روايات

تزوجت وسام للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

فيه بنت اسمها “وسام” تعتبر قريبتي بس علاقتنا كانت سطحية نوعًا ما، وِسام دي تقدر تطبق عليها المثل اللي بيقول “تقعد مكان القمر” بدون أي مُبالغة، كانت حاجة عاملة زي الحوريات، وكأنها جاية من عالم تاني غير العالم بتاعنا، من أول يوم روحت فيه المدرسة وشوفتها رجعت أجري وأنا بقول اسمها بالكامل لأبويا اللي قالي إنها قريبتنا ومن نفس العيلة..

وهنا جالي إحساس التملك، قريبتي ولازم تكون من نصيبي أنا، من نصيبي في الكلام واللعب والمرواح للمدرسة، ودخلت في صراع طويل مع أي طفل كان بس يقرب منها أو يتكلم معاها، وكنت معرف الكل بلا استثناء إنها قريبتي ولما أكبر هتجوزها..

وفضلت عامل زي الظِل بتاعها لسنين طويلة أوي، سنين وصلت لحوالي ١٢ سنة، لحد ما وصلنا للثانوية العامة، وأنا معاها، بقرب منها بكل السُبل، أنا مكنتش فعلًا قادر أشوف حد غيرها، لحد ما ظهرت النتيجة ولقيت نفسي يادوب هحصل معهد في حين إنها دخلت كلية متوسطة، وسبت التعليم خالص واشتغلت في شركة مقاولات، شوية عامل وشوية مُشرف، واتنقلت من بلد لبلد لحد ما تقريبًا لفيت الجمهورية كلها..

ورغم كل السنين دي كانت هي في خيالي، وسام، كنت بنام واصحا أحلم بيها، مكنتش شايف في الدنيا غيرها ولا عاوز من الدنيا حاجة تانية غير وسام، ومسافة ما قدرت أجهز شقتي كلمت أبويا وأمي وجرينا على بيتهم عشان أتقدملها، معرفش ليه يومها شوفت نظرة غريبة في عنين أبويا مكنتش فاهم معناها غير لما قعدنا مع والدها، اتقدمنا واتكلمنا كتير والناس استقبلونا أحسن استقبال..

بس تاني يوم بس جالي الخبر المُميت، الخبر جه على هيئة جُملة واحدة بس “كل شيء قِسمة ونصيب” يوم ما أبويا عرفني جسمي بدأ يعرق وقلبي يدق بطريقة مُخيفة، سألت عن سبب الرفض أبويا اتخانق معايا، وقالي إحنا مش من حقنا نسأل عن السبب، الناس مش موافقين وده حقهم، مش هنجبرهم، قولت لأبويا أكيد الرفض من أهلها هما، لقيته بنبرة مكسورة قالي إن الرفض من وسام نفسها رغم إنهم ضغطوا عليها عشان تديني فرصة..

وقتها بس الدنيا كلها أسودت في عنيا، ومبقتش شايف قدامي إطلاقًا، خدت رقمها من تليفون أمي وكلمتها، أول ما سمعت صوتي سكتت تمامًا، قولتلها إني بحبها، وإني مش عاوز حاجة في الدنيا غيرها، وإني مش هسبها لأي حد غيري إطلاقًا، فضلت ساكتة كتير أوي، ولما زعقت فيها قالتلي “كل شيء قسمة ونصيب” وقفلت المكالمة، رنيت تاني لقتها حطت رقمي في القايمة السودة عشان معرفش أتصل بيها تاني..

وفضلت في الأوضة بتاعتي مكسور لمدة يومين كاملين، مكنتش مصدق ولا مقتنع بفكرة الرفض دي من الأساس، مش مصدق إنها تضيع من بين إيديا بالسهولة دي، استنتها مرة واتنين في الطريق، كلمتها بس كانت بتسبني وتمشي، بعتلها على الواتس والماسنجر والتليجرام والإنستا، بعتلها رسايل sms ، عملت كل حاجة عشان ترد عليا، تديني فرصة، بس كانت رافضة رفض قاطع..

وعرفت ببساطة إن البنت محترمة ومتعلمة وجميلة جدًا جدًا، وأنا شاب مش مكمل تعليمي وشكلي عادي وسُمعتي مش حلوة، بتاع حشيش وبنات وبيعمل مشاكل وغيره من الكلام اللي كان حقيقي بالفعل، لحد ما كنت قاعد في أوضتي مرة مش طايق نفسي لقيت أمي بتدخل وبتقفل الباب ونظرات عنيها غريبة..

سألتني إن كنت هصرف نظر ولا عاوز وسام بالفعل، قولتلها إني استحالة أطلعها من راسي، غير إني بحبها أنا كمان اتجرحت، أنا مترفضش بالبساطة دي يا أمي، لقتها طلعت إزازة صغيرة أوي وقالتلي رش منها الصبح قدام بيتهم بس إياك حد يشوفك، واتأكد إنك رشيت قبل خروجها على جامعتها اللي بتعمل فيها دراسات عُليا..

مفكرتش، مرفضتش، كل اللي كان في بالي إنها متكسرش كبريائي بالبساطة دي، وبالفعل صحيت بدري ووقفت قدام شارعهم وقت طويل لحد ما الشارع هدي شوية، وفورًا رشيت المية واستخبيت في مكان مش مكشوف، وكلها نص ساعة وخرجت، وداست على المية، وابتسمت، ابتسمت وتمنيت إن أمي تكون صادقة في الفِعل ده..

وكلها يومين ولقيت أبويا مذهول وجاي بيقولي إن أبوها منتظرنا نشرب معاه الشاي ونتكلم في موضوع الزواج، وروحنا فعلًا ولقينا البنت موافقة ومتمسكة بيا أوي، وقتها بس حسيت بالنشوة والانتصار، واتحدد ميعاد الفرح خلال شهر واحد بس، واتجوزتها، اتجوزتها وأنا حاسس إني منتشي، طاير من الفرحة، كأني ملكت الدنيا بما فيها..

عشت في الجنة دي أسبوع واحد بس، بعدها بدأت الأمور تاخد منحنى تاني خالص، وسام مكنتش بتطيق نفسي في البيت، كانت بتكرهني أكتر من أي حاجة في الدنيا، حتى علاقتنا الزوجية كنت بحس فيها إن جسمها مش طايق جسمي، كأني مسخ، قذر، مكنتش تقعد في مكان أنا فيه، ولا تاكل معايا، ولا حتى في طبق أنا كلت فيه، ببساطة كانت تطيق العمى ولا تطيقني..

كلمت أمي بعد ما شوفت المرار، شوية وردت عليا إن العمل كان كل هدفه نتجوز، وهنحتاج حاجة تانية عشان الدنيا تبقا كويسة، سألتها عن الحاجة دي قالتلي إن فيه حاجة اسمها سحر الطاعة، حاجة بتخليها تطيع كل كلامي وهي مغمضة، بتبقا زي العبد بين إيديك..

حسيت بنشوة غريبة لما سمعت الكلام ده، وبعد تلت أيام كانت معايا إزازة جديدة، رشيت منها شوية في إزازة المية اللي بتشرب منها، وراقبتها لحد ما فعلًا شربت منها، واتوهمت إن السحر نتيجته بتيجي بسرعة أوي كدا، مراتي تعبت يومين، وتالت يوم بقت تحت رجليا، متاكلش غير لما آكل، أطلب منها أي حاجة لو على رقبتها بتنفذها، بقت عاملة زي الإنسان الآلي، بتنفذ المطلوب، بدون تأفف، أو تكاسل، أو حتى تأخير..

وعشت في الجنة دي كمان ست شهور، معايا حاجة عايشة عشان تلبي رغباتي وتشبع شهواتي، لحد ما حصلت المُصيبة وأمي جتلها جلطة على المُخ وماتت، وفضلت في دوامة الدفن والعزاء والحُزن يمكن أكتر من شهر كامل، وبعد الشهر رجعت مراتي أسوأ من الأول، وكأن السحر بطل بمو.ت أمي، والمشكلة إني معرفش أمي عملت ده فين وازاي، كلمت حد أعرفه قالي إنه هيبعتلي كتاب بيتكلم عن سحر الطاعة، لو عملت اللي فيه كل حاجة هترجع زي ما كانت..

وفعلًا جبت الكتاب، وكان فيه فصل بيتكلم عن سِحر الطاعة، ورغم إني جاهل شوية بس نفذت كل اللي مطلوب، بتجيب حاجات بتخلطها ببعض وتحطها على مية وتقرأ كام طلسم، موضوع سهل وبسيط جدًا، وعملت كل حاجة بالتفصيل، وحطيت المية المسحورة في إزازة المية بتاعتها.. وقعدت في الصالة قدام التلفزيون مستني إنها تطلع تجيب الإزازة من التلاجة وتشرب، وفجأة مسكتني كُحة قوية أوي وأنا باكل طبق عنب، لدرجة إني كنت همو.ت من كتر الكُحة، لولا إنها رغم إنها بتكرهني لحقتني بالمية، شربت المية وفين وفين لحد ما هديت، ومن التعب والصدمة اللي حصلتلي لأني كنت همو.ت دخلت نمت..

نمت كتير أوي نوم كله كوابيس غريبة، وفي نص الليل صحيت ريقي ناشف وهمو.ت من العطش، دخلت المطبخ شربت من التلاجة، بصيت على إزازة مراتي مكنتش موجودة، عايز أعرف شربت منها ولا لا، خرجت للصالة لقيت الإزازة مفتوحة ومشروب منها، ابتسمت، بس ابتسامتي مكملتش، المية دي أنا اللي شربت منها لما الكحة مسكتني، أيوة دلوقتي افتكرت، دي شربتني من الإزازة دي، حسيت بخوف كبير أول ما الهاجس ده جالي، هو إيه اللي ممكن يحصلي دلوقتي، لسة مستوعبتش الفكرة وسمعت صوت حاجة بترزع في المطبخ اللي أنا لسة خارج منه..

دخلت بسرعة ولعت النور وفي لحظة الكهربا ض.ربت والمطبخ ضلم تاني، بصيت ورا التلاجة لقيت حاجة، جسم واقف، جسمي كله اتكهرب أول ما لمحته، كأنه شيطان رجيم، قربت منه بهدوء، لقتها مراتي، وشوفتها قاطعة شرايــ ـينها وبتشرب من دمها بتلذذ كبير، شوفت المشهد وحسيت إني اتجننت، صرخت زي الأطفال، صرخت بأعلى صوت، خرجت أجري من المطبخ وسمعت خطواتها ورايا، ملقتش غير الحمام في وشي، دخلت أجري لجوه..

وفي لحظة واحدة بس اتزحلقت ووقعت على ركبتي على حافة البانيو، وقعة غريبة تعتبر خلعت رقبتي من مكانها، وقعت زي الدبيحة في أرضية الحمام، وقدام عنيا لمحت مراتي والدم مغرق إيديها بتقرب مني وعيونها بتنزل دم، وابتسمت، ووقعت في غيبوبة طويلة، غيبوبة صحيت منها على خلع في مفصل الركبة ورباط صليبي، أكتر من ٦ عمليات في الركبة عشان تصلح بس وأقدر أمشي عليها تاني..

وسام من يوم الحادثة طلبت الطلاق وقالتلي نصًا أنا مش طايقاك وأنت كويس، هطيقك وأنت مريض، أخواتي محدش فيهم سأل عليا، أبويا راجل كبير في السن، وأمي ماتت، وقعدت في الجِبس في شقتي بزحف زي الحيوان، محدش جنبي يديني بس كوباية مية، ولأول مرة أبكي على الحال اللي وصلت له، أبكي على نفسي، وكرامتي، أشفق على روحي المتدمرة، أنا ليه عملت في نفسي كل ده، أنا ممكن ممشيش على رجلي تاني إطلاقًا، ليه كل ده، غير الست اللي شبه مراتي اللي بقت معيشاني في جحيم ليل نهار..

وفضلت كتير أوي، شهور متجبس وعايش في الجحيم ده، لحد ما قابلني حد معرفة وفسرلي اللي اغنا فيه، قالي إن جه الوقت عشان أتحرق بنار السحر، لأن السحر زي النار اللي بتولعها، ولازم هتيجي يوم وتطولك، يشاء ربك يوقعك وتشرب من المية المسحورة، وبما إن السحر معمول لواحدة والخادم بتاعه أنثى فكان لازم اللي تشربه أنثى، إنما أنت لما شربته خادمة السحر لقتك فريسة، صيدة سهلة، وعملت معاك كل ده، ويشاء ربك رجليك تدمر عشان تعرف إنك كنت مسنود على حيطة آيلة للسقوط..

أولًا السحر ما هو إلا كُفر بالله وهتتحرق بناره عاجلًا أم آجلًا.. ثانيًا كرامة الراجل اللي أنا فرطت فيها، من حق الست ترفضك، وواجب عليك تتقبل ده بأدب وعزة نفس وتبعد عنها تمامًا، إنما تفرط في كرامتك وتجري وراها زي المسخ، هتكرهك أكتر، عُمر الست ما هتحب راجل معدوم الكرامة، اللي بيفرض نفسه عليها بالعافية، هي هتحبك لما أنت تحب نفسك وتعتز بنفسك وكرامتك، إنما تعمل العكس، استحالة هتشوف منها ذرة احترام.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى