روايات

الطفلة يارا للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

لسة فاكر نظرات يارا ليا وهي عندها سبع سنين تقريبًا وأبوها بيتغسل جوة عشان ندفنه وبتسألني بكل براءة: ـ هو كدا مش هشوف بابا تاني يا عمو قاسم؟؟ ابتسمت وقتها والدموع في عنيا ووعدتها إني مش هسبها أبدًا وإني هفضل جنبها خاصةً إن أبوها قبل ما يموت وصاني عليها كتير أوي، وتم دفن الج.ثمان وخدنا العزاء بتاع أبوها وفضلت البنت في البيت عندي، وحيدة أبوها بعد ما أمها اتطلقت واتجوزت واحد من دولة تانية وهربت وسابتها، البنت بصراحة كانت في أسوأ وضع ممكن بنت تتحط فيه..

واتكلمت مع مراتي شوية اللي وافقت إنها تتربى مع ابني عاصم اللي كان عنده وقتها ١٠ سنين، وبدأت من يومها أتعامل مع البنت على إنها بنتي اللي مخلفتهاش، وعدت الأيام يوم بعد يوم لحد ما البنت بدأت تتفوق في الدراسة بطريقة ملحوظة، كانت دايمًا بتقولي إنها هتخليني أبقا فخور بيها..

وطلعت الأولى على المرحلة الإبتدائية على مستوى المحافظة كلها، في حين إن ابني عاصم كان فاشل بكل معنى الكلمة، بدفع هنا وهناك عشان يعدي بس ويكمل في دراسته، وواحدة واحدة البنت بدأت تظهر عليها ملامح الأنوثة لما تخطت الـ ١٥ سنة، وقتها كان ابني مراهق عنده ١٨ سنة، وبدأت ألاحظ على الولد شرود وسرحان طويل، بل وكشفته أكتر من مرة بيتفرج على إباحية وض.ربته مرة واتنين وتلاتة..

والغريب إن يارا بقت على طول خايفة وقلقانة وكانت بتقفل باب الأوضة على نفسها بالمفتاح طول اليوم، حاولت استفهم منها التغير الغريب ده بس كانت بتبتسم وبتقولي إنها داخلة على ثانوية وبتجهز نفسها عشان تدخل كلية كبيرة.. في الوقت ده ده كان ابني في آخر سنة في الثانوية وجاب حوالي ٥٥ في المية ودخلته معهد خاص بالعافية، ومن يومها بدأت أخلاقه تبوظ أكتر وأكتر، مخدرات على سهر على بنات، كانت بذرة فاسدة مش قادر أقومها..

وعدت الأيام وبدأت ألاحظ تغيير جذري لمعاملة مراتي ليارا، لأول مرة بقت تعامل البنت معاملة قاسية وناشفة بالطريقة دي، بل وبقت بتهينها وتحاول تقلل منها كل شوية بطريقة غريبة، ولما حاولت استفهم مراتي قالتلي إنها بنت قليلة الأدب وبتدعي الفضيلة وبس.. واتحملت يارا، اتحملت كتير، وكانت دايمًا مركزة في الدراسة، كانت بتذاكر يوميًا أكتر من ١٢ ساعة، وعلى طول قافلة باب الأوضة عليها، لحد ما جت مراتي في ليلة وقالتلي إنها شاكة في يارا إنها على علاقة بولد معاها، وإن قفلة الباب دي مش مريحاها..

الكلام بصراحة أشعل جوايا غضب كبير، وبدأت أفتش ورا البنت بره وجوه، بس فعلًا البنت مدرسة ودروس وبس، حتى تليفونها موبايل صغير ومفتوح على طول، في الفترة دي مراتي كانت بتحاول تختلق معاها أي مشاكل، وبقت بتجبرها تشتغل في شغل البيت بطريقة مهينة رغم إنها مكنتش بتمانع أبدًا..

وأنا نوعًا ما كبرت دماغي عشان المركب تمشي، ورغم كل المشاكل دي طلعت نتيجة البنت ودخلت كلية الطب، وجتلي يومها وشها منور وكانت طايرة من الفرحة، وأول ما الخبر وصل لمراتي لقتها اتحولت، كانت مقهورة إن البنت تتفوق على ابنها، وشايفة إن ده غلط كبير في حقها، أقنعتها بكلمتين إن كل ده عادي وإن الموضوع مش مستاهل كل الكلام ده..

وبدأت البنت دراسة في كلية الطب وبدأت مراتي تزن عليا عشان مدفعش مصاريف كتير ليها لأن الكلية كانت بتحتاج مصاريف، حاولت أفهمها إن البنت لما تبقا دكتورة أكيد هتقف جمبنا مش هتسبنا، بس مراتي كانت راسها وألف سيف إني مضيعش مصروف البيت على يارا.. وبدأت أعيش فعلًا في جحيم، زن مراتي، وضميري اللي قاهرني إني مخليش البنت تكمل تعليمها، خاصةً إنها داخلة سنة تانية كمان، لحد ما فوجئت بيها جاية في يوم بتستأذن إنها هتتأخر يوميًا عشان لقت شغل وهتحاول تخف من عليا المصاريف..

ولما سألتها شغل أيه، قالتلي إنها هتشتغل مع دكتورة تشريح في الكلية في المشر.حة تساعدها وهتعمل ليها مرتب كل شهر، وروحت لمراتي أفرحها على أساس إن ده هيسعدها، بس الغريب إنها اتقهرت أكتر وبدأت تتلكك للبنت أكتر وأكتر بطريقة غريبة وغير مفهومة..

لحد ما فوجئت في ليلة بصراخ غريب من أوضة يارا، جريت أنا ومراتي عشان اتفاجئ بابني في أوضتها بيترعش وخايف وهي ملفوفة في البطانية وخايفة، أول ما دخلت استخبت ورايا وقالتلي إن عاصم بيحاول يتحرش بيها، ولما انذهلت من كلامها قالتلي إن ده بيحصل من سنين وهي مش عايزة تقولي عشان متزعلنيش، وإنها بلغت مراتي من يومها بس مراتي كذبتها وعاملتها وحش ومصدقتهاش.. وقتها بصيت لعاصم بصة عدوانية لقيته بيحلف إنها اللي متفقة معاه يجلها بالليل، وحتى مراتي اتدخلت في الحوار وقالتلي إن البنت دي كذابة وإنها اللي بترسم على عاصم وأنا مكنتش بقولك وبحاول أهذبها واحدة واحدة..

ووقعت في حيرة كبيرة ومبقتش عارف أصدق مين، وخرجت من أوضتها وقعدت في الصالة حيران، هتجنن، وعدى اليوم عادي لحد ما فوجئت تاني يوم بحد من جيراني بيقول إن فيه خبر انتشر في المنطقة إن ابني حاول يعمل علاقة مع بنت عمه يارا.. فض.يحة بدأت تلف حولين بيتي واسمي، ومكنش فيه أي حل غير إني أكتب كتابهم على بعض، وبلغت مراتي وابني بالموضوع ده، ووافقوا فورًا، بس الغريب إن يارا رفضت رفض قاطع، ولأول مرة في حياتي أقولها على حاجة وترفضها بالطريقة دي..

ولما اتكلمت مع مراتي بدأت في الزن على وداني إن أكيد يارا تعرف حد بره وإنها ماشية مشي بطال، وإنها بعد ما ربناها وصرفنا عليها دم قلبنا بقت تستعر مننا، كلامها كان زي السكاكين، خاصةً لما ابني اكتئب أيام في أوضته بسبب رفض البنت له.. وفضلت أسبوع كامل بين زن مراتي وإني يا إما ارميها في الشارع بفض.يحة عشان أبرأ ابني أو أغصبها تتجوزه، ودخلت مرة تانية أكلمها عشان تتجوزه، وبرضه رفضت رفض قاطع، خوفتها، هددتها، وقولتلها إني هخليها تروح المشر.حة اللي شغالة فيها بس مجرد جثة، بس البنت فضلت متمسكة برأيها..

وبدأت مراتي تزوقني إني أدبر ليها فض.يحة عشان أتخلص منها لأن الكلام كتر على ابني في المنطقة، وفضلت تلت أيام عايش في الجحيم، لحد ما فوجئت بمراتي جايبة تليفون يارا وعليه رسايل قذرة مبعوتة من تليفونها لولد تاني.. وقتها الدم غلي في عروقي، وهي هددتني وقالتلي إني أطردها واتخلص منها نهائي، بس كنت خايف أعمل كدا تروح تحكي وتأكد التهمة على ابني، وملقتش غير حل واحد وجذري..

بعت تلاتة معرفة للمشر.حة اللي شغالة فيها عشان يختلقوا مشكلة مع الدكتورة والأمن ويهددوهم بالق.تل لأنهم شاكين إن جثة ابنهم اللي عامل حادثة هما سرقوها، أي كلام عشان أبعد الشبهة عني، وتاني يوم خدت خ.نجر وواحد قريبي بلطجي، وأول ما خرجت من المشر.حة اتلثمنا وض.ربنها بالخ.نجر في ضهرها لحد ما وقعت في الأرض، وسبنا الجثة قدام المشر.حة عشان أوفي بوعدي معاها إني هرجعها مشرحتها جثة مش حية..

وكتمت على الخبر تمامًا، وتاني يوم وصلنا الخبر وادعينا البكاء والصراخ قدام المباحث اللي حققوا معانا كتير بس محدش قدر يثبت أي حاجة وكان الشك الأكبر في الناس اللي راحوا اتخانقوا معاهم امبارح في المستشفى، بس في يوم وليلة تم استدعائي تاني، وعرفت إن التلاتة اللي اتخانقوا في المشر.حة واشتبكوا مع الأمن واحد منهم وقعت منه محفظته، والأمن قدم المحفظة بالبطاقة للمباحث وجابوه، غير إن الدكتورة اعترفت في النيابة إن يارا حكتلها إنها متهددة بالق.تل لو متجوزتش ابن عمها..

واتحقق معايا مرة تانية بقسوة لحد ما اعترفت، اعترفت إني ق.تلتها عشان كانت بتكلم حد في الحرام، وإذ افاجئ بالصدمة إن الرسايل مدبرة من مراتي وابني عشان أطردها برة البيت.. وقتها بس عرفت إن الست أوقات بتكون أسوأ من الشيطان، وإنك لما متقفش مع الحق بسبب إن الحق ده مش مع الطرف الأقرب ليك دي معصية كبيرة، شهادة زور، وعقابها كبير عند ربنا، معرفش ليه فضلت النبتة الفاسدة على الصالحة، ياريتني ق.تلت ابني ومراتي ولا ق.تلت البنت اللي فضلت مستخبية فيا من قهر الدنيا والحياة، يارتني وقفت مع الحق وسمعت منها، يارتني وقفت مع الحق..

[مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً] سورة المائدة بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى