روايات

الست دهب للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أخويا الصغير رجع البيت مخبوط في راسه والدم عمال ينزل منها وطبعًا صوت صراخه خلى الشارع كله يتجمع علينا، لدرجة إني قولت أخويا هيمـ ـوت بعد الصراخ ده كله، لبست هدومي في لمح البصر وخدته عشان أجري بيه على المستشفى بس أمي شدته من إيدي وقالت إنها هتروح توديه للست (دهب).. حاولت أعارضها بس صوتها العالي خلاني أسكت خالص، وفعلًا خدنا أخويا وأنا من جوايا بغلي من الغضب، معرفش ازاي لسة بيقولوا على الست المجنونة دي بتعالج الجروح والناس القديمة بيروحوا ليها لحد انهاردة بعد ما بقى فيه مستشفى ودكاترة والدنيا اتغيرت تمامًا..

وفعلًا روحنا ليها ونص الشارع ماشي ورانا من صراخ أخويا اللي مكنش عايز يقف ولو لحظة واحدة، لحد ما خرجت علينا، ست عنيها مقفولة وشبه كفيفة وعاملة زي الغصن الناشف من كتر ماهي عجوزة، بس الغريب إنها أول ما حطت إيدها على كتف أخويا سكت تمامًا، وكأن مفيش أي حاجة حصلت معاه بعد الفضيحة اللي عملها دي كلها.. خدته على جوا البيت ودخلت أنا وأمي، جابت شوية بُن وغسلت راسه بالمية وكبست الجرح ولفته بحتة قماشة بيضا وطبطبت على أخويا، بعد اللي عملته ده أخويا ضحك وحــ,,ـــــضنها، فضلت واقفة متنحة زي اللي فقدت عقلها ومبقتش عارفة أتكلم..

أمي حاولت تديها فلوس بس الست رفضت تمامًا تاخد حاجة، ولما جينا نمشي رفضت وقالت إنها لازم تضايفنا ولازم أخويا الصغير ياكل حاجة عشان الد م اللي نزل منه، ولما أمي حاولت تعترض مقدرتش، وكلها دقايق وجابت لبن بلدي وجبنة وعيش بلدي وخلت أخويا ياكل ويشرب اللبن وعملتلنا أحنا شاي بحليب وقراقيش طعمها كان حلو بطريقة مُبالغ فيها.. وفضلنا نتكلم معاها لحد ما أمي قالتلها بالنص: ـ سلمى بنتي مش مصدقة إنك بتعالجي يا ست دهب وفكراكي خلاص كبرتي..

كلام أمي خلاني في نص هدومي ومبقتش عارفة أرد أقول إيه لدرجة إن وشي بقا أحمر زي الد م، الست دهب ضحكت واتكلمت وكأنها ست متعلمة معاها دكتوراة مش مجرد ست بسيطة، قالتلي إن اللي هي بتعمله حاجات بسيطة عاملة زي الطب الشعبي اللي اتعلموه من أهاليهم، وإن أي حالة صعبة عليها بتبعتها المستشفى طبعًا وإنها عمرها ما كانت ضد العلم والأطباء، يمكن بس ربنا أنعم عليها لأنها كانت بتدعي دايمًا إن ربنا يسخرها للناس وتساعدهم ولو بأبسط حاجة..

سألتها باهتمام عن سبب سكوت أخويا أول ما طبطبت عليه، قالتلي إنها نعمة من ربنا لأنها كانت بتدعي تكون ست هينة ولينة وإن الرحمة تسكن قلبها و.. ولقتها سكتت مرة واحدة، سألتها باهتمام عن سبب سكوتها قالتلي ويمكن تكون هِبة من الله إنه سخر حد من خلقه يساعدها، مفهمتش كلامها وضغطت عليها لحد ما قالتلي إنها هتحكيلي كل حاجة..

قالتلي إنها كانت بتتعلم من أمها زمان كل حاجة، الطبخ والخبيز والنضافة وحلب البقر وحتى الزراعة في الغيط، وكانت بتشوف أمها أي حد بيتجرح كانت بتداوي الجرح وبتخيطه كمان لو كان محتاج، عشان كدا اتعلمت ده كله، ولما كانت بتحصل حاجة عند أي حد من الجيران كانوا بيجيبوها تلحق الشخص الجريح لحد ما يتنقل للمستشفى، وأكتر من مرة مكنش بيروح المستشفى من الأساس..

لحد ما خبطوا عليها في مرة في نص الليل وطلبوها في بيت ناس ساكنين بعيد، ولما أمها رفضت دهب أقنعتها تروح لأنها هتنجد حد بيتألم وإنها متقدرش تمنع مساعدتها للناس، وفعلًا خرجت ومشيت معاهم في الغيط لحد ما الست اللي كانت معاها اختفت مرة واحدة، اختفت في الضلمة، وقتها دهب قررت ترجع تاني لبيتها.. أثناء رجوعها سمعت صوت ست بتبكي وعمالة تنوح، بصت ناحيتها في الضلمة ولمحت ست قاعدة في الغيط ولابسة أسود وتحت منها طفل راسه مجروحة جرح كبير أوي، دهب وقتها جريت عليهم بقلبها الحنين بس اتفاجئت إن الطفل شكله غريب أوي..

طفل لون وشه أزرق شاحب وعنيه واسعة وعنده ديل صغير، شكله كان مُرعب بكل المقاييس، دهب أول ما شافت كل ده طلعت تجري لحد ما الست نادت عليها واترجتها ترجع تاني لأن ابنها هيمـ ـوت، ووقعت دهب في صراع كبير، خوفها ضد رحمتها بالناس، حتى لو كانوا مش من البشر.. وقالت طالما ده لوجه الله حتى لو لخلق تاني أنا هعمله وربنا هيحميني، وفعلًا راحت للطفل وبدأت تعالجه وسبحان من خلى قلبها يسكن تمامًا، وبعد ما غيرت على راس الطفل الست قالتلها إنهم مسلمين وشكرتها وقالتلها إنها هتدعيلها ليل نهار..

وفعلًا رجعت دهب وكتمت الموضوع سنين طويلة، لحد ما راحت في مرة تلحق واحد مضروب بالنــ,,ـــــار في خناقة، وأهل اللي ضــ,,ـــــربوه هددوها بال. لو لحقته لأنها كانت دــ,,ـــــادثة تار، لكنها قالتلهم مـ ـوتوني أنا مش هسيبه غـ ـرقان في د مه، وفعلًا كانوا هيضــ,,ـــــربوها لولا إن اللي رفع العصاية عليها اتشل ووقع في الأرض وفضل يتنفض.. وقتها كلهم جريوا وسابوها تلحق الراجل المضروب بالنــ,,ـــــار، ومن يومها بقا الكل بيجي عشانها يطلب مساعدتها، من يومها الأطفال بيحبوها والكل بيسمع كلامها، حتى لما فقدت بصرها بقت بتحس وكأن حد بيشرحلها اللي قدامها وبتفهمه..

كانت صدمة كبيرة لما اكتشفت إن الست فعلًا كفيفة رغم إنها عملت الأكل وغيرت على جرح أخويا، معرفش ليه بكيت وبوست على إيديها وطلبت منها النصيحة.. ابتسمت وقالتلي: ساعدي الناس يا بنتي وادعي ربنا يسخرك ليهم، حتى لو أذوكي، حتى لو مصنوش الجميل بتاعك، لأن مساعدتك ليهم ليها أجر عظيم ربنا بيحفظهولك، أجر بيخرج وقت المصايب والأزمات وحتى وقت الحساب ويدافع عنك، أجر عظيم أوعي تضيعيه..

وأوعي تشوفي حد محتاج مساعدة وتقولي مليش دعوة، ساعدي الناس ولو بكلمة، ابتسامة، طبطبة، وخلي الرحمة في قلبك عشان ربنا لما ينظر لقلبك ويلاقي جواه رحمة يرحمك في يوم مش هننجو منه غير برحمة الله.. ومشيت من عندها وأنا ببكي بعد ما اتعلمت درس مش هنساه طول عمري، درس من الست دهب اللي فعلًا معدنها دهب.. (مَن فرَّج عن مسلمٍ كُربةً فرَّج اللهُ عنه كُربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه) أخرجه مسلم

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى