
أمي سابتلي وِرث غريب أوي قبل ما تمــ,,ـــــوت، سابتلي مغسلة قديمة أوي ورا المستشفى العام وقالتلي إنها ورثنا ومينفعش نفرط فيه أبدًا، وإن المكان ده مش تابع للمستشفى بالعكس ده بتاعنا إحنا ومينفعش حد يخرجني منه في يوم من الأيام، وكمان مينفعش أسمح إن الأموات يتغسلوا في مكان غير في المغسلة دي لأنها كانت في مشاكل كل شوية مع إدارة المستشفى اللي كانت عايزة تخلي الغُسل جوه مبنى المستشفى وينهوا التعاقد مع أمي للأبد..
مشاكل كتير مكنتش بشغل بالي بيها لحد ما أمي ماتت وكانت آخر وصية ليها هي المغسلة، ولازم أكرم الجُثث واتعامل معاها بكل رحمة وأفهم تمامًا إنهم بيحسوا زينا ومينفعش نظلــ,,ـــــمهم في الوقت اللي هيروحوا فيه لمثواهم الأخير، وفضلت تحذرني من ظُلم الجُثث، لأن ظلــ,,ـــــمهم جريمة أكبر من ظُلم الأحياء..
وماتت أمي في النهاية، وبعد مــ,,ـــــوتها بأيام لقيت إدارة المُستشفى بعتالي عشان تنهي التعاقد وعرضوا عليا شغل كويس بعيد عن الغُسل، وأمي كانت مدياني ورق معين يثبت إننا لينا الحق في الشُغل ده ومينفعش نسيبه لأي حد تاني، وفعلًا روحت بالورق ده للشرطة وأثبت حقي واتحكم ليا إني أكمل في شُغل أمي للنهاية..
وبقيت بشتغل نفس الشغلانة، لما بتحصل وفــ,,ـــــاه في المستشفى عربية دفــ,,ـــــن المــ,,ـــــوتى بتيجي من الباب الخلفي ومعاها الجُثمان للمغسلة اللي أنا فيها، وأنا اتعامل مع الجُثمان وأكفنه وأجهزه ويرجع للمستشفى عشان الأهل يستلموه، بس بعد أسبوع واحد بس بدأت تحصل أحداث غريبة أوي أثناء الغُسل معدتش عليا قبل كدا رغم إن أمي ياما حكتلي..
أول موقف وأنا بغسل بنت صغيرة وبدأت أسمع صوتها وهي بتعيط، وكانت غير متعاونة معايا تمامًا في تغسيلها، أيوة إحنا بنحس هل الميت متعاون معانا ولا لا، والبنت دي كانت بتعمل كل حاجة عشان الغُسل ميكملش، بس في النهاية قدرت إني أغسلها وأكفنها، وبعد أيام حصل موقف أعجب لما كنت بغسل ست عجوزة وبدأت أسمع صوت همسات طول وقت الغُسل، والهمسات دي كانت بتقول: ـ أنا خايفة.. ـ أنا خايفة..
حاولت أتجاهل كل اللي بيحصل ده وأكمل شغلي لأني لو ركزت في الأمور دي ممكن أتجنن تمامًا، لحد ما بعتولي بنت عشان أغسلها، وأهلها أصروا إنهم ييجوا مع عربية المستشفى لحد المغسلة، كانت أمها سيدة مُنتقبة وأبوها راجل مُلتحي وباين عليهم أوي علامات الصلاح، وقبل ما أبدأ أبوها دخل واترجاني إنها متتكشفش على أي حد غريب، لأن بنته عاشت مستورة وكانت وصيتها إنها تمــ,,ـــــوت مستورة ومحدش يكشف عنها أبدًا..
ووعدته وطمنته إن أنا بس اللي بعمل كل حاجة ومفيش عُمال رجالة في المغسلة، وفعلًا بدأت أغسل البنت، وكان حُسن الخاتمة ظاهر أوي، شعوري بيها، هدوءها وسكــ,,ـــــينتها وهي عاملة زي الملاك النايم، بس لما بدأت الغُسل ورشيت عليها المية حسيت إن جسمها أتحرك، أعصابي كلها سابت وحاولت أتمالك أعصابي وبدأت أغسلها من جديد، بس للمرة التانية البنت تتحرك حركة عشوائية، فضلت ساكتة شوية وبعدين بدأت أغسل تاني بهدوء، بس البنت بدأت ملامحها تتغير من السكــ,,ـــــينة للتوتر والقلق، لدرجة إنها بقت بتضم إيديها ورجليها وجسمها بينكمش على بعضه..
حسيت بحُزن كبير لأن باين على العائلة الصلاح، واللي ظاهر قدامي ده إن دي سوء خاتمة، وأكيد البنت دي كانت مخبية حاجة وحشة في حياتها، عشان كدا قررت أخرج أشرب ولو كوباية مية لأن أعصابي كانت شبه منهارة، شربت المية ورجعت، وقدام عنيا ملقتش الجُثمان مكانه، وقتها حسيت وكأني اتضــ,,ـــــربت بصاعقة من السما، شعر جسمي كله وقف والدم نشف في عروقي، بصيت يمين وشمال لقيت الأوضة الصغيرة بابها مفتوح، الأوضة اللي بفتحها كل شهر لأني عملاها كمخزن صغير..
قربت من الأوضة وأنا حاسة إني هقع من طولي وهيجيبوا حد يغسلني لأني هكون أول واحدة تمــ,,ـــــوت من الرعب، ولما دخلت وعلى الضوء الضعيف لقتها واقفة وملفوفة في الكفن ومش ظاهر منها أي حاجة، فضلت أردد جوايا أدعية وابتهل لله إنه ينجيني من الموقف المُرعب ده، وقدام عنيا لقتها بتفتح دُرج قديم أوي وبتطلع منه كراسة صغيرة وبترميها على الأرض، وقدام عنيا لقتها رجعت تاني وعدت من قدامي في خطوات هادية تمامًا وبطيئة جدًا ونامت على ترابيزة الغُسل..
قعدت مكاني من الرُعب وفضلت يمكن نص ساعة مبتحركش، لحد ما ربنا أداني القوة وقدرت أقف على رجلي وجريت ناحية الكراسة وفتحتها، كانت الكراسة اللي أمي بتسجل فيها أسماء الأموات اللي بتغسلهم، الاسم والعُمر والحالة، وكانت بتسجل كمان أي ملحوظة شافتها أثناء الغُسل، يعني على سبيل المثال: ـ فتحية حسنين أبو الخير، ٦٠ سنة سيدة عجوز هادئة الملامح، نسأل الله أن تكون حُسن خاتمة.. وفضلت أتصفح الكراسة لحد ما وصلت للصفحة دي:
ـ أنا اكتشفت إن الأموات بيرجعوا المستشفى تاني ومبيطلعوش من المغسلة لأهلهم لأنهم بيتفتشوا، واكتشفت إن إدارة المستشفى متورطة كمان في سرقة أعضاء بشرية، وفيه حاجات عجيبة وغريبة وناس بتكسب من ورا الموضوع ده، عشان كدا من انهاردة أنا مش هسكت.. ـ انهاردة هددوني ببنتي إنهم هيمــ,,ـــــوتوها لو اتكلمت بس برضه مش هسكت.. ـ أنا يوميًا هغسل الميت وهروح معاه لحد المستشفى وأسلمه لأهله بنفسي عشان أضمن إنه ميتظلــ,,ـــــمش.. ـ هددوني ببنتي تاني أو أسيب الشُغل وعملوا فيا محضر بس ربنا سترها..
ـ كل حاجة هديت ومحدش بقا بيهددني ببنتي، بس حاسة إنهم هيأذوني أنا.. اللي قريته خلاني أترعش زي الطفلة الصغيرة، عشان كدا الأموات طول الأسبوع ده بيحاولوا يوصلولي رسالة، خايفين يرجعوا المستشفى تاني، وسُبحان من جعل البنت دي تكشفلي الحقيقة كلها، خرجت وأنا ببكي ومنهارة ومش قادرة أتحرك، واستقبلني والدها وهو مستغرب، فضلت أترعش قدامه وفضل يهدي فيا لحد ما قولتله إن فيه حاجة غلط وحكتله..
كنت فاكرة إنه مش هيصدقني، بس الغريب إنه صدقني وقالي إنه شاف حلم امبارح إن بنته خايفة، عشان كدا كنت بوصيكي محدش يشوفها لأني كنت فاكر الحلم معناه إنها مش عايزة حد يكشفها، ورغم هدوءه وتدينه الكبير اكتشفت إنه بيشتغل تبع جهة كبيرة في البلد.. خد بنته دفــ,,ـــــنها وبلغ عن الإدارة واتعمل تفتيش مُفاجئ وكبير واكتشفوا كوارث، منها إن أمي ات.ت مش ماتت، ومنها إن أموات كتير اتاخد منهم أعضاء وحاجات تانية بشعة، واتحكم على المجرمين بأحكام قاسية جدًا..
قعدت بعد الموضوع ده ٥ سنين مبشتغلش لحد ما أمي جتلي في المنام وطلبت مني أكمل شغلي لأننا بنحافظ على الأموات ومبنظلــ,,ـــــمهمش، وقالتلي في الحلم إن أبشع الأعمال واللي عقابها كبير عند ربنا هي الظُلم، الظُلم اللي ربنا حرمه على نفسه وجعله بينا مُحرم، وأمرنا منظلــ,,ـــــمش بعض.. القوي ميظلــ,,ـــــمش الضعيف، والحي ميظلــ,,ـــــمش الميت، لأنك لو عملت كدا فأنت عملت حاجة ربنا حرمها على نفسه فتخيل هي جريمة كبيرة ازاي، وتأكد إن وقتها العقاب هيكون قاسي جدًا جدًا..
[وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ] سورة إبراهيم بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




