روايات

نا.ر الانت.قام للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

الهمة شوية يا رجالة.. الجملة دي كان بيقولها صاحب أرض القصب اللي كنت شغال فيها، كنا بنجمع محصول القصب في الوقت ده، شغل مرهق بينهش صحتك نهش، الشمس من فوقك عاملة زي بركان اللهب، وشيل القصب وجمعه مرهق لأبعد مدى، خاصة لواحد زيي عنده 14 سنة بس، بس نعمل أيه، العادة في بلدنا، أول ما صوتك يخشن والشنب يخطط على وشك تجري تشيل وتحصد، بطاطس، قصب، برسيم، المهم إنك تشتغل، معندناش حاجة اسمها عاطل, ده هناك في القاهرة حيث بلاد الفرافير زي ما التلفزيون بيفهمنا..

ووقعت تحت إيد الحاج فرج، راجل عنده أرض كبيرة وكان زارعها قصب، واحتاج وقت الحصاد تلاتة يشتغلوا عنده، وفورًا روحت أنا وعويس وعبد التواب، عويس وعبدالتواب كانوا اتنين أصحاب في العشرينات تقريبًا، بس بحكم الجيرة كانوا بيحبوا ياخدوني معاهم في أي شغل.. الأرض كانت كبيرة والشغل كان كتير أوي، تلت أسابيع نشتغل يوميًا فوق التمن ساعات لحد ما حصدنا المحصول كله، وما أدراك ما محصول القصب وشغله المرهق لأبعد مدى..

كان يومها آخر يوم، خلصنا المحصول وحملناه على العربيات وجريت، جريت على الترعة ونطيت فيها، كنت فرحان جدًا جدًا، شغلانة زي دي فيها شوية فلوس حلوين، استحميت في الترعة وبالليل كنت أنا وعويس وعبدالتواب عند بيت الحاج فرج عشان نتحاسب.. يومها قابلنا الحاج بابتسامة سمجة وقالنا بالنص: ـ مستعجلين على أيه يا رجالة، المحصول يتباع بس ونتحاسب، هو أنا هاكلكم؟! رد عليه عويس بلهجة حادة: ـ يا حاج الحالة معدومة ومفيش أي فلوس، أدينا أي حاجة..

ـ وأجبلك منين بقا يا عويس، أصبر أسبوع ولا اتنين أبيع المحصول بس.. ومشينا من عنده مكسورين الراس، قمة الإحباط، مفيش حد فينا في جيبه تلاتة جنيه حق كوباية شاي على القهوة حتى، آمال طلع عنينا في الشغل تلت أسابيع ليه بقا، راجل بخيل، معفن، جايب تلاتة يشيلوا شغل الأرض كلها، وحتى مش عايز يحاسبهم.. أسبوع كامل عدى علينا وروحنا تاني، ونفس الرد، المحصول قاعد في القاهرة ولسة مجبش تمنه، وأحنا مالنا بكل ده، أحنا اشتغلنا وعايزين حقنا، أسبوع كمان وروحنا، وزي العادة، اصبروا عليا شوية..

يومها عبدالتواب كان متغاظ وشايط، وزعق مع الحاج، بس أنت عارف يعني أيه تتخانق مع الحاج فرج كبير أكبر عيلة في البلد، علقة محترمة والحاج قاله: ـ عليا الطلاق ما حد منكم واخد جنيه.. ومشينا، عبدالتواب كان مضروب وراسه بتجيب دم، كنا متهانين إهانة الدنيا، قعدنا في الغيط بالليل نفكر، كنا شوية وهنمو.ت بالجلطة، متهانين ومنصوب علينا وحالتنا متدمرة، وعويس كان عمال يكلم نفسه: ـ قسما بالله يا فرج لأندمك ندم عمرك.. وانفض الجمع، أسبوع واتنين والتالت والرابعؤ شهرين تلاتة أربعة، اتفاجئت بعويس وعبدالتواب في البيت عندي، روحت معاهم الغيط، لقيتهم متفقين على حاجة غريبة جدًا جدًا..

هيولعوا في غيط القصب التانية، وهيغتصبوا بنت الحاج فرج، أنا بصتلهم وحاولت أسيبهم وأمشي، مسكوني وأقسموا بالله ليقتلوني لو منفذتش معاهم، الحق حقنا كلنا، قلتلهم نولع في الغيط بس ملناش دعوة بالبت.. قالولي لا، البت هي اللي هتخليه يمو.ت بحسرته، وأحنا استنينا عشان الموضوع يتنسي خالص، وكمان هنختفي في الغيط هنا بعد الحادثة تلت أيام وهنعرف الناس إننا في شغلانة في بلد تانية، وأنت اللي هتروح تجيب البت.. قولتلهم هجيب واحدة متجوزة ازاي، بصولي بابتسامة، ورد عبدالتواب:

ـ هنغتصب بت كبيرة عشان تبلغ عنا، أنت هتستدرج البت الصغيرة، فرحة.. ـ مستحيل أعمل كدا.. ـ هتعمل كدا ورجلك فوق رقبتك.. ولقيت عويس طلع مطـ ..ـوته وقال: ـ والله لو ما روحت لقتـ ..ـلك.. كان وقت الضهر ساعتها، عرفوني إن البت بتلعب وقت المغربية في الحوش اللي قدام البيت، والبت عارفاك، هتستدرجها ناحية الغيط وأحنا هنكون وسط القصب، روحت، وفعلًا لقيت البت بتلعب، استنيت يجي ساعة لحد ما الشمس غابت.. ناديت على فرحة: ـ فرحة، تعالي يا عسل..

ـ أزيك يا عماد.. ـ أبوكي عايزك وبعتني أجيبك.. وطبعًا بحكم إننا بنشتغل عند أبوها فالبت مدياني الأمان، وكمان بت عندها تسع سنين مستحيل تبقى خبيثة أو تشكك فيا، واستدرجتها وسط القصب اللي قدام بيتهم، ودي كانت الغيط التانية.. وفي لحظة كممها عويس وجري بيها بعيد خالص، في اللحظة دي كان عبدالتواب بيطلع البنزين ويرشه على القصب، وهوب راح مولع، وجرينا من المكان كله، جرينا لحد ما روحنا لغيط بعيدة واللي كنا هنستخبى فيها التلت أيام، وقفت البنت قدامنا بتقول:

ـ أنتوا بتخوفوني ليه، أنا هقول لأبويا عليكم.. بصلها عويس بغل وراح مقـ ..ـطع هدومها في لحظة، وقدام عنيا اغتصـ .. ـبوا البت، البت اللي كانت نظرة عنيها تقطع القلب، ذنبها أيه في اللي عمله أبوها، بس مكنتش أقدر أمنعهم إطلاقًا، اغتصـ .. ـبوا البت وعملولها تهـ..ـتك، البت كان نازل من جسمها د م وهي عمالة تتنفض وتتنفض.. عويس قام وقال يالا نمشي، عبد التواب رد عليه وعنيه عاملة زي عنين الشياطين: ـ البت لو رجعت بيتها هتقول علينا وهنتقتل..

ـ وهنعمل أيه؟! وفي لحظة خلع عبد التواب الجلبية وكمم بيها فم البت، البت اللي اتنفضت بين إيديه مرة واتنين لحد ما ماتـ ـت، قتـ .. ـلوها، قتـ .. ـلوها بعد ما اغتصـ .. ـبوها، بت عندها تسع سنين بس.. ووقفنا أحنا التلاتة فوق الجثة، أنا كنت مصدوم، عامل زي المجنون، أما هما فكانوا في قمة هدوء الأعصاب، ربطوا البت بحجارة ورومـ ..ـوها جمب الغيط اللي اتحرقت في الليل.. وروحنا نستخبى، تلت أيام وأنا مبنطقش، مش مستوعب اللي عملناه، مش قادر أصدقه أصلًا، مش قادر أتخيل إني أشتركت في كارثة زي دي..

ورجعنا بعد تلت أيام عشان نلاقي البلد مقلوبة، الحكومة بتحقق وعيلة فرج شادة السلاح وكل يوم بيض.ربوا نا.ر في الهوا من الغيظ، فرج اتجنن وبقا بيجري في الشارع يض.رب في الناس، بس زي ما خططنا محدش شك فينا إطلاقًا، خاصة إننا كنا متفقين مع واحد من بلد تانية هيشهد إننا كنا شغالين عنده الأيام دي..

في النهاية الحكومة موصلتش لحاجة وفرج كبر يجي خمسين سنة دفعة واحدة، واتحقق الانت.قام، بس مكنتش أعرف إنها بداية الجحيم، جحيم ملتهب, يوميًا بشوف نفسي واقع على أرض ملتهبة، زي أراضي البراكين, وكنت بشوف نفسي متكسر الايدين والرجلين، ومن قلب نار البركان بشوف كائن أسود بشع، دراعاته رفيعة جدًا وطويلة جدًا جدًا، ووشه طويل بطول جسمه تقريبًا، كنت ببقا نايم على بطني، وكان الكائن ده بينـ .. ـتهك جسمي بكل عنف..

كانت البنت بتبقا واقفة وبتنزف دم من جسمها، وبالأخص من أماكن عذريـ ـتها، بتفضل تراقبني في صمت، والألم كان بيبقا لا يُطاق، نار، لهب بيحرق في جسمي كله، كنت بصرخ، بتشنج، بستغيث، ببكي، بتألم، بس مكنش فيه أي رحمة، وكنت بقوم من النوم جسمي كله بيتنفض، أقوم اتخيلها واقفة قدام السرير بتاعي، وأصرخ أكتر، ويجي أبويا يجري يشوفني مالي.. تاني يوم حصل ده، والوجع كان بيبقا واقعي، واقعي جدًا جدًا جدًا، كأن فيه عشرة بيغتصـ ..ـبوك، أعضائهم من نار ملتهبة، وأنا ببقا متكسر مش قادر اتحرك، وهي واقفة بتراقب، وكل يوم أقوم أصرخ، اتشنج، أبكي لحد الصبح..

فضلت يومين كاملين خايف أنام، وأول ما نمت كان مستنيني، وزاد الوجع والصراخ، وصحيت من نومي أبكي، وحكيت لأبويا كل حاجة، أبويا اللي بصلي بفزع، وقالي: ـ إياك تحكي ده لأي حد في الدنيا.. وحبسني في البيت عشان متحصلش كارثة، لو الموضوع اتعرف هتقتل أنا وهو من عيلة الحاج فرج، بس الكابوس اتكرر، البنت بقت بتظهر في كل مكان تقريبًا، بقت بتهددني هتقتلني، والكيان شبه هتـ ـك عرضي كله، دبـ ..ـحني.. هربت من البيت كله وجريت على المركز، اعترفت للضابط بكل حاجة، الضابط اللي ذُهل ونزل على وشي بالقلم، بس أنا استاهل، اتحفظوا عليا وقبضوا على عويس وعبدالتواب، ودخلنا المحكمة..

القاضي اللي بكى أثناء الجلسة، بكى وحكم عليا إني أروح الأحداث، وحكم بالإعدام على عويس وعبدالتواب، والله نستحق أكتر من الإعدام، وإن كان الإعدام ده في الدنيا لسه محكمة ملك الملوك.. الراحمون يرحمهم الرحمن، والقتلة والسفاحون يبطش بهم الجبار، فاسلك طريقك بنفسك وتذكر، الجزاء من جنس العمل.. [وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ] سورة البلد قصة حقيقية حصلت في قرية في صعيد مصر.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى