روايات

داية الجـــ,,ــــن للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أكتر حاجة تخاف منها هو إن بيتك يخبط بعد منتصف الليل، ولازم تعرف إن الجن بيكون منتشر في الوقت ده في الطرقات أكتر من الإنس، وإن الجن ممكن لأي سبب يطرق باب بيتك، بديهيات لازم تحفظها وتعرف إنها سهلة التحقق، خاصة لو كنت عايش في قرية.. وده اللي حصل معايا بالظبط، طرقات غريبة وكأنها بألة حادة على باب البيت، حسيت بخوف غريب وقتها، غريزة الست اللي مش ممكن تكذب عليها أبدًا، فتحت شراعة الباب لقيت اتنين ستات لابسين أسود وواقفين على الباب، واتكلمت واحدة منهم بصوت له وقع رنين معدني، صوت عجيب جدًا:

ـ ممكن تيجي معانا أختنا بتولد والحالة صعبة أوي.. جالي إحساس غريب بالخوف، أنا لازم أرفض، بس بطبيعة شغلي كداية بتولد الستات عمري ما رفضت حد طلب مساعدتي، دخلت غيرت هدومي وخرجت معاهم.. كان شكلهم غريب جدًا، واحدة طويلة بطريقة ملحوظة، والتانية قصيرة جدًا، فإنهم يمشوا جنب بعض حاجة في قمة الغرابة.. مشينا بين الحارات والبلد ساكتة تمامًا، مفيش أدنى صوت نهائيًا، الغريب إني بدأت ألاحظ إننا ماشيين في طرق عجيبة أول مرة أشوفها، مش عارفة أنا بتخيل ولا ده حقيقي، بس الجو كان مظلــ,,ـــــم، مظلــ,,ـــــم جدًا وكأني روحت لعالم تاني..

جسمهم جنبي كان سخن، عامل زي الفرن اللي بيطلع حرارة، جسمي بدأ يعرق وأحس إني بدوخ، الجو بيضلم أكتر كأني ماشية في متاهة من الضلمة، وفجأة دارت الدنيا كلها من حوليا، حسيت إني هقع عشان واحدة منهم تسندني.. ركزت شوية وبصيت لقيت نفسي تحت الأرض، كأني ماشية في وادي عجيب منحوت في قلب الحجارة، وفوق مني أرض ضخمة حاجبة عننا كل حاجة، بدأت أحس إني همــ,,ـــــوت من الخوف، قلبي بيتنفض وأنا ماشية معاهم مش قادرة أنطق بنص كلمة..

لحد ما وصلنا لمكان شبيه بالكهف، دخلنا جوه لقيت واحدة ست نايمة على سر,,ـــــير من حجارة وعمالة تتألم وتصرخ، وكان فيه مائدة عليها أشهى أنواع الأكل والشرب.. قربت منها وبصيت لجسمها وصرخت، رجليها بالكامل كانت شبيهة برجل الحيوان، واحدة منهم كتمت صرختي وقالتلي بهدوء: ـ احنا مش عايزين نأذيكي احنا طالبين مساعدتك بس.. جسمي مكنتش قادرة أسيطر عليه، ناولتني كوباية مية شربتها، بس مكنتش مية كان سائل عجيب مذاقه حلو، حسيت إني هديت شوية، قربت من الست وبدأت أكلمها بصوت مبحوح عشان تنفذ اللي هقوله..

وفجأة حسيت بمية صفرا بتنزل من أرض الكهف فوق، ريحتها كانت شبيهة بالبول، استغربت جدًا عشان أسمع صوت واحدة منهم بتقول: ـ شوفتي إن أنتوا اللي بتأذونا مش احنا، لو كان استأذن أو استعاذ بالله مكنش البول نزل علينا كدا.. حسيت إن دماغي هتولع من اللي بشوفه واسمعه، وبدأت أمارس شغلي اللي كنت شاطرة فيه جدًا، شاطرة فيه لأبعد مدى، بدأت أكلمها عشان تدوس بقوة عشان الطفل ينزل، وبدأت الست تتألم وأنا معاها، أحاول معاها واحدة واحدة، هي تتألم وأنا معاها..

الولادة كانت صعبة، صعبة جدًا، الطفل مكنش نازل براسه، ودي أسوأ حاجة ممكن أقابلها في حياتي، جسم الست كان طبيعي زينا ماعدا رجليها الغريبة اللي كنت بتحاشى أبصلها.. بدأت أقرأ قرآن عليها وادعي، واحدة واحدة، اذكر ربنا وأنا حاطة إيدي على بطنها، وواحدة واحدة بدأ الطفل يستجيب ويلف نفسه، الغريب إني سمعت صوت الستات ورايا بيرددوا.. ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.. في اللحظات دي لقيت راجل غريب دخل علينا، ولما بصتله بخوف صرخت فيه واحدة منهم وقالت:

ـ استحي من الله ولا تدخل على امرأة.. لقيته خرج وهو بيعتذر، وبدأت أحاول تاني، مرة مع مرة لحد ما الطفل فعلًا بدأ ينزل من جسم الست، استقبلته على قطعة قماش غريبة جدًا خدتها منهم، جسمي كله اتنفض لما شوفته بس تمالكت نفسي.. الطفل كان بعين واحدة مشقوقة زي عيون التعابين، لون بشرته أبيض زي التلج، لفيته في القماشة وسلمته لواحدة منهم، كانت خلاص أعصابي بتنهار، حاسة إني شوية وهمــ,,ـــــوت من الخوف، قولتلهم بصوت بينازع:

ـ عايزة أروح.. لقيت الست الطويلة بتقول: ـ لازم تاخدي أجرتك أنتي تعبتي معانا، أفتحي الملاية بتاعتك.. فتحت الملاية بتاعتي لقيتهم بيحطولي قشر بصل كتير فيها، منطقتش، المهم أخرج بسلام من المكان ده، سلمت الست الطفل للراجل وخدوني بره الكهف، بدأنا نطلع أماكن حجرية وننزل منخفضات غريبة، المكان كله كان شبه كوكب المريخ اللي بنشوفه في الأفلام الأجنبية، شوية ولقيت نفسي طالعة من بيت وفجأة بقيت في قلب الحارة بتاعتي، سلموا عليا وشكروني واختفوا من قدام عيني..

جسمي كله كان بيترعش، نفضت قشور البصل من على الملاية وجريت على البيت، دخلت وقفلت الباب عليا وفضلت اتنفض، حاولت أنام مرة واتنين لحد ما في النهاية نمت.. نمت وأنا مش مصدقة إني كنت بولد واحدة من الجن، صحيت الصبح لفت نظري شيء غريب، ببص لقيت ليرة دهب على الملاية اللي كنت وخداها معايا، يظهر إنها كانت لازقة في الملاية وما طارتش مع قشور البصل، مسكتها بتعجب وخرجت للشيخ عشان أحكيله.. قعدت مع شيخ الجامع وحكيت له كل حاجة من أول ما الاتنين ستات خبطوا عليا لحد ما نثرت قشور البصل على الأرض ولقيت الليرة الدهبية تاني يوم..

الشيخ ابتسم وقال: ـ أجرك على الله لأنك ساعدتي مخلوقة من مخلوقاته.. ـ طيب وإيه الليرة دي؟! ـ كل قشور البصل كانت قطع دهبية، بس هما خافوا إن مخك يضــ,,ـــــرب من شكل الدهب ده كله فأوهموكي إنه مجرد قشر بصل، عشان تعرفي تروحي بيه البيت بدون ما عقلك يشت، بس أنتي رميتيه في الشارع ومتبقاش ليكي غير الليرة الأخيرة دي، أحمدي ربك..

حسيت وقتها بحسرة شديدة، جريت على المكان اللي نثرت فيه قشور البصل واللي كان دهب بس ملقتش فيه أي حاجة، حمدت ربنا ورجعت بيتي وأنا حالفة مية قسم إن لو باب بيتي خبط بعد الساعة عشرة مش هفتحه إطلاقًا.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى