
أمي كانت بتشتغل مُغسلة أموات في البلد عندنا، بل ممكن تقول إنها المُغسلة الوحيدة في البلد كلها اللي الناس بيثقوا فيها ويقدروا يسلموها الأموات عشان تغسلهم بكل ثقة، وده لأن بلدنا مشهور أوي فيها موضوع الأسحار، وياما طلعوا من القبور ومن أجسام الأموات أعمال سحرية كتيرة، عشان كدا كان الناس بيقلقوا أوي وتحديدًا لو حصلت حالة وفــ,,ـــــاه، لأن ممكن المُغسل يحط أسحار، وممكن التابوت نفسه يبقا فيه، بل وممكن القبــ,,ـــــر وهو بيتجهز يتحط فيه أسحار، بلد سُمعتها زي الزفت زي ما بيقولوا والناس مبتحبش تجيها حتى لو مجرد زيارات..
والشغلانة دي خلت لأمي مكانة كبيرة أوي في البلد وبقا الكل بيعملها ألف حساب وبقا بيتقال لها (الحاجة بركة) وده لأنهم كانوا بيتفائلوا بوجودها في أي مكان بتروحه، وكانت بتجيلنا هدايا كتير من أهل الميت بعد الدفــ,,ـــــن، لكن كل ده خلى أمي تتغر في نفسها وبقت غير متاحة للناس دايمًا، بقت مبتردش على أي حد ووجودها بقا قليل وكانت بتطلب فلوس كتير في أي غُسل..
حتى إنها كانت بتتأخر على الجنازة ساعة واتنين لحد ما تيجي وتغسل المتوــ,,ـــــفية، ورغم كل ده محدش اعترض، ولا حد كان يقدر يقولها حاجة رغم إن كان واضح إن الكل بقا ساخط عليها بسبب أفعالها اللي يوم عن يوم بتزيد، لحد ما ظهرت (نادية) بنت شابة من بيت مُتدين وقالت إنها بتغسل الأموات من النساء ببلاش، كله لوجه الله..
كانت بتجيب الكفن ببلاش وتغسل وتكفن في ربع ساعة تقريبًا، وبقت حاضرة في أقل من ربع ساعة في أي حالة وفــ,,ـــــاه، وده خلى غالبية الناس يطلبوا نادية ومحدش فيهم يطلب أمي غير القِلة القليلة، وبعد ما كانت أمي بتاخد فلوس وليها مكانتها وسط الناس بقا الكل بيتجاهلها تقريبا ومحدش بقا عايز يتعامل معاها من أفعالها..
وطبعًا ده خلى أمي تحقد على نادية وبقت عايزة توقفها بأي طريقة، بعتتلها وكلمتها وطلبت منها تتوقف عن الغُسل لأنها مش مهيأة للموضوع لكن البنت رفضت، هددتها إنها هتبلغ عنها، لكن البنت برضه تجاهلتها وكملت اللي بتعمله، وفضل وقف الحال ده فترة طويلة أوي لحد ما بعد ٣ شهور رجعت أمي تشتغل مرة تانية، وبقا الناس بيطلبوها وبقت بتروح وتاخد الفلوس ورجعت الأمور أحسن من الأول بمراحل..
ولما سألتها قالتلي إن ربنا مش هيضيع تعبنا وإن الشغلانة دي ليها ناسها مهما كان، ورجع الشغل أحسن من الأول، لحد ما كنت في مرة بنضف البيت ودخلت أنضف أوضة أمي اللي كانت مليانة تُراب، فضيت الدولاب وبدأت أرص الهدوم وأنضف التراب اللي ورا الدولاب.. في الوقت ده أمي رجعت واتخانقت معايا وشتمتني عشان دخلت الأوضة من غير إذنها وطلبت مني مقربش من الأوضة دي مهما حصل، والغريب إني لقتها بتداري شنطة صغيرة كانت معاها، خرجت من الأوضة وأنا محتارة ومستغربة من أفعال أمي، لكني قررت أسمع كلامها وفعلًا مفتحش الأوضة لأنها هتزعل جامد..
لكن الغريب هو اللي حصل تاني ليلة لما أمي كانت بايتة عند خالتي وكنت أنا لوحدي في البيت، الأمر كان طبيعي في البداية وأنا متعودة إن أمي بتروح لخالتي من وقت للتاني، لكن اللي مش طبيعي هو إني سمعت من الأوضة اللي أمي قفلتها صوت بكاء، صوت ضعيف لدرجة إني في الأول كنت فاكرة إني بتوهم الموضوع، لكن لما قربت وحطيت ودني على الباب سمعت فعلًا صوت بكاء ضعيف جدًا..
والغريب إن الصوت مكنش آدمي، ده كان وكأنه صوت قطة أو حيوان، النبرة نفسها مش آدمية، الصوت رفيع بزيادة، جسمي كله اتكهرب وشبه اتشليت، لحد ما سمعت حاجة بتخبط من جوه وبتطلب مني إني أفتحلها عشان تخرج، وبدأت الأنوار في البيت تترعش لحد ما قطعت الأنوار كلها، وبقيت واقفة في الضلمة، بيني وبين الصوت مجرد باب مقفول، وسمعت تاني الخبط بهدوء تام وصوت بيقول: ـ افتحيلي عايزة أخرج من هنا يا صابرين..
أول ما لقتها عارفة اسمي خرجت أجري وطلعت بره البيت كله وجريت لحد ما وصلت لبيت خالتي، أمي استقبلتني وشافت وشي المخطوف وفضلت تستفسر عن سبب وجودي في الوقت ده هنا، لكني مكنتش قادرة أتكلم ولا أنطق بنص كلمة، الرعب اللي جوايا كان أكبر من إني أتكلم ولو بكلمة.. ورجعت أمي معايا للبيت ولقيت نفسي بقولها إني سمعت صوت قطط ومحكتش أي حاجة، لأني فعلًا مكنتش عارفة هحكي أقول أيه، وفضلت مترقبة لحد ما فتحت باب الأوضة وملقتش أي حاجة، الأوضة عادية تمامًا ومفيش فيها أي حاجة..
وعدى يوم واتنين وتلاتة وراحت أمي مرة تانية لخالتي عشان تزورها، وحلفت مانا قاعدة في البيت وروحت أقعد عند الجيران لحد ما أمي ترجع، لكن بعد ساعة جالي تليفون من خالتي وقالتلي إن أمي تعبانة أوي، جريت عليهم لقتهم نقلوا أمي المستشفى وأول ما وصلت كانت ماتت، ماتت بجلطة في القلب بدون أي مقدمات.. كانت صدمة كبيرة ومكنتش عارفة أفوق منها، وجات نادية غسلت أمي وكفنتها وسابتلي رقمها عشان لو احتجتها في حاجة، وبعد ٢٤ ساعة كنت لوحدي في البيت، أمي ماتت ومفيش أي حد معايا، الأوضة مقفولة وأنا عمالة أبص ناحيتها برعب ما بعده رعب..
لحد ما دخلت أوضتي وقفلت الباب كويس ونمت، والغريب إني أول ما غمضت عيني نمت في لحظة، وأول ما نمت حسيت بباب أوضتي بيتفتح وواحدة بتدخل منه، وبعدها دخلت واحدة تانية، وبعدين تالتة ورابعة لحد ما كملوا عشرة، كلهم ستات، وقفوا حولين سر,,ـــــيري ولقتهم كلهم بينادوا عليا بصوت ضعيف أوي وعمالين يرددوا: ـ يا صابرين.. يا صابريين.. يا صابرييين..
قمت من نومي مخضوضة ملقتش أي حاجة، لكن شميت ريحة غريبة، كأنها ريحة تراب، قمت من مكاني أول ما سمعت صوت خبطة قوية، خرجت للصالة لقيت خبطة تانية جاية من أوضة أمي، ورغم الرعب اللي جوايا لقيت نفسي المرة دي محتاجة أفتح الأوضة.. معرفش ازاي جتلي الجرأة أعمل كدا، لكني فتحتها، وفضلت أفتش فيها لحد ما سمعت صوت جاي من الدولاب، كأنها قطط محبوسة، فتحت الدولاب لقيت شنطة كبيرة مقفولة ومن جواها فيه صوت وحركة، فتحت الشنطة وأنا قلبي هيقف عشان الصوت والحركة يختفوا تمامًا..
وكل اللي لقيته شعر، خُصل شعر ملفوفة بعناية وكل خُصلة في كيس لوحدها، فضلت اتأملهم وأنا مش عارفة أيه اللي قدامي ده، وفضلت كدا لحد الصبح، لحد ما زارتني واحدة وقالتلي إنها كانت صاحبة أمي وكانت ليها أمانة عند أمي هتدخل تجيبها من أوضتها.. منعتها إنها تدخل بقسوة واستفهمت عن الأمانة اللي مكنتش عايزة تقولها، لحد ما بصت في عنيا جامد وابتسمت وقالت: ـ شكلك شوفتي الشعر.. عامةً هديكي ألفين جنيه وهاتيه وبلاش طمع، تمالكت أعصابي بالعافية وطردتها، وخرجت الست وهي بتتوعدني إنها مش هتخليني أدوق النوم..
ولقيت نفسي منهارة وببكي، ببكي من الخوف والرُعب اللي أنا فيه، وافتكرت وقتها نادية، اتصلت بيها واستغثت بيها، وفعلًا جتلي بعد ربع ساعة، ورتها الشعر وحكتلها كل حاجة.. فضلت تحوقل كتير وقالتلي إن دي خُصل للأموات اللي أمي كانت بتغسلهم، كانت مقتنعة إن ده هيخلي الرزق ميتقطعش، وإن غالبًا اللي قالتلها ده هي الست اللي جتلي، الست دي اسمها (حسنات) ست بتاعة أعمال ودجل، عملت كدا مع أمي عشان تاخد الشعر في النهاية وتستخدمه في سحرها، لكن أمي ماتت قبل ما تديها الشعر..
ولما سألتها هنعمل أيه، قالتلي إننا هندفــ,,ـــــن الشعر وهنحصن البيت بالقرآن ومفيش أي حاجة هتحصل بأمر الله، وفعلًا دفــ,,ـــــنا الشعر وحصنت البيت وكل حاجة بقت طبيعية، ومبقتش عارفة أدعي لأمي ولا أدعي عليها.. الست اللي فقدت حُسن الظن في الله، ربنا اللي تكفل بأرزاقنا في السما وطلب مننا السعي وبس وإنه كفيل بأرزاقنا، لكننا دايمًا بنستسلم للشيطان اللي بيوعدنا بالفقر وبنخاف، وبناخد بأي سبب حلال كان أو حرام عشان نحفظ مكان أكل عيشنا..
زي اللي يفتح محل ولما حد يفتح محل جمبه ويبيع نفس الحاجة يخاف ويحاول يأذيه في مكانه، أو اللي يسوء سمعة زميل في المهنة عشان الناس تفضل عنده وبس، وبيكونوا فاكرين إن ده هيحفظ أو يزود أرزاقهم في حين إن ده بيحول أرزاقهم من حلال لحرام وبيدمرها..
أمي لو كانت سيطرت على الكِبر في قلبها وخدت بالأسباب واحترمت قدسية شغلها والتزمت مكنش حد استبدلها بنادية وكانت كملت، أو لو كانت رجعت عن الغلط واحترمت نفسها كان ربنا كرمها، إنما هي سمعت كلام دجالة وخدت الشعر من الأموات وكمان كانت هتبيعه مستقبلًا، ياريت أمي تبقا عظة والناس تفهم كلام ربنا كويس أوي.. [وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ] سورة الذاريات بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




