلصت من زمان، استغربت أوي وقولت يمكن فرح أو زفة، بس لو فرح كنا هنبقا عارفين، ووسط تفكيري واستغرابي ده فوجئت بحاجة بتزحف على الحيطة، حاجة ضخمة وطويلة ولونها أسود..
وبدون وعي مني صرخت مرة واتنين وعشرة، كان تعبان، تعبان طويل وشكله بشع وكان بيزحف وخارج ناحية باب الشارع، عمي نزل من فوق هو وابن عمي وأمي خرجت تجري وقدام عنينا خرج أكتر من تعبان من شقتنا، حوالي خمسة أو ستة، كلهم لونهم أسود ومش صغيرين وكلهم زحفوا ناحية الشارع..
وقدام عيني لما خرجت معاهم شوفت راجل، دقنه طويلة وماسك شوال ومزمار عمال يزمر بيه، والتعابين كانت بتزحف ناحيته، أول ما قربوا منه حطهم في الشوال وربطه وكمل مشي، كل ده وأنا أعصابي شبه منهارة ومش قادرة أتحرك، قعدت تقريبًا طول اليوم بترعش وقلبي بيدق لحد ما أبويا رجع من الشغل.. وقتها حسيت بالأمان أخيرًا، وطبعًا حكيناله كل حاجة، ظهر عليه التوتر والقلق واستغرب إن عمي موقفش الراجل واستفهم منه التعابين الضخمة دي دخلت البيت ازاي، أحنا في بيئة زراعية وتعابين الغيطان استحالة تبقا بالوصف ده..
ومن شدة قلق أبويا علينا قعد تاني يوم من الشغل ومخرجش، كان حاسس بالقلق عليا أنا وأمي، وبعد الضهر سمعنا نفس المزمار قدام البيت، وقتها اتنفضت من مكاني وجسمي كله قشعر ومسكت في دراع أبويا، كنت مرعوبة يتكرر نفس موضوع امبارح، بس للأسف اتكرر، ونفس التعابين بدأت تخرج من الشقة، واحد من المنور، وواحد من المطبخ، واتنين من الأوضة القديمة..
مسكت في أبويا بضوافري من الرعـ,ـب لحد ما التعابين خرجت في النهاية، وخرج أبويا وراها وشاف الراجل بيجمعها في الشوال، أبويا خد منه الشوال وطلب منه بحزم يتفضل عندنا شوية، الراجل حاول يرفض بس نظرات أبويا خلته يستسلم ويدخل عندنا، أبويا طلب مننا نعمل شاي للضيف وأنا لازلت بترعش زي ما أنا.. شوية ودخلت أقدم الشاي لقيت الراجل بيقوله: ـ هي دي فاطمة؟؟
جسمي كله اترعش، هو عرف اسمي منين، أبويا طلب مني أقعد معاهم عشان الراجل عاوزني أسمع الكلام، الراجل ببساطة كان عارف اسمي وسني وتفاصيل كتير أوي عن حياتي، بل وقالي إن عندي عادة كدا وبحب أقف قدام المراية كتير، وشي وقتها كان بيصفر وعمالة أترعش من الخوف، أبويا طمني وبدأ الشيخ يفهمنا كلام غريب أوي.. قال إن معايا مس عاشـ,ـق من المراية، ومعايا مس عاشـ,ـق من عمار البيت، وإني مرصودة من الجِن لأني زوهرية الدـ,ـم، وإن التعابين من هنا ورايح هتظهر بسبب المس ده أكتر من مرة في البيت، وممكن تحاول تأذيني في الأيام اللي جاية..
كلامه كان مُرعب، لدرجة إني بكيت من الخوف، أبويا صوته كان بيترعش وهو بيحاول يطمني، وبدأ يطلب من الشيخ حل، أي حل، وبعد تفكير طويل أوي، تفكير دام لدقيقتين قال إن فيه حل بس لازم يتنفذ خلال شهر واحد بس وإلا الموضوع هيسوأ أكتر وأكتر، تقريبًا مكنتش باخد نفسي وقتها عشان أسمع الحل، وبدون تفكير كتير قال: ـ لازم بنتك تتجوز حد من نفس البيت، عشان اللي معاها يسيبها في حالها لأنه استحالة يرضى بحد غريب..
قال الكلمتين دول وشرب الشاي ومشي، وفضلت أبص لأبويا بذهول، كدا مفيش حد من نفس البيت غير ابن عمي، اللي هو أساسًا اتقدم من شهر وأبويا رفضه رفض قاطع، يومها قعدت مع أبويا وأمي بالليل وكنا في قمة التوتر، أبويا كان غضبان، ومش عارف يعمل أيه، ولما اقترح نستنى يمكن التعابين متظهرش أمي صرخت، وقالت ولو ظهرت ومـ,ـوتت حد يبقا كل حاجة خربت، وزي ما أبويا رفضه قرر للأسف يكلمه ويوافق بيه، رغم إنه بيدخن وصايع ومش كويس..
وطبعًا الوضع اختلف تمامًا، بعد ما كنا بنتشرط ونبيع ونشتري فيهم ونرفض، الوضع اتبدل وأمه طلعت كل حقدها وغلها، وعملت فينا كمية تحكمات كانت هتجيب لأمي سكتة قلبية وقتها، بس كان غصب عننا، وكُنا مضطرين نعمل كل ده وإلا التعابين زي ما قال الشيخ هتظهر من تاني..
وكتبنا الكتاب واتجوزنا بعد تلت أسابيع بس في الدور التالت اللي عمي دفع نص تمنه لأبويا عشان ابنه يتجوز فيه، خلصنا الزفة وطلعنا لعش الزوجية وكانت كل الأمور طبيعية تمامًا، هو دخل ياخد الدش بتاعه وأنا قعدت في غرفة النوم بفكر في حياتي اللي جاية كلها، كنت مبسوطة، وحاسة إني خلاص هكمل حياتي على المنوال ده..
ووسط تفكيري لقيت جوزي دخل الأوضة وكان شكله مبسوط أوي، بس الغريب إنه أول ما دخل ابتسم في وشي وطفى نور الأوضة كلها، وقفل الباب عشان معرفش أشوفه في أي مكان، لحظات وبدأت أحس بلمسات على دراعي وجسمي، كنت بضحك غصب عني من أفعاله الغريبة، وكان كل لحظة يمسك دراعي أو أحس باحتكاك فيه وبعدها يبعد من تاني، عمل ده يمكن أكتر من عشر مرات وأنا عمالة أكلمه ومش عاوز يرد عليا..
بس مفيش دقيقة وبدأت أحس باحتكاك طويل، احتكاك خلى جسمي كله يقشعر، كانت فيه حاجة ماشية على ضهري، حاجة طويلة ولزجة، معرفش ليه افتكرت وقتها التعبان وشكله ومنظره، قمت من مكاني والحاجة دي على جسمي قربت من مفتاح النور وانا ريقي ناشف ولساني معقود.. ومسافة ما فتحت النور لقيت تعبان على جسمي، تعبان أسود طويل، مسكته بكل رعب الدنيا ورميته بعيد عني، ومسافة ما عملت كدا وقعت في الأرض زي القتـ,ـيلة وكأني كنت شايلة جبل على كتفي، زحفت بره الأوضة زي التعبان بالظبط وكأن رجلي خانتني وقررت متشلنيش تاني، حاولت أنادي أو أنطق بنص كلمة بس صوتي كان مبحوح..
وفين وفين لما قدرت أقف من تاني وأجري على باب الحمام، بس اللي صدمني إني سمعت صوت واحدة بتضحك مع جوزي جوه الحمام، وهو عمال يكلمها ويضحك، حسيت إني هفقد وعيي وتماسكت بالعافية وفتحت الباب.. وقدام عنيا شوفت واحدة، نسخة مني مع جوزي تحت الدُش، كان هو عـ,ـريان وهي لابسة لبس خفيف، بس أول ما جوزي شافني بصلها بفزع وشوفنا عنيها بتتحول وكأنها عيون تعبان، مشقوقة بالطول وعندها أنياب، أنا وقعت من طولي وجوزي خرج عريان يجري في الشارع زي المجنون ويصرخ، ولولا الناس مسكوه ورجعوه بالعافية كان هيفضل يجري لحد ما يمـ,ـوت..
عمي وأبويا طلعوا الشقة بعد ما مسكوا ابن عمي وفوقوني وكان الخوف باين عليهم، وبدأ ابن عمي يخرف، ويهلوس، ويتكلم زي المجانين، بس وسط كلامه قال كل حاجة، وفضح كل حاجة عملناها الغبي.. كنا بنحب بعض أوي أوي، ولما اتقدملي أبويا رفض، كان عاوز واحد متدين ومحترم وأنا كنت عاوزاه، بس مكنتش أقدر أعارض أبويا إطلاقًا لأنه كان شديد، وبدأ ابن عمي يخطط مرة واتنين لحد ما قرر وقالي هيخلي أبويا يجوزني له بالعافية..
اتفق مع حاوي تعابين وكان بيجيبه بالليل ويدخل تعابين في شقتنا، والضهر كان يجي يزمر وتخرج، كل ده مكنتش أعرف إنه هيعمله وإلا كنت همـ,ـوت من الرعب، وخلى الحاوي يقول لأبويا إني لازم أتجوز حد من أهل البيت ويعمل التمثلية دي، بس كان المقابل مبلغ كبير، وابن عمي بعدها رفض يديله حاجة وقرر ينصب عليه..
بس الحاوي قرر ينتقم، وعرفنا بعدها إنه عملنا سحر تخييل ليلة جوازنا، أنا شوفت جوزي في الأوضة، وهو شافني في الحمام، وحصل الرعب اللي شوفناه ده، أبويا وقتها فضل مريض من صدمته فيا شهور، مكنش بياكل ولا يشرب، ومش مصدق إني أكون شيطانة بالطريقة دي، وكلها أيام ومات وهو غضبان عليا، وابن عمي اتجنن تمامًا بعد فضيحته لما جري عريان في الشارع، وأنا مجاليش عريس من يومها بعد ما الموضوع اتعرف في كل مكان..
ندمانة، ندمانة أوي، ندمانة إني مسمعتش كلام الناس اللي بيخافوا عليا بجد أبويا وأمي، وعشان حُب أعمى عصيت أبويا فكان الجزاء، ندمانة زي ما كل بنت بتعرف واحد من ورا أهلها وبتتجاهل نصايحهم هتندم، وهتندم ندم كبير كمان، عرفت مؤخرًا إن كلام أبويا وأمي في الغالب هو الصح خاصةً لو أنا بنت، متعرفيش شباب، ألبسي كويس، خليكي محترمة، كل دي نصايح من دهب محدش هيقولها ولا هيحبني في الدنيا دي زيهم، بس أحنا بنضحي بكل ده عشان شهـ ـوة زينة ولا عـ,ـلاقة محرمة، والنهاية بتكون سيئة فوق ما تتخيل..
[وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا] سورة الإسراء بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




