
المـ,ـوت، زائر ثقيل أوي، زائر مفيش حد في الكون كله يقدر يرده غير اللي خلقه، هو الحقيقة المُطلقة وما دونه حقايق مزيـ,ـفة، بس الإنسان بيعشـ,ـق النسيان، بيعشـ,ـق الأوهام ويكره الحقايق، ومفيش حقيقة أكبر أو أوضح من المـ,ـوت نفسه.. وأنا اتعلمت ده لما صحيت من النوم على صوت صراخ رهيب، قمت منفوض من نومي وضـ,ـربات قلبي بتتسابق مع الريح، في خيالي كل السيناريوهات المُرعبة اللي ممكن تيجي في خيال أي حد.. حرامي دخل البيت.. وممكن حد من أخواتي البنات الأنبوبة انفجرت فيه..
وممكن البيت بيقع.. جريت زي الصـ,ـاعقة ناحية مصدر الصراخ عشان أشوف مشهد غريب، لوحة كئيبة اختفت من حوليها كل الأصوات واتبقا المشهد وبس، أمي على السرير وعلى وشها أعتى علامات الألم وجـ,ـثة هامدة، وأخواتي البنات في حالة انهيار رهيبة، وأنا واقف زي الصنم، تمثال من لحم ودم عقله مش مصدق اللي شايفه قدامه.. كل حاجة بعدها بتجري بسرعة الصاروخ، أعمامي بيحضروا فورًا، والدكتور بيجي عشان يأكد حالة الوفـ,ـاة، عمي بتليفون بيخلص موضوع التصريح والمُغسلة بتحضر خلال ساعة وبيتم تجهيز الجـ,ـثمان للغُسل، وبدأت الناس تحضر للبيت، رجالة العائلة وستاتهم عشان يشيعوا الجـ,ـثمان لمثواه الأخير..
كل ده حصل بسرعة، كأن الزمن وقف عندي أنا وبس، أخواتي البنات جوة البيت بيصرخوا والستات بيحاولوا يحتووهم، واللي تخطت كل الحواجز كانت سناء بنت خالتي اللي تقريبًا كان عندها انهيار عصبي كامل، وبعد صلاة العصر خرج التابوت وعليه جثـ,ـمان أمي ناحية مثواه الأخير، ومن البيت خرجت صرخات كتيرة أوي، بس الصرخة المميزة واللي اترددت في ودني كتير كانت صرخة سناء..
ووصلنا للمقـ,ـابر وصلينا على أمي ووقفنا عند القبر ندعيلها، وقتها بس بدأت استوعب إن أمي مـ,ـاتت وإني خلاص هدخلها للقبـ,ـر واقفل عليها، استوعبت إني مش هشوف أمي من تاني أبدًا، بس كان لازم أتماسك، أتماسك وأوصل الأمانة للي خلقها رغم إن قلبي مفطور وحاسس بشرخ في جسمي كله، شرخ مش هيتداوى تاني أبدًا..
منعت أي حد يشيل الجـ,ـثمان غيري ونزلت أنا بأمي لجوة القبر ودخل واحد من أعمامي ورايا، حطيت الجثـ,ـمان ناحية القبلة وفكيت العُقد اللي معقود بيها الكـ,ـفن وقعدت على ركبي أبصلها ودموعي بتسيل في صمت تام، بس من بعيد سمعت صوت هرج ومرج وناس بتزعق برة، كان خالي تقريبًا بيزعق مع عمي عشان منعوه يدخل القبر لأن كفاية اتنين جوة، وهو كان مُصمم يدخل.. وعلى قـ,ـبر أمي عملوا مشكلة وحصل هرج، وقتها عمي اللي كان معايا جوة خرج يشوف فيه أيه، بس انا كنت ضعيف أوي، معنديش طاقة أخرج أشوفه، ووسط الهرج ده سمعت زعيق عمي الكبير وهو بيقول:
ـ الحاجة اتدفـ,ـنت خلاص اقفلوا عليها الباب وانتهينا.. وفي لحظة اتقفل باب القـ,ـبر، اتقفل ومحدش خد باله من وجودي جوة، اتقفل عشان في لحظة يهجـ,ـم عليا ليل مُظـ,ـلم، مُخيف، وعشان حرفيًا أعصابي كلها تنهار وأحس بجسمي بيتقل بطريقة غريبة، كأني اتضـ,ـربت بشومة على راسي، أو خدت مخـ,ـدر قوي وبدأ ينتشر في جسمي بسرعة رهيبة..
حاولت أنادي عليهم مقدرتش، خاصةً إن كان فيه هرج ومرج برا، حاولت أروح ناحية باب القبر وأخبط جسمي مساعدنيش، أنا كل الحُزن اللي جوايا اتحول لفزع، فزع مُطلق، و الأسوأ إني بدأت أحس بضعف شديد، ضعف بيجذبني ناحية غيبوبة لو وقعت فيها يبقا هفضل في القبر ده للأبد، وكان لازم أقاوم المـ,ـوت اللي كنت بتمناه من دقايق وأنا بدفـ,ـن أمي، دلوقتي اكتشفت إني محتاج أعيش، وإن تمنى المـ,ـوت لفقدان حبيب حاجة ومواجهته حاجة تانية خالص..
وبآخر ما فيا من طاقة قربت ناحية الباب وضـ,ـربت براسي في الباب وأنا بقع في نوبة ضعف كامل، في اللحظة دي بس حسيت بحركة، حركة غريبة جوة القبر، كأن فيه جسم بيقوم من مكانه، صوت تنهيدة أمي، أنا عارفها كويس، كأنها بتصحى من النوم، في اللحظة دي سمعت صوت خطوات جاية ناحيتي في ظلام القبر، حسيت بحرارة الجسم وسمعت صوت هامس بيقول: ـ وحشتني يا حبيبي..
وصرخت، صرخت بأعلى صوتي، في اللحظة دي انتبهوا برة إني لسة جوة، فتحوا الباب وخرجوني وأنا حرفيًا شعري كله واقف وبتنفض زي الطير المنحور، كنت ساكت مش قادر أنطق، ولا حتى أهمس بكلمة واحدة، لحد ما رجعت البيت وأنا ساكت، مصدوم صدمة غريبة.. لما وصلت البيت كنت غايب عن الوعي تقريبًا، دخلت أوضتي عشان أتلم على أعصابي شوية، مفيش دقايق ولقيت الباب بيخبط وسناء بتدخل منه، كانت عنيها كلها دموع، قربت مني ومسكت إيدي واتكلمت بصوت مبحوح وقالت:
ـ شد حيلك يا حبيبي.. كانت أول مرة تنطق بالكلمة دي “حبيبي” معرفش ليه حسيت إني أقدر اتسند عليها في الأيام اللي جاية دي، بس دلوقتي لازم اخد وقتي من الحزن، شكل وجه أمي المتألم مش مفارق ذاكرتي، خاصةً مع واحد دكتور زيي وعارف يعني أيه المـ,ـوت نتيجة أزمة قلبية، أمي كانت بتعاني من أمراض في الدـ,ـم وفي القلب، وكانت مداومة على علاج يومي، وواضح إنها أهملت في العلاج وده اللي اتسبب للأسف في مـ,ـوتها..
حسيت بتأنيب ضمير رهيب إني دكتور وسمحت لها تهمل في علاجها، وانهرت في البكاء أكتر وأكتر، ومن شدة التعب والبكاء نمت، نمت نوم أسود كله هلاوس وكوابيس كلها بتقول إن أمي مـ,ـاتت، بس بدون أي مقدمات أنا حسيت بحاجة بتهزني بقوة، وسمعت صوت أمي جاي غضبان بيقول: ـ أصحا بسرعة مفيش أي وقت.. قمت من النوم جسمي متكسر، مش مستوعب ولا فاهم أي حاجة، و الأسوأ إن الأوضة كلها كانت ضلمة شديدة أوي، حسيت بقشعريرة باردة أوي، خاصةً لما سمعت صوت أمي جاي من الصالة برة، كانت بتزعق بصوت عالي، عمالة تقول:
ـ سيبي إيدي يا عايدة، سيبي إيدي يا عايدة.. خرجت للصالة وأنا تقريبًا حاسس إني همـ,ـوت من الرعب، وشوفت أمي ممدة على الكنبة بتتغسل وعايدة المُغسلة بتحاول تفتح إيد أمي بالعافية وأمي رافضة تفتح إيديها، وفي اللحظة دي فتحت عنيها وبصت ناحيتي بعيون دـ,ـموية وصرخت، صرخت وقالت: ـ مفيش وقت..
واتنفضت من تاني عشان أصحا من النوم واكتشف إن كل ده كان كابوس، بس الكابوس للأسف اتكرر كتير أوي، يوم واتنين وعشرة، في الوقت ده كانت سناء بتقرب مني، كانت بتحاول تخرجني من دايرة حزني بأي طريقة، معرفش ليه أمي رفضت تخليني اتجوزها رغم إنها بنت أختها، بل رفضت رفض قاطع وكانت هتقاطعني لما روحت اتقدمتلها.. حاولت أصفي ذهني عشان أشوف هعرف أروح تاني لسناء وأخطبها ولا لا، بس الكابوس اتكرر، اتكرر لحد ما حكيت مع صديق ليا، وقالي إني لازم أزور المُغسلة، وزرتها..
زرتها وافتكرتني، ومعرفش ليه وشها اتخطف لما شافتني، ولما اتكلمت معاها كتير أشفقت عليا، وبدون تردد قالتلي، قالتلي الاتي:




