روايات

محل العطارة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

كنت واقف في محل العِطارة بتاعنا من شوية وجتلي بنت شابة لابسة أسود وادتني ورقة مكتوب فيها شوية طلبات عايزة تشتريهم، وطلباتها كلها كانت عبارة عن أعشاب، لكني رفضت وقولتلها إن الحاجات دي مش موجودة، وده ببساطة لأن أبويا الله يرحمه قبل ما أورث منه المحل عاهدني على حاجة مهمة أوي، وهي إن لو الزبون طلب أعشاب معينة في نفس الوقت مينفعش بأي حال من الأحوال إنه ياخدها، لأنه ببساطة هياخدها عشان يعمل بيها كوا.رث..

كانوا تقريبا ٦ أعشاب إحنا بس اللي بنبيع منهم، لو الزبون طلب أكتر من ٢ منهم مع بعض اتأكد وقتها إنه هيعمل حاجة وارفض أبيعله، وده العهد اللي أبويا خده على نفسه زمان عشان يبقا موزع للأعشاب النادرة دي والبخور الأحمر، وقبل ما يمو.ت وصاني نفس الوصية وخلى المشايخ اللي بيبعتوا الحاجات دي يثقوا فيا ويبعتوا كميات ليا للبيع.. وفهمت إن الحاجات دي ليها تركيبات معينة بياخدها المعالجين بالقرآن، وليها تركيبات بطريقة مختلفة بيستخدمها الدجالين، وأنا وبخبرتي بعرف من طلبات المشتري هو هيستخدمها ازاي، أسرار اتعلمتها من أبويا اللي بيعرفها من المشايخ اللي بيبيعوا الحاجات دي للتجار الثقات بس..

وتاني يوم لقيت نفس البنت جاية المحل وطلبت شوية أعشاب تانيين، لكن المرة دي طلبت أعشاب للمعدة والقولون، وبعدين قالتلي أعملها تركيبة حلوة للجهاز الهضمي من التركيبات بتاعتنا إحنا، وفعلًا عملتلها التركيبة وطلبت رقم المحل عشان لو احتاجت تسأل على حاجة.. وادتها الرقم وأنا بحاول أتمالك أعصابي قدام نظراتها القوية، البنت كان ليها سحر وجاذبية غير طبيعية، عاملة زي بنات الغجر اللي كنا بنسمع عنهم في الحكايات، ومشيت من قدامي وأنا بحاول أغض بصري عنها بكل الطرق، وعلى بالليل اتصلت بيا وشكرتني لأنها خدت التركيبة وريحتها خالص من ألم المعدة، قولتلها إني تحت أمرها في أي حاجة وقفلت التليفون..

وبعد يومين لقتها رجعت تاني وخدت شوية حاجات من المحل، وعلى عكس العادة قعدت عندي شوية وفضلنا ندردش ونتكلم مع بعض، وكانت بتكلمني على إن جدها عنده محل أعشاب قديم وإنها بتحاول تشتري النواقص عشان تكمله وتقدر تفتحه مرة تانية، وعشان كدا طلبت مني الحاجات اللي طلبتها المرة الأولى اللي زارتني فيها، وقتها ابتسمت واعتذرتلها وقولتلها إني كنت فاكرها عايزة الحاجة دي لسبب تاني.. قربت مني وهي مبتسمة وقالتلي: ـ إيه السبب التاني ده؟!

اترددت قدام قربها الزايد وبدأت ألمحلها إن فيه دجالين بيزوروا المكان من وقت للتاني عشان ياخدوا المواد دي، وإن مينفعش أبدًا ياخدوا أكتر من حاجتين وقولتلها على كلام مكنش ينفع أقوله ليها، لكن كنت عارف إنها صادقة وبتقولي الحقيقة، وقولتلها لازم تقابل ناس معينيين هما اللي بيبيعوا الأعشاب دي ولازم يختبروها وحد يضمنها كمان عشان تبقا وكيل للأعشاب دي في المحل بتاع جدها..

ومع الأيام بقت تزورني، تتكلم معايا، ندردش، وبقا قلبي غصب عني عمال يتعلق بيها، لحد ما زارتني في مرة وطلبت مني أقفل باب المحل ونقعد نشرب كوباية شاي على رواقة، وكلها دقايق ولقيت نفسي غرقان معاها في مستنقع الفاحشة، غرقان في متعة مُحرمة.. وبعد ما انتهينا وبكل دلال طلبت مني شوية أعشاب معينة وخدت مني كل الكميات اللي عندي، خدت مني حصة ٦ شهور كانت بتجيلي من الحاجات دي، وخدت كل البخور الأحمر، واختفت، يومين كاملين بتصل بيها ورقمها مقفول ومبشوفهاش بعد ما كانت بتجيلي كل يوم..

وأثناء ما كنت قاعد بفكر ومتوتر لقيت راجل ضخم داخل عليا المحل، كان ضخم بصورة غريبة، دقنه كبيرة أوي ولونها أبيض زي التلج وعنيه كلها غضب، دخل سألني على الأعشاب دي، ولما قولتله مش موجودة غضب أكتر وقال عليا إني خُنت العهد وإني استحق العقاب الشديد، وسابني ومشي..

قعدت في المحل اترعش زي العيل الصغير ومش فاهم أي حاجة، لحد ما قفلت ورجعت بيتي، وتاني يوم الصبح وقبل ما أوصل المحل لقيت هرج ومرج غريب، جريت ناحية المكان لقيت دخان كتير ومحل أبويا متفحم تمامًا، هو بس اللي متفحم، إنما كل اللي حوليه سليم، وقعت على الأرض من الذهول اللي أنا فيه.. الناس كانوا خايفين وكله أقسم إنهم شافوا نار سودة ومكنتش بتطفي أبدًا أبدًا غير لما حر.قت المحل كله، وإنها مكنتش بتلمس أي حاجة بره المحل..

جريت يومها على المشايخ اللي كانوا بيجيبوا الحاجة، ولما قولتلهم غضبوا، وقالولي أكيد أنا خُنت العهد وبعت الحاجات الممنوعة لحد ميستحقهاش، سألتهم عن اللي حر.ق المحل، قالولي إننا جزء من حر.ب مستمرة من مئات السنين بين الجن، وإن زي ما فيه مسلمين وكفار من الإنس، فيه شياطين كفار وفيه جن مسلم، والج.ن المسلم بيحاربهم ليل نهار وبتقوم بينهم ملاحم..

وإحنا جزء من الحروب دي شئنا أم أبينا، ولما بعت الحاجات دي أديت فرصة للشيطان إنه يأذي ناس كتير من خلال السحرة بتوعه، عشان كدا الجن غضب عليك وشافوا إنك مش قد الأمانة اللي كنت شايلها، عشان كدا انتقموا منك، واحمد ربنا إنك مكنتش موجود وسط النار.. مشيت من عندهم وأنا هتجنن، أنا زانـ ـي، أيوة، عملت ده مع دجالة وقدرت من خلال الش.هوة تاخد الحاجات دي مني، استمتعت لحظات والمحل اتحر.ق للأبد، استمتعت بالنار اللي أكلت الأخضر واليابس، والله أعلم دي بس نار الدنيا، فما بالك بنار الآخرة، بنستمتع لحظات بالحرام وبننسى نار ممكن نفضل فيها لسنين طويلة أوي..

اللي مش قادر يتحكم في شهواته غالبًا بيمسك الكبريت ويولع في نفسه وهو مش حاسس، ولو متعرفنيش فأحب أقولك أنا صاحب العطارة اللي اتحر.قت من كام سنة في مصر القديمة والناس كلها قالوا إن العطارة كانت فيها نار سودة وغريبة كانت بتخرج منها.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى