روايات

صديقة من الشـــ,,ـــياطين للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

من أسبوعين حصلت مشكلة كبيرة مع والدي في المنطقة واضطرينا نرجع لبيتنا اللي في البلد لحد ما نقدر نأجر أو نشتري شقة جديدة، وفضلت أسبوعين في البيت مش عارفة أخرج ولا اتأقلم على الحياة الجديدة والمقفولة دي، لحد ما أخيرًا جالي خبر حلو وسط الضلمة دي لما والدي قالي إنه خلص نقل ملفاتي ومن بكرة هروح المدرسة الثانوية الجديدة القريبة مننا، أخيرًا شميت نفسي، هناك هتعرف على بنات من سِني ويمكن يتكسر شعور العُزلة ده، ماهو برضه ربنا خلق الإنسان اجتماعي وميقدرش يعيش لوحده..

وفعلًا تاني يوم طلعت على المدرسة الجديدة، والمديرة عرفتني بالفصل بتاعي وطلعت على بداية الحصة التانية، طبعًا نظرات الفضول للطالبة الجديدة وشوية محاولات من البنات عشان يقربوا مني.. وأنا كنت نوعًا ما رغم صغر سني كان عندي ذكاء إجتماعي، وكنت بحاول أفهم كل البنات في أسرع وقت، أعرف مين اللي شخصيتها قوية، مين ضعيفة، ومين الخبيثة اللي فيهم، شخصيات لازم بتلاقيهم في كل مكان وفي أي تجمع..

وكان لازم أمسك الرغاية اللي فيهم عشان تكلمني عن أغلبهم وأعرف راسي من رجلي في المكان الجديد ده، ومن حُسن حظي رغاية الفصل كانت قريبة مني، واتعرفنا وعرفت بسهولة إنها الرغاية، وفضلت تكلمني عن المدرسة والمُدرسين وبنات الفصل كلهم.. ملفتش نظري غير بنتين بس من اللي بتحكي عنهم، أرزاق اللي سُمعتها سابقاها، وأكتر بنت بتعرف شباب ومقضياها، وهُدى، أو زي ما بيسموها الشيخة هُدى الملبوسة، ودي كانت قاعدة لوحدها في الدِكة ومحدش جنبها وطول الوقت معتزلة بذاتها..

عكس أرزاق اللي كانت مسيطرة، البنات كلهم بيعشــ,,ـــــقوا القُرب منها عشان تحكي عن الشباب وتدي نصايح وأوقات تعرف فلانة بشاب جديد، وأنا كُنت مُلفتة للنظر لسبب قوي، أنا البنت اللي جاية من المدينة وهما بنات الريف، يعني فيه فضول قوي يسمعوا مني، ويعرفوا طبع بنات المدينة اللي بيشوفوهم أرقى منهم.. وتاني يوم حصلت مشكلة في حصة الألعاب بين أرزاق وبنت تانية، وطبعًا شتموا بعض، وعايرت البنت أرزاق بسُمعتها وإنها بتاعة شباب وإنها هتفضحها وتقول لأهلها، من الآخر مسحت بيها الأرض زي ما بيقولوا، وشوفت في عيون أرزاق نظرة شيطان، نظرة بتقول إن أرزاق استحالة تسكت عن اللي حصل ده، استحالة..

بعد يومين بس لقيت أرزاق بتضحك وتهزر مع البنت اللي اتخانقت معاها، بس البنت التانية كانت في عنيها نظرة انكسار غريبة، وكأنها مُجبرة على الصُلح، أو يمكن أرزاق ماسكة عليها حاجة، في اللحظة دي لقيت هُدى الملبوسة قعدت جنبي.. كانت مبتسمة وهادية بطريقة مُريبة، بدأت تنصحني بهدوء إني ملبسش لبس فيه ألوان كتير عشان ملفتش النظر، وأحافظ على الأذكار ومتبعش أرزاق في أي حاجة لأنها مؤذية ونــ,,ـــــارها بتطول اللي بيقرب منها..

قالت الكلمتين دول ورجعت مكانها تاني، يمكن حاولت أتجاهل أرزاق وأصاحب غيرها، بس كلهم كانوا مملين، هي الوحيدة اللي كانت مثيرة، حكاياتها مبتخلصش، وكل يوم مغامرة، حتى شخصيتها رغم أي حاجة قوية، وبتفرض نفسها على أي حد، وواحدة واحدة بدأنا نقرب لبعض، نتصاحب، ونخرج ونيجي مع بعض..

وبدأ فضول الأنثى يتفجر جوايا، خاصة إني كنت مضغوطة في البيت، ومحتاجة أي حاجة تفصلني عن الضغط ده، ودخلت في مواضيع الصُحبة والشباب من أوسع أبوابها، كنت بستنى أرزاق اللي كانت بتروح ناحية مدرسة الثانوية بنين وتقابل أكتر من شاب، عرفت إنها بتخرج معاهم كمان، وعايشة حياتها بالطول والعرض، وبدأت العين تقع عليا، البنت اللي جاية من المدينة وألف شاب يتمنى يصاحبني..

وفعلًا بعد أيام عرفت شاب وبقيت بخرج معاه وبنتكلم في التليفون يوم بعد يوم، وعشت قصة حُب مكنتش أسمع عنها غير في الأفلام والمسلسلات، بس يوم بعد يوم بدأ يظهر على حقيقته، وكان بيتحــ,,ـــــرش بيا في أي مناسبة، وكأنه مش عايز مني غير حاجة واحدة، ولما قطعت معاه بدأت لهجة أرزاق تتغير وتكلمني بقسوة وإني مينفعش أسيبه بالطريقة دي لأنها اللي معرفانا على بعض.. قولتلها إن ده حقي ومش هتكلم معاه تاني، وقتها كنت بشوف نظرات غضب غريبة في عيون هُدى، واستفردت بيا في مرة وقالت:

ـ مش قولتلك لو اتبعتيها هتتأذي بنــ,,ـــــارها، اسمعي كلامي لأن الأذى قرب وأنا مش عارفة هقدر أحميكي ولا لا.. كلامها كان غامض ومُخيف أوي، ومن جوايا فعلًا بدأ ضميري يصحى، وبدأت أحاول أبعد عن أرزاق اللي التجاهل ده ولع جواها نــ,,ـــــار كبيرة، وحطتني في دماغها بطريقة غريبة وبقت بتطاردني ليل نهار، ولما قولتلها إني مش عاوزة أعرفها تاني هددتني إنها هتعرف أهلي باللي عملته مع الشاب إياه، بس أنا كنت ذكية ومش أي حد يخوفني، قولتلها بلامبالاة تعمل اللي هي عاوزاه، ولو قالت هقول ونشوف بقا..

وقتها بس شوفت في عنيها نظرة الشر إياها، اللي شوفتها يوم ما اتخانقت مع البنت تاني يوم مدرسة ليا، وبعد يومين بس وأنا قاعدة وسرحانة فوجئت بهُدى بتقعد جمبي وبدون مقدمات بتقول: ـ اقرأي الأذكار دلوقتي، وتروحي على بيتك بعد المدرسة على طول.. كلامها خوفني أوي خاصة إنها مقالتش غيره، بس نوعًا ما تجاهلتها ومقولتش الأذكار، وقبل انتهاء اليوم لقيت أرزاق بتقرب مني، كان صوتها مكسور أوي، اعتذرت وكانت هتبكي، قالتلي إني أعز صاحبة ليها وإنها عارفة إن ده غلط ومش هتعمل ده ولا هتعرف شباب تاني، وطلبت مني أسامحها، لدرجة إني شوفت دموع حقيقية في عنيها..

طبعًا صعبت عليا وسامحتها بل وهزرت معاها عشان تضحك وتبتسم، وكل اللي طلبته مني أمشي معاها ونروح سوا من الطريق الأقرب لبيتها عشان نتكلم، ولما اعتذرت بكت وقالت إني كدا لسة زعلانة، وعشان اثبتلها إن الموضوع خلص قررت أمشي معاها من طريقها..

يومها شوفت نظرة غريبة في عيون هُدى وأحنا خارجين، بس مقدرتش أبصلها كتير ومشيت مع أرزاق ناحية بيتها، المدرسة كانت وسط الأراضي الزراعية وبعد خمس دقايق بنوصل للمقابــ,,ـــــبر، وكان فيه طريق ترابي ضيق بنمشي عليه بيفصل المقابــ,,ـــــبر عن الأراضي الزراعية، مشينا منه لحد ما بعدنا كتير عن المدرسة، وكنا تقريبًا آخر بنتين خرجوا من المدرسة، وملاحظتش من كتر الكلام إن الطريق بقا فاضي أوي، فاضي بطريقة تخوف..

كنا وقتها وصلنا للمقابــ,,ـــــبر ومكملين مشي، وبدون مقدمات لقيت شابين واقفين قدامي أنا وأرزاق، من ضمنهم باسم اللي أنا سبته، وكانت في عنيهم نظرة شر، وقبل ما أنطق بنص كلمة واحد منهم فتح مطوته وحطها عند بطني، حسيت وقتها بكمية رعب رهيبة وأعصابي كلها سابت، سحبوني على المقابــ,,ـــــبر وفوجئت بضحكة شيطانية طالعة من أرزاق، وعرفت إنها متفقة معاهم.. وبدأت تتكلم وتقول: ـ عشان تعملي فيها محترمة بعد كدا، أنا هكسرك وأخليكي تبقي زي غيرك اللي عملوا فيها ولاد ناس، شوفي عاوزاها بالطريقة السهلة ولا الصعبة، هتقـ ـلعي هدومك ونصورك، وإلا هنقلـ ـعهالك بالعافية..

وقتها معرفش ليه افتكرت هُدى، وافتكرت كلامها لما قالت اقرأ الأذكار وأرجع على بيتي فورًا، وكأنها عارفة اللي هيحصل، لقيت أرزاق بتطلع الموبايل ومستعدة على التصوير، ونزلت مني دموع، دموع خوف وقهرة وانكسار، وقبل ما حد يلمسني سمعت صوت جهوري، مُخيف، بينادي وبيقول: ـ بتعملوا أيه هنا؟! مسافة ما اتقالت الجُملة كلهم جريوا وسابوني، أنا الوحيدة اللي مقدرتش أتحرك، عشان اتفاجئ براجل ضخم، ضخم اوي ولابس جلبية ووشه لونه أصفر شاحب وعنده دقن بيضا، كان ماسك عصاية وجري ورايا بيها عشان يضــ,,ـــــربني، ولازال صوته المُرعب سامعاه بيقول:

ـ إياكِ تيجي هنا تاني.. وقتها كنت قدرت أهرب، وجريت من المكان كله، ورجعت البيت وأنا مش قادرة أتحرك من الرعب والخوف، وفضلت يومين نايمة مريضة في البيت، وفي اليوم الثالث روحت المدرسة وأنا ناوية انتقم من أرزاق، بس لفت نظري إن هُدى مش موجودة، وعرفت إنها غايبة وده تالت يوم، روحت بعد المدرسة أطمن عليها وزورتها، لقتها نايمة مريضة في البيت، وأول ما شافتني قالتلي إن اللي هي فيه ده بسببي..

حاولت استفهم منها وأقسمت عليها تفهمني، قالتلي إنها من زمان أوي، من وهي ٦ سنين كانت بتقرأ القرآن وتقيم الليل ومتعرفش في الحياة غير ربنا، وفي ليلة شافت شيخ لون وشه أصفر شاحب جاي في منامها مبتسم وبيقول إنه هيحميها من أي أذى لوجه الله لأنها تستحق.. لسة هتكلم لقتها بتقول:

ـ عارفة إن هو اللي شوفتيه في المقابــ,,ـــــبر، هو الشيخ منتصر، اللي عمره ما اتدخل في حياة حد غيري أنا، وبعتلك تحذير من خلالي مرة واتنين، وكان رافض يقف معاكي يومها لولا إني أقسمت عليه، وقتها قالي إني هتعب لو ده حصل وأنا وافقت عشانك، واتجسد وحضر وأنقذك، والنتيجة أنا اللي تعبت بسببك.. كلامها كان مُخيف أوي، بس سبحان الله له في خلقه شؤون، والبنت فعلًا نقية وتقية بدرجة كبيرة أوي، ولما سالتها هنعمل أيه في أرزاق، قالتلي إن فضيحتها قربت ومش هنعمل حاجة، وفعلًا كلها أسابيع واتمسكت هي وشاب ورا المدرسة والموضوع اتعرف وأهلها حبسوها في البيت من يومها..

في اليوم ده هُدى قالتلي كلمتين مش نسياهم لحد انهاردة، قالتلي الصاحب ساحب، وبالأخص البنت الفاسدة في الأغلب بتفسد صاحبتها مش العكس، البنت اللي لبسها مش محتشم متنفعش، واللي بتكلم شباب متنفعش، حتى لو أنتي مبتعمليش ده، وجودك معاها فتنة عظيمة، واللي بتغتاب ولسانها بذيء متنفعش، البنت لازم تتعامل بالحديد والنــ,,ـــــار في موضوع اختيار الصاحبة، وإلا هتقع ومحدش هيلحقها، الشيخ مُنتصر مش موجود في كل مكان.. (إِنِّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ ، وجَلِيسِ السُّوءِ ، كَحامِلِ المِسْكِ ، ونافِخِ الكِيرِ) صحيح الجامع

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى