
بعد البيت بتاعنا بشوية فيه منطقة زراعية بنقول عليها “النخل” منطقة هادية تمامًا متلاقيش فيها غير تلت أو أربع بيوت بالكتير والباقي نخل كتير وسط أرض زراعية كبيرة وطريق صغير سهل تمشي منه عشان توصل للطريق السريع، وأنا صغير كنت بخاف أعدي منه لأنه طريق مُخيف جدًا وبيكون مُظلم بالليل.. طبعًا غير الإشاعات اللي كانت بتطلع على الطريق ده إنه اتقـ,ـتل فيه رقاصة زمان وكتير من الإشاعات، معرفش ليه أي أرض زراعية لازم يتقـ,ـتل فيها رقاصة، ليه مش بنت محترمة مثلًا، ولا عشان هي رقاصة فلازم نهايتها تبقا القـ,ـتل، يمكن ليه لا..
وطبعًا ليا ذكريات مهولة مع المكان ده لما كنا بنلعب بالليل استغماية وندخل نستخبا في النخل ونخوف بعض، بل وكنا بنستخبى ونلبس ملايات بيضا ونخوف الرجالة الكِبار بالليل، بس اللي كان بيتمسك مننا كان بياكل علقة تقعده في البيت شهر كامل، وده لأننا كنا بنخض الناس خضة تقطع الخلف زي ما بيقولوا..
وعدت الأيام وسبنا البيت بتاعنا فترة طويلة وروحنا نعيش في المدينة، عشر سنين كاملين خلصت دراستي وجامعتي واشتغلت كمان، لحد ما لقينا القدر بيرجعنا من تاني للبلد، ولنفس البيت، ونفس المنطقة تاني، يومها اتعمدت أمشي من النخل عشان افتكر كل ذكريات زمان، هنا عملنا كذا، وهنا خوفنا فلان ورا النخلة دي، وهنا كان مكاني المفضل لما بستخبى في لعبة استغماية..
حسيت إن دموعي هتنزل من كتر الذكريات اللي عدت عليا وإحساسي بروعة المكان من تاني، كان فيه حوالي تلت بيوت بس اتبنوا كمان في المكان، غير كدا هو نفس المكان بظلامه ورهبته وصمته من بعد المغرب لحد تاني يوم الصبح، ورجعت البيت وساعدت أهلي إننا نرص عفش البيت من تاني.. ظبطنا البيت عشان يصلح للمعيشة، وقعدنا تلت أيام نظبط الدنيا لحد ما انتهينا منها، وبعد ما خلصنا غصب عني لقتني خارج اتمشى في البلد شوية، من زمان معداش عليا الهدوء ده، ولا عدى عليا السكون والجمال ده، عشر سنين في القاهرة دمـ,ـروا طبلة ودني من الدوشة..
ولقيت رجلي بتاخدني عشان أعدي من النخل زي زمان، ورجعت الذكريات تدق على عقلي من تاني، كان وقتها الجو ليل وشايف قدامي بالعافية، بس وقتها لمحت نور خفيف جاي من شباك من بيت قصادي، وعلى الضوء لمحت وش بنت جميلة أوي واقفة في الشباك بتبص عليا، حسيت بالخجل من إني أركز معاها وكملت مشي عادي رغم إن قلبي دق وقتها بطريقة غريبة..
أما الموقف التاني واللي كان أشد تأثيرًا لما عديت من المكان مع مغيب الشمس، كانت نفس البنت واقفة في الشباك بتتأمل المكان كعادة بعض البنات في الأرياف، ووقعت عيني عليها من تاني، ولقيتها وقتها بتبتسم ابتسامة عذبة جدًا، معرفش ليه حسيت إن البنات دول كانوا شبه انقرضوا، الجمال الريفي والخجل الغير ملوث بزحمة القاهرة والمكياج والمساواة والقرف ده كله.. لدرجة إني بدأت أعيش قصة خيالية في خيالي، خاصةً إني لسة متجوزتش ولسة ملقتش البنت اللي تناسبني، ورغم إني عمري ما تخيلت إني ممكن اتجوز واحدة ريفية بس حاليًا قلبي دق، ودق لواحدة من بنات الريف..
تأملتها للحظات وحسيت بانجذاب كبير وقتها، وجالي اليقين إنها بتتأملني زي مانا ما بتأملها بالظبط، وزي الأفلام وبدن أي ترتيب ما بينا، بقيت كل ما أعدي من المكان وخاصةً مع مغيب الشمس أشوفها واقفة في الشباك وبتتفرج على المكان وتتأمله.. وأنا ظبطت مواعيد رجوعي من شغلي، كنت برجع الساعة خمسة ونص وامشي مخصوص من النخل عشان أشوفها واقفة في نفس المكان، وفضلت العلاقة صامتة تمامًا بدون ولا كلمة، لحد ما في مرة كنت راجع وسمعت صوت خطوات جاية ورايا، معرفش ليه ألتفت وكأني كنت حاسس إني هلاقيها، وفعلًا كانت هي، كانت شايلة شُنط فيها أكل وجاية ورايا وهي مبتسمة..
معرفش ليه اتوترت، وقلبي دق، وحسيت بروحي بترفرف، كانت لابسة فستان زهري وطرحة بيضا ووشها عامل زي القمر ليلة البدر، وقفت قدامها وحاولت أتكلم معرفتش، فضلت أتردد لحد ما ابتسمت وبصوت برئ قالت: ـ مالك فيه أيه؟! ـ أصل.. أصل مكنتش أعرف إن فيه ناس سكنوا في البيت ده جديد.. ـ أنت مين بقا؟؟ ـ أنا حسن ابن الحاج وسيم اللي كنا في البيت اللي قصاد المزرعة وسبناه فترة طويلة.. ـ تقصد البيت الفاضي اللي على أول الشارع؟!
ـ أيوة هو.. ـ أحنا ساكنين في البلد جديد، أبويا اشترى الأرض دي وبنينا البيت وعايشين أنا وأمي في البيت وأبويا مسافر.. وبدون أي ترتيبات ولا أعرف قولتها ازاي لقتني بقول: ـ تعرفي إنك جميلة أوي..
لقيت وشها بقا أحمر دموي من الخجل وابتسمت ابتسامة خطفت قلبي ودخلت على البيت فورًا، ومن يومها وأنا وقعت في دايرة العِشق اللي مكنتش أتخيل إني ممكن أقع فيها في حياتي، وبقيت يوميًا أعدي عشان أطل عليها وأفضل واقف قدام الشباك يجي نصف ساعة بنتكلم من خلال نظرات العيون وبس، وبعد كدا بمشي، بس الموضوع زاد عن حده، وحسيت فعلًا إني بحبها من كل قلبي، وفكرت أفاتح أهلي عشان اتجوزها..
ومع التفكير الكتير قررت آخد الخطوة، وإما تبقا معايا لآخر حياتي، أو الموضوع ينتهي وأشيلها من تفكيري، وفي ليلة رجعت من الشغل لقيتها واقفة، شاورتلها تيجي، اتوترت وخافت بس أنا كنت مصمم، شاورتلي إني استنى، واستنتها ورا نخلة كنت بستخبى وراها زمان وأحنا بنلعب استغماية.. جتلي وهي في قمة الخجل، قولتلها إني عايز أقابل والدتها عشان أطلبها منها، واتكسفت أكتر وأكتر ومنطقتش بنص كلمة، ولما كررت كلامي قالت إنها هتخليني أقابل والدتها، ومشيت، بس وهي ماشية لقتني بسألها سؤال:
ـ أنتي ليه واقفة في الشباك دايمًا كدا.. ـ البيت بتاعنا صغير، أوضتين وصالة، وأمي دايمًا في الصالة وأنا في الأوضة دي.. ـ طيب والأوضة التانية؟؟ ـ بخاف أدخلها عشان فيها عفـ,ـاريت.. وضحكت، ضحكت عشان تخطف قلبي أكتر وأكتر، وتاني يوم شاورتلها وسألتها عملت أيه في موضوعنا، قالتلي إنها كلمت أمها ووافقت تقابلني بعد يومين على بعد المغرب..
استنيت اليوم ده بفارغ الصبر، لحد ما روحت بعد يومين لقتها فاتحة الباب ومستنياني، دخلت البيت حتى من غير ما أعرف أهلي، وقررت أشوفهم الأول مناسبين ولا لا، ودخلت لقيت والدتها ست تشوفها قلبك ينشرح، قعدت معاها وكانت البنت اللي عرفت إن اسمها نرجس واقفة مكسوفة، وحكيتلهم كل ظروفي وأنا منين وابن مين وهنعيش فين، كل حاجة بالتفصيل..
وقتها سمعت صوت خبطة غريبة في الأوضة اللي جوه، وظهر الخوف على وش نرجس، تجاهلت الموضوع وكملت كلامي بس وقتها صوت الخبط ظهر تاني، سألتهم بخجل عن الصوت قالولي إن الحيطة بتاعة الأوضة مكـ,ـسورة من تحت وفيه كلاب بتدخل الأوضة وبنخاف ندخلها، وكمان مش لاقيين بنا كويس يجي يصبها أسمنت.. طبعا هرمون الشهامة اشتغل وقتها وطلبت إني أدخل الاوضة عشان أشوف الفتحة دي، وقتها خافت نرجس وقال: ـ يمكن تلاقي عفـ,ـريت جوه..
ابتسمت واستأذنت وقمت فاتح باب الأوضة اللي كانت مقفولة بقفل، عرفوني مكان المفتاح وفتحته، أول ما دخلت حسيت إن الأوضة دي متفتحش بقالها شهور طويلة، كان فيه صندوق ضخم عامل زي التابوت، غير كدا فهي أوضة ضلمة وعادية جدًا.. قربت من التابوت وفتحته، وشوفت جواه جـ,ـثتين، أو هياكل عظمية لجـ,ـثتين، جـ,ـثة لابسة فستان وردي زي بتاع نرجس، والجـ,ـثة التانية لابسة اللبس اللي كانت لبساه أمها، كانت واقفة ورايا وقتها نرجس وأمها، بصتلهم بقلق ووشي أصفر وقولت فيه جـ,ـثتين جوه..
لقيت وشهم اتغير وراحت نرجس بصت عليهم ورجعت تجري، أمها سألتها بخوف: ـ جـ,ـثث مين دي يا بنتي؟! وقتها بصت لأمها وعنيها ابيضت تمامًا وقالت: ـ دي جـ,ـثتي أنا وأنتي يا أمي، أحنا، أحنا أمـ,ـوات.. وصرخت صرخة رهيبة واختفوا الاتنين، وقتها لقيت نفسي واقف في قلب بيت مهـ,ـجور تمامًا، العنكبوت معشش فيه ومليان تراب، والظلام حوليا من كل مكان، كان شعر راسي واقف وجسمي كله منمل من الفزع اللي أنا فيه، جريت وخرجت من البيت وأنا مرعـ,ـوب، بتنفس بالعافية، وقلبي بيتنفض مكانه..
رجعت البيت وقابلني أبويا اللي شافني بتنفض ومش قادر أنطق، اتخض عليا وفضل يستفهم عن سبب الحالة اللي أنا فيها لحد ما حكيتله كل حاجة، وراح يومها عرف أكتر من راجل من أهل البلد ودخلوا البيت، وفعلًا لقوا جـ,ـثتين للست وبنتها.. وعرفنا إن الست جت مع جوزها من سنة وبنتها، وبنوا البيت، بس الراجل كان بيسافر كتير، وقال في مرة إنه هياخد معاه مراته وبنته ويسافروا، والناس تقبلت الموضوع عادي، غير إنهم ساكنين في مكان هادي جدًا ومحدش بيخالط حد، بس الراجل قـ,ـتل بنته ومراته وسافر..
ولما بلغنا الشرطة قدرت تجيبه، كان في محافظة تانية، واعترف إنه قـ,ـتلهم لأن كان فيه صوت دايمًا بيقول في راسه إن مراته وبنته خـ,ـاينين، وإنهم بيعملوا أفعال حرام في غيابه، فقرر يتخلص منهم، وبعد التحقيقات تبين إنه فعلًا مريض نفسي، مريض واعترف إن دي مش أول زوجة يقتـ,ـلها، دي تالت مرة يتجوز ويقـ,ـتل مراته ويهـ,ـرب..
واتحط في مصحة نفسية واتقفلت القـ,ـضية، بس قلبي فضل حزين، حزين جدًا، وفضلت أدعي لنرجس كل ما كنت بعدي من قدام البيت، بدعيلها وبحمد ربنا إن حسابنا عليه مش على الناس، وإن أي حد حصلتله حاجة وحشة في حياته، حتى لو وصلت لفقدان حياته ظلم فربنا هيعوضه ويقتص له من اللي ظـ,ـلمه يوم القيامة.. حاجة تخليك تطمن وتحس بالأمان، وتعرف إن ربنا هيحاسب كل واحد على أصغر حاجة، ولقيت نفسي بقول بدون وعي: ـ الحمد لله الذي كتب على نفسه العدل والرحمة..
[فمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ] سورة الزلزلة بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




