روايات

عجوز العمارة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

من ٣ شهور هجرت الـ . ـمنطقة كلها بسبب كلام الناس اللي مكنش بيرحمني ولا عارفة أعيش بسببه، لدرجة إن وصل بيا الحال إن كانت فيه ستات بتوقفني في الشارع وتتحسبن فيا وتدعي عليا بالخراب، الكل شايفني ظالـ . ـمة مع إني مش شايفة نفسي كدا.. أنا اللي عِشت مع أبويا آخر أيامه وأنا اللي أستحق الوِرث كله مش أختي اللي مكنتش بشوفها غير كل فين وفين، عشان كدا بعت البيت والأرض وخدت تمنهم وقررت أهجر الـ . ـمكان كله للأبد، مبلغ كبير أوي أقدر أعيش منه عيشة مرتاحة يمكن الباقي من عمري كله..

ورغم الـ . ـمكالـ . ـمات من الجيران والوسطاء عشان أرد حق أختي اللي بتربي بنتين أيتام إلا إني كنت قررت خلاص ومش ناوية أرجع أي فلوس لأي حد مهما كان، ورغم كدا فضل الـ . ـموضوع عامل زي اللعنـ . ـة، كل ما أروح أسكن في شقة أتفاجأ بناس عارفاني وتطلع عليا سُمعة إني واكلة وِرث أختي كله، وتبدأ معاملة الناس تتغير معايا..

لحد ما قررت استأجر شقة في مكان راقي، مكان استحالة حد من معارفنا يكون هناك أو حتى يشتغل هناك، وفعلًا قدرت بعد شهر إني استأجر شقة محترمة في عمارة فخمة جدًا بسعر كويس جدًا، وعملت حساب كبير في البنك وقررت أخيرًا أشوف الدنيا اللي كنت محرومة منها بسبب بُخل أبويا والـ . ـمنطقة الشعبية اللي كنا عايشين فيها وطلاقي قبل ده كله..

وفعلًا روحت العمارة وسكنت فيها، وفرحت أوي لما عرفت إن العمارة فيها ناس محترمين بجد ومكانتهم عالية في الـ . ـمجتمع، وفرحت أكتر لما لقتهم بيزوروني من وقت للتاني ويتعرفوا عليا، مراكز مرموقة فعلًا، هما دول اللي أستحق إني أعيش معاهم، وفي خلال شهرين كنت اتعرفت على كل سكان العمارة وبقيت بزورهم في أي مناسبة ويزوروني إلا شقة واحدة بس..

الشقة اللي قصادي واللي مكنتش بتتفتح أبدًا ولا شوفت صاحبها، لدرجة إني كنت فاكرة إني مفيش فيها ساكن لولا ريحة البخور الغريبة اللي كانت بتيجي من الشقة كل شوية، ريحة غريبة وصعبة وكل شوية كانت بتخنقني وأنا خارجة من شقتي، لحد ما اتصاحبت على واحدة جارتي وبقينا بنقعد مع بعض وقت طويل وبدأت أسألها عن الشقة اللي بتخرج منها ريحة البخور من وقت للتاني..

في الأول لمحت في عنيها خـ . ـوف غريب ومش مفهوم لكن لما أصريت عليها بدأت تحكيلي إن الشقة دي لواحدة اسمها (الحاجة ذكية) مبتخرجش من شقتها إطلاقًا إلا في حالة واحدة لو حد من السكان اتوفى، تطلع تقدم واجب العزاء وتدخل شقتها تاني، ريحة البخور بتخرج من شقتها ٢٤ ساعة، وهي جوة مبتخرجش لدرجة إن الناس بيقولوا لو مـ ـاتت محدش هيعرف بمـ . ـوتها إلا البواب اللي بيجبلها طلبات الأكل مرة في الأسبوع وبس..

سألتها لما لمحت الخـ . ـوف في عنيها عن سببه قالتلي إن الست دي لما بتظهر في العزاء كل الناس بيهابوها وبتحس بقبـ . ـضة قلب غير طبيعية أول ما تشوفها، وانتهت القعدة وخرجت من عندها للدور اللي أنا فيه.. وأول ما نزلت لشقتي لقيت البواب بيخبط على شقتها وقبل ما أفتح باب شقتي لقتها خرجت، وشوفتها وشافتني، ست وشها شاحب شحوب غير طبيعي من كتر ما هي محبوسة في الضلمة وما بتشوفش نور الشمس إطلاقًا، والغريب إنها اتكلمت ونادت عليا وقالت:

ـ يا مرحب بالجارة الجديدة.. رديت عليها بتوتر ودخلت وقفلت الباب فورًا.. لكن عرفت بعد كدا إن ده غباء مني، لأني عرفت إن الست دي وارثة فلوس ملهاش أول من آخر، وإنها غنية غِنى فاحش، وواحدة غنية زي دي مينفعش أبدًا يتقفل في وشها الباب، ممكن تستفيد من وراها بأي حاجة في يوم من الأيام..

وقررت أعمل اللي محدش من السكان عمله وخدت شوية فاكهة وخبطت عليها الباب، فضلت أخبط وأنا متوترة ولكنها مفتحتش، خمس دقايق كاملين لحد ما قررت أرجع شقتي، لكن مسافة ما اتحركت لقتها بتفتح الباب، لفيت مرة تانية وحاولت أتكلم قدامها مقدرتش، بتحس إنك واقف قدام شيطـ . ـان مش إنسان، ابتسمت بدون ولا كلمة وشاورت عشان أدخل..

وفعلًا دخلت الشقة وقعدت، شقة كبيرة وفخمة بطريقة مُبالغ فيها، لدرجة إن فيها تحف نادرة بمبالغ خرافية، لكن ورغم كدا الشقة متبهدلة وريحتها سيئة جدًا لدرجة إنك متطقش تقعد فيها ساعة واحدة، ولقيت ألف فكرة وفكرة بتيجي في بالي وشوفت الست دي زي الكنز قدام مني..

عملتلي مشروب وقعدنا مع بعض وبدأت تتكلم، فضلت ٤ ساعات تتكلم وتحكيلي عن أولادها وجوزها وحياتها القديمة، عن شغلها وفلوسها ونشاطاتها القديمة، حكتلي كل حاجة ممكن إنسان يحكيها لحد تاني، ولمحت في عنيها دموع كتير أوي، وقالتلي إن كل اللي خايفة منه إنها تمـ ـوت لوحدها، رغم فلوسها وشقتها الفخمة إلا إنها لوحدها، محدش بيسأل عنها، وعارفة إنها هتمـ ـوت لوحدها وجثتها هتتحلل ومحدش هيسأل عنها أبدًا..

طمنتها وقولتلها تعتبرني بنتها وإني هزورها من وقت للتاني والست كانت فرحانة زي الطفلة، شكلي ظلـ . ـمتها والست مسكيـ . ـنة كل اللي خايفة منه هي الوِحدة، الوِحدة اللي ممكن تـدبـ ـح أي ست مهما كانت غنية ومعاها ثروة كبيرة، الست في آخر عمرها بتحتاج ونس وأسرة وحد يطبطب عليها، إنما تبقا لوحدها فده كابـ . ـوس مُرعب..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى