روايات

بنات النا.ر للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

كنت حاسس بفزع، مش قادر اتحرك كأن فيه جاثوم قاعد على صدري، وفجأة حسيت بصوابع رقيقة بتحسس على وشي بهدوء شديد.. وسمعت صوت بيهمس جوايا وبيقول: ـ فيه حد يخاف من واحدة جميلة زيي؟! فضلت اتنفس بصوت عالي وأشهق وأشهق لحد ما جالي الصوت من تاني بيقول: ـ أنا كدا هغضب عليك.. واختفت، ولقيت نفسي بتنفض في مكاني، فضلت استعيذ بالله من الشيطان وشغلت قرآن في الشقة كلها.. فضلت قاعد للصبح مش عارف أنام، جسمي مستقرش غير لما الشمس طلعت، ونمت، نمت بعد ليلة رهيبة من الخوف والرعب..

وفي نومي شوفت نفسي مربوط في ساقية وفيه بنت واقفة بتبتسم وبتطلب مني اتحرك عشان الساقية تدور، ولما رفضت لقيت وشها بيتحول لشكل مُخيف، وغصب عني لقيت نفسي بتحرك.. كان الموضوع مُرهق جدًا جدًا، ساقية ضخمة وأنا مُطالب أفضل أدور وحبل ضخم مربوط حوليا، كنت بنهج، العرق بينزل مني زي السيول، عمال ألهث زي اللي بيجري في سباق مبيخلصش.. وفي النهاية صحيت من نومي، كان السرير عبارة عن بحيرة عرق وعمال أنهج وقلبي بيدق بهيستريا، ورجليا كانت شبه واقفة من الإجهاد كأني كنت بعمل ده في الحقيقة، صحيت من نومي وروحت آخد دش، وفوجئت بأكل مطبوخ ومحطوط على السفرة..

انفعلت ورميت الأكل كله على الأرض وخرجت من الشقة كلها، بس في الدور التاني كانت قاعدة، وأول ما شافتني قالت: ـ حد يرمي الأكل كدا، أنت عنيد وأنا قربت أغضب.. بصتلها بخوف وطلعت أجري على فوق تاني، قفلت باب الشقة وقعدت اترعش مكاني، أنا إيه اللي عملته في نفسي ده.. قعدت على السرير وأنا مش قادر اتحكم في جسمي اللي بقا بيترعش كل شوية، لحظات بس وقطع نور الشقة كله، وقعدت مكاني اتنفض وأبص في الضلمة يمين وشمال، وسمعت صوت الهمس من تاني:

ـ مش مشتاق ليا؟؟ واتنفض جسمي أكتر وأكتر، وفي لحظة لقيت جسمي متكتف في السرير وكأنه مربوط بالسلاسل وحسيت بجسم فوق مني.. وفي لحظة لقيت نفسي مربوط في الساقية وهي واقفة وبتطلب مني اتحرك، وغصب عني بدأت اتحرك، كنت شايفها مستمتعة أوي وأنا عمال أنهج وأدور في الساقية من تاني.. وكل ما كنت بقع كانت بتغضب، وكان وشها بيسود وبيتحول عشان أفزع واتحرك من تاني، وسمعت همساتها تاني بتقول: لو كنت بتاكل الاكل اللي بعمله كان هيبقا عندك قوة بدل مانت ضعيف أوي كدا..

وفضلت ساعات أدور في الساقية لحد ما فقت، حاولت أقف على رجليا مقدرتش، والمُخيف إني كنت عاري تمامًا، وفهمت، فهمت المصيبة اللي كانت بتعملها معايا، وفهمت يعني إيه كلمة مش مشتاق ليا.. فين وفين لما قدرت أقوم وأقف، ولقيت أكل محطوط على السفرة، جريت عليه وبدأت أكل بكل لهفة، كنت حاسس إني هزيل، بمو.ت من الضعف والتعب.. كلت من هنا ووقعت في الأرض ونمت، فضلت نايم كتير، وأول ما صحيت لقيت نفسي في السرير ونفس العنين المخيفة بتبصلي في الضلمة، مبقتش عارف أنا بالليل ولا بالنهار، كأن الزمن كله وقف، وأول ما فتحت عنيا سمعت صوتها بتقول:

ـ مش مشتاق ليا؟؟ وفي لحظة كنت شايف نفسي مربوط في الساقية، كنت حاسس إنها بتتغذى على جسمي، كأن روحي نفسها بتتسحب من جسمي، تعب ووجع وعرق، ساعات وأنا بدور في الساقية زي البهيمة لحد ما صحيت، زحفت ناحية السفرة وأنا ببكي من الشلل اللي بقيت فيه وكلت كل الأكل.. ووقعت نمت، وأول ما صحيت اتكرر الموضوع من تاني، كنت بمو.ت في الوقت ده ألف مرة، كأني بعدي صحرا وأنا ماشي على رجليا، رجليا بقت ضعيفة مش قادر أقف عليها..

وكل مرة كنت بلاقي نفسي عاري، كنت بشم ريحتها في الأوضة دايمًا، وكنت يوميًا بلف وأدور في الساقية، لحد ما بقيت عبارة عن هيكل عظمي، حتى لما سمعت صوت الجرس زحفت زي المشلول ناحية الباب وفتحته.. وسمعت صريخ أمي، أبويا شالني وهو مش فاهم إيه اللي حصل، كنت شبه المومياء، جسمي وصل لـ ٣٠ كيلو وعنيا بقت بارزة ووشي بقا نحيف.. روحت لدكتور عشان يقول إن عندي نقص غذا رهيب وبدأ يكتبلي على مكملات غذائية وأكل معين، بس للأسف كنت كل ليلة بدور في نفس الساقية، لحد ما صارحت والدي بكل حاجة..

ودوخنا على كل المشايخ والسحرة حتى، أسابيع طويلة والكل بيبدأ العلاج وبعدها مبيكملش معايا، لحد ما وصلنا لشيخ مشهور، شاف حالتي وقال: ـ أنت للأسف وقعت نفسك في كارثة مع بنات النار، وبنات النار دول عشيرة قوية جدًا من الجن الناري، ومتعتهم في ممارسة الجنـ ـس مع البشر لحد ما يمتصوا منه طاقته كلها ويخلوه عبارة عن عظم، وإن العلاج منهم صعب جدًا جدًا، وكل اللي هقدر أعمله إني هخليك تتحصن بحيث إنها متقدرش توصل لجسمك على الأقل، بس حاول تتمالك عقلك لأنك هتشوفها كتير لحد ما هي تمل وتسيبك..

وفعلًا مشيت على ورد قرآني معين، ومبقتش قادرة توصلي تاني، بس كنت بشوفها على السلم كتير، وبشوفها أكتر في المراية، سنة كاملة لحد ما تعافيت من رؤيتها وانتهى الموضوع، بس ده للأسف مأثر عليا جدًا، لأني مبقتش بنطق زي الناس، وبقيت بمشي زي الأعرج، حتى شكلي عجز يجي عشرين سنة قدام، ودي كانت حكايتي اللي حبيت أوثقها للناس، عشان يفهموا إن الجن العاشق مش هيبقا زي جني المصباح، الجن العاشق هيدمر حياتك كلها.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى