روايات

جُثـ . ـة الفِراش للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

وقتها بس عرفت إني لازم أفهم، أعرف إيه اللي بيدور حوليا، خرجت بسرعة بره البيت، فتحت شنطة عربية أبويا ونمت جواها وقفلتها عليا.. دقيقة وسمعت صوت حد بيركب، كان أبويا والاتنين التانيين، وطلعت العربية بيهم، بعد نصف ساعة العربية وقفت وسمعت صوت الأبواب بتتفتح وتتقفل.. فتحت الشنطة وبصيت بخوف لقيت العربية واقفة قدام مخزن كبير، شوية ولقيت ناس طالعة منه، ناس كتير وساحبين عيال صغيرة وناس تانيين شايلين أجسام ملفوفة ببطاطين.. وكل ده اتحمل على عربية نقل كبيرة بصندوق مقفول، استخبيت بسرعة جوة الشنطة تاني وركب أبويا والرجلين، وشوية سمعت أبويا بيتكلم ويقول:

ـ معانا كام انهاردة؟؟ ـ ست جثث وتسع عيال صغيرين يا حاج.. ـ حلوة طلبية انهاردة يا رجالة.. فضلت متكوم جوه الشنطة بترعش، مصدوم، وبعد ساعة ونصف تقريبًا وقفت العربية وسمعت أبويا بيقول: ـ الهمة يا رجالة بسرعة.. وسمعت أصوات شيل وحط، فهمت إنهم بينزلوا الحاجة، الجثث والعيال، شوية وسمعت باب العربية بيتفتح ويتقفل: ـ أزيك يا دكتور.. ـ أزيك يا حاج.. ـ إيه رأيك في طلبية الشهر ده؟؟ ـ الله ينور يا حاج، بس أنت طالب كتير أوي..

ـ وهو ده ليا، مش فيه اللي بيخطف واللي بينبش المقابـ .ـر واللي واللي، طيب ده الناس في بلدنا والبلاد التانية ابتدوا يحطوا حراس للمقابـ .ـر وبقيت بدفع كتير أوي عشان أطلع الجثث دي، غير المخزن اللي بحفظ فيه الجثث والحراسة والتلاجات، وبعدين ما الطلبة بيدفعوا كتير يا دكتور ـ طيب نزلنا في سعر العيال شوية.. ـ يا دكتور، كل عيل منهم تقريبًا بيتفصص، أنتوا بتبيعوا الأعضاء دي بملايين، وأنا بدفع ياما عشان أعرف أجيب العيال دي..

ـ خلاص يبقا متين ألف على العيل وخمسين على الجـ .ـثه.. ـ ماشي يا دكتور المرة دي بس هوافق على كلامك.. وسمعت ضحكة أبويا، أبويا اللي بيتاجر في البشر، جثث وأطفال، أبويا اللي بينتهك حرمة الأموات والأحياء، أبويا عضو مجلس الشعب اللي البلد كلها بتحلف بأخلاقه، أبويا اللي كنت فاكره راجل شريف.. ورجعت العربية البيت، ونزلت من شنطة العربية وفضلت قاعد قدام البيت مبتحركش، وغصب عني بكيت بهيستريا، القاضية اللي مفيش بعدها قاضية، بقا الجثث اللي بتختفي كل شوية من المقابـ .ـر كان سببها أبويا، والعيال اللي بتتخطف أبويا بيتاجر فيهم، طيب أنت ناقصك إيه عشان تعمل كدة..

أنت عضو مجلس شعب، ومعاك فلوس كتير، ولا يمكن كل فلوسك دي جاية من السكة دي، في النهاية طلعت أنام، وكالعادة الجثث جتلي أوضتي وفضلوا يلفوا حولين سريري، بس المؤلم إنه بقا فيهم أطفال، كانوا بيبكوا بصوت يخلي عقلك يدمر، صوت يخليك عايز تنتـ .ـحر عشان متسمعوش، وشوفت سكاكين بتترفع وتنزل تقطع في أجسامهم، شوفت دم بيسيل زي الشلال في أوضتي..

وفضلت أيام بعدها بدور في دايرة الجنون، الصدمة مع الرعب اللي بعيشه، حتى الحمام بقيت بشوف الجـ .ـثه واقفة فيه، وكأني هعيش في الفزع ده طول عمري، في النهاية قررت إني لازم أعمل الصح، لازم أبلغ عن كل اللي بيحصل ده.. يمكن لو كانت الصدمة بس كنت هواجه أبويا، بس امبارح لما شوفت كلمة “الثأر” المكتوبة بالدم في الحمام قررت، ومع انفلات عقلي تقرييًا طلعت على القسم..

عرفوني هناك ورحبوا بيا، مانا ابن عضو المجلس، طلبت المأمور وبدأت أحكيله كل حاجة، كل تفصيلة، وهو قاعد مذهول، جسمه بيعرق من اللي بيسمعه، في النهاية بكيت كتير أوي، بكيت على أبويا اللي خرب كل حاجة، ياريتك مت من زمن.. المأمور بصلي بتوتر وقال: ـ الموضوع مش سهل خالص، أبوك معاه حصانة واستحالة نتهمه بحاجة، لازم يتمسك متلبس، وأعتقد الحل في الرجلين اللي بيجوا عنده، لو تعرف تصورهم وتبعتلي صورهم.. الغريب إن من يومها الجثث بطلت تزورني، استنيت عشر أيام وأنا براقب ضيوفنا لحد ما شوفتهم داخلين المكتب، دخلت وكأني بستأذن أبويا في شيء وبعدها حطيت الموبايل على ودني وصورتهم..

وراحت الصور للمأمور اللي حطهم تحت المراقبة، وببساطة قدر يعرف مكان المخزن اللي بيحطوا فيه الجثث عن طريقهم، بس ده مكنش كفاية، ويوم التسليم كانت فيه قوة جاهزة إنها تتحرك، ومع تحريات المباحث اتقبـ .ـض على أبويا متلبس هو والدكتور والجثث والأطفال.. كنت يومها في القسم جسمي كله مشلول ومش قادر حتى أقعد في البيت، وفورًا الخبر أتسرب لأهل البلد اللي من غضبهم راحوا ولعوا في البيت كله بتاعنا، مانت سرقت جثث مـ .ـوتاهم مستني منهم إيه..

ومن يومها روحت أعيش في شقة صغيرة كانت أمي ورثاها عن أبوها وسبت البلد خالص، ولحد انهاردة مشوفتش أبويا من ساعتها، ولا عايز أشوفه، حسبي الله ونعم الوكيل.. مستوحاة من قضية شهيرة جدًا بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى