روايات

الشيخ ياسين للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أبويا كان شيخ جامع ومُغسل معروف يمكن على مستوى المحافظة كلها، ويمكن عشان شغلانته دي بقا من أزهد الزُهَّاد في الدنيا، واحد شايف قدامه يوميًا أمو.ات رايحين ناحية قبورهم بعد ما كانوا أحياء من ساعات بس، عشان كدا فهم الدنيا بدري وزهد في كل حاجة، يمكن عشان كدا كان محبوب، أو عشان أبقا دقيق أبويا كان أكتر إنسان شوفته محبوب من الناس في حياتي، وكانوا بيتفائلوا بوجوده لما يغسل ميتهم بسبب سمعته الحسنة اللي عالجت مواقف كتير أوي..

وكانت كل حكاياته بيحكيهالي كنوع من أنواع العِظة والتربية: بيحكي ويقول إنهم اتصلوا بيه قبل كدا في جنازة بعد ما جابوا تلت مغسلين ورفضوا إنهم يغسلوا الميت بسبب الريحة البشعة اللي كانت خارجة منه، الشاب ده كان ما.ت وهو بيشرب مخدرات، وشكل الج.ثة وقت الغُسل كانت وكأنها متحللة من أيام، لدرجة إن أبوه باس على إيدي عشان أتصرف..

طلبت منهم وقتها يطلعوا ألف جنيه صدقة بنية الفرج والتقرب لله، وطلبت من أمه تفرش المصلية وتدعي لأن دعواتها بأمر الله مُجابة، وبدأت أتعامل مع الج.ثة بمنتهى الحذر لحد ما ربنا وفقني وغسلتها، وكنت بتعامل معاها وأطمنها وأقولها إنها رايحة لأرحم الراحمين، ويمكن ده اللي خلى الريحة تهدى والجنازة تتم بفضل الله، بس يمكن أغرب حاجة أبويا حكهالي واعتبرتها خرافة هي الحكاية دي.

أبويا بيقولي إنه كان في المسجد بيصلي ولقى راجل في آخر المسجد عمال يبكي بكاء شديد، راح عشان يطمن عليه بس لقى الراجل أعور وجلده شاحب وشكله غريب، بس أبويا مهتمش واستفسر منه عن سبب بكائه، قاله إن ابنه ما.ت في حر.ب من الحر.وب والموضوع صعب جدًا في تغسيله..

أبويا مكنش فاهم يعني أي حر.ب دي، ما.ت في دولة تانية يعني ولا أيه، بس رأفةً بالراجل قاله إنه هيجي معاه ويغسله، الراجل كان هيطير من الفرحة، وقال لأبويا كلمة غريبة أوي، قاله إن الغُسل هيكون مُختلف لأننا مختلفين بس كلنا في النهاية عباد الله وبنشهد بالوحدانية، واترعش أبويا غصب عنه لأنه فهم إنهم أخوانا من الجِن، والراجل قاله إنه متاح يرجع دلوقتي، إنما لو بدأ الغُسل مينفعش يرجع أبدًا..

ورغم الخوف والتوتر الشديد أبويا راح معاه، كانوا في مكان شبه الغيط ورا جذع نخلة، وشاف ١٢ راجل واقفين كلهم عنيهم عورة، وفي المنتصف كان فيه جسم ضامر أوي وكاشش كأنه لطفل صغير، أبويا استعان بالله وطلب مية دافية وبدأ يغسل الجُثمان ويكفنه بعد ما استعان بالله واحتسب الأجر عنده.. وبعد ما انتهى عرضوا عليه دهب وفلوس كتير أوي، بس رفض وقال إنه بيغسل لوجه الله سواء كانوا من الإنس أو من الجِن، يومها اتقاله جملة غريبة أوي من الجني اللي كان معاه، قاله:

ـ أحنا مبننساش اللي بيعمل فينا الخير أبدًا.. كلها قصص افتكرتها يوم دفنة أبويا، اليوم اللي المركز كله اتشلت فيه حركة المرور بسبب كمية المُشيعين، لدرجة إني شوفت ناس بيبكوا أكتر مني في الجنازة، وحتى بعد الجنازة ناس كتير قالوا إنهم شافوا حاجات غريبة أوي في الجنازة، وناس قالوا إن إخوانا من الجِن كانوا بيشيعوا معانا..

بس سنة واحدة وبدأت أفوق لنفسي، عايز أتجوز وأعيش حياتي، وأبويا رغم زهده سابلي عِلم وشقة، شقة أتجوز فيها وعِلم استنفع منه ويجبلي فلوس كويسة، وروحت قدمت في شركة كبيرة أوي ومن تاني يوم قبلوني رغم إن كان مقدم معايا ناس أحسن مني بمراحل، لدرجة إني يومها حسيت إن فيه حاجة بتسهلي الموضوع عشان أشتغل وأبقا حاجة كويسة..

وبعد شهرين من الوظيفة شوفتها، البنت اللي غصب عنك قلبك بيدق ناحيتها بطريقة غير مفهومة، رغم إنها كانت متبرجة ومتعطرة ولبسها فاضح زي ما بيقولوا، بس القلب وما يريد بقا، انجذبنا لبعض واتكلمنا كتير، وفرحت أوي إنها من منطقة شعبية رغم كل اللي عملاه في نفسها دا يعني مش هتتشرط كتير عليا، وعرضت عليها الجواز في النهاية..

طبعًا لو أبويا عايش مكنتش اتجرأت وطلبتها، كان أبويا قتلني وغسلني ودفني، بس دلوقتي أبويا مش موجود، وهي قالت إنها هتفكر، يومها رجعت الشقة وأنا طاير من الفرحة، ومسافة ما فتحت الباب لقيت السخان محروق وبيطلع دخان، كانت بشرى زي ما بيقولوا، فصلت عنه الكهربا وحمدت ربنا إنه مولعش في الشقة..

وفي نص الليل شوفت حلم غريب أوي، شوفت إن باب الشقة بيخبط ولما فتحت لقتها هي نرمين، البنت اللي عايز أتجوزها، بس كانت لابسة حاجة شفافة وجسمها كله واضح، لقتها دخلت الشقة وهي مبسوطة وكانت بتقرب مني، كلمتها بتوتر إن دا هيكون بعد جوازنا بس هي ضحكت ومهتمتش، وقربت مني غصب عني وخربشتني في رقبتي لدرجة إني صحيت مخضوض وقلبي بيدق وبترعش من اللي شوفته..

اعتبرته مجرد كابوس، وتاني يوم في الشغل جتلي الموافقة، وبقيت طاير من على الأرض طير، وخدت ميعاد مع أبوها آخر الأسبوع، بس وأنا رايح بنطلون البدلة اتق.طع، العربية عطلت، كنت حاسس بهبوط ومش قادر أتحرك، حتى إن محفظتي وقعت وكان فيها فلوسي وبطاقتي، كل حاجة كانت بتقولي متروحش وأرجع، بس أنا غصب عني روحت، روحت بعد ما حاربت كلش الظروف، وهناك اتفقنا على كل حاجة وبالأخص على يوم الشبكة وطلعنا تاني يوم للصاغة عشان نشتريها..

ولما وصلنا بدأت تطلب بدلال إن فاتورة الدهب تكون باسمها هي مش باسمي أنا، وأنا قولت طالما هي مراتي أيه المشكلة، وكتبنا الفاتورة وخطبتها، ورجعت البيت بعد خطوبة صغيرة في شقتهم وأنا طاير من الفرحة.. بس كلها أيام ولقتها بدون أي مقدمات بتقولي إنها مش مرتاحة وعايزة تفسخ الخطوبة، طيب ليه وازاي مفيش أي أسباب، طيب أنا جاي أخد الدهب، أبوها كلمني وقالي إنك خدت دهبك وأحنا مخدناش منك حاجة..

الدهب اللي حطيت فيه تحويشة سنين طويلة وكل فلوس أبويا بعد مو.ته عاوزين ياخدوه بالبساطة دي، روحت يومها مكانهم واتخانقت مع أبوها، بس كان جاهز وطلع ولاد عمها وكانوا هيمو.توني من الضرب لولا إني لمحت حاجة غريبة، كأن فيه حاجة غير مرئية بتبعدهم عني، ورجعت شقتي مقهور، ببكي زي العيال الصغيرين على اللي حصل، فلوس كتير وتعب وقهر كبير..

ووسط عياطي ده كهربا الشقة كلها قط.عت، وقدام عنيا في الضلمة شوفت واحد أعور شكله مُخيف أوي، كان غضبان وصوته ضخم، قالي إنه حذرني مرة واتنين وتلاتة وأنا اللي كابرت، وإني مستحقش أكون ابن راجل كريم زي الشيخ ياسين، أنا أغبى وأجهل من إني أنال الشرف دا.. الخوف وقتها لجمني إني أنطق بنص كلمة حتى، قالي إني مستحقش يتعمل عشاني حاجة تانية، بس لأجل الخير اللي عمله أبويا هيساعدني، وقدام عنيا شوفت مشهد عجيب، شوفت فاتورة الدهب في إيده وقام حارقها، وحط على الترابيزة فاتورة تانية، واختفى في لحظة..

جريت وأنا ملهوف على الفاتورة لقيتها بكل مواصفات الدهب بس باسمي أنا، جريت على القسم عملت محضر لاسترداد الشبكة وبرضه الظابط اتعامل معايا باهتمام مبالغ فيه وراح معايا شقة أهلها وهددهم يجيبوا الشبكة أو المحضر يروح النيابة، وخدت الدهب كله، ورجعته وخدت فلوسي.. يمكن بعد خمس سنين وبعد ما اتجوزت وخلفت مش هنسى الموقف دا، موقف علمني إن استحالة فعلًا الخير يضيع هباء حتى لو عملته في واحد كـ ـافر، لازم هيتردلك في الدنيا، ولو محصلش هيتردلك في الآخرة..

ربنا رحيم وأمرنا بالرحمة، أمرنا نقف مع بعض ونساعد بعض، أوعى في يوم ربنا يسوقك لحد عشان تساعده وتاخد الأجر وترفض، حتى لو كان الشخص دا لا يستحق، أنت بتعملها لوجه الله، وأنا بفضل الله ثم عمل خير أبويا عمله حقي رجعلي وحياتي كلها اتصلحت.. بس فضلت وقت طويل عاوز أفهم هل الجن بيتغسل فعلًا ولا لا، ووصلت لحل واحد بس، إن الجني اللي أبويا غسله ما.ت وهو متجسد في صورة بشري، لأن غير كدا مكنش هيتغسل زينا..

صدق من قال: افعل الخير في أهله وغير أهله.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى