روايات

أم السحايا للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

لما اتجوزت كنت فاكرة إني هرتاح وهعيش زي بنات كتير عايشين مرتاحين في بيوتهم مع رجالتهم، لكن للأسف كنت موهومة واكتشفت إن اللي زيي صعب للأسف تبقا زي البنات العادية، وإنها هتفضل شقيانة عمرها كله، لأني بعد ما اتجوزت افتكرت إني هسيب الأرض ومش هشتغل فيها تاني، بس كلها كام شهر ولقيت نفسي مضطرة أنزل أشتغل لأن الحالة كانت سيئة جدًا جدًا..

جوزي راجل أجير على باب الله زي ما بيقولوا بينزل الأرض طول النهار ويرجع بـ ٣٠ جنيه يومية بناكل بيها وندفع مصاريف البيت، ولما حملت والموضوع بقا مُتعب وعرفنا إننا لازم نتابع مع دكتورة خاصة وندفع كل شهر مبلغ وقدره اقترحت على جوزي أشتغل وضغطت عليه لأن مفيش أي حلول تانية، ونزلت الأرض مع البنات من تاني بس المرة دي وأنا حامل وتعبانة وحالتي الصحية صعبة، بس مكنش فيه حلول تانية..

وكملت شهور الحمل في الشغل وكانت أصعب فترة مرت عليا لحد ما جالي طلق الولادة وأنا في الغيط وجريوا بيا على بيت ست كبيرة قريب وهناك ولدت ابني (يعقوب) وقعدت في البيت من يومها أرضع ابني وكانت أمورنا كويسة نوعًا ما، وجوزي قالي إن كفاية عليا كدا ومشتغلش تاني وإن ربنا هييسر أمورنا وكل حاجة هتبقا كويسة ونحاول نأجل موضوع الخِلفة شوية لحد ما أمورنا تستقر..

بقيت قاعدة في البيت على قد الخبيز والطبخ والغسيل، أخبز في الفرن البلدي وأغسل في الطشت وأطبخ على الوبور وأمورنا ماشية وطيبة، وارتحت فترة طويلة، ٦ سنين الدنيا ماشية وابني بيكبر قدام عنيا وحاسة من جوايا برضا كبير أوي، لحد ما حلمت في ليلة إن جوزي اتعـ,ـض من ثعبان أسود وهو شغال في الغيط ووقع في الأرض لحد ما مـ,ـات..

صحيت ليلتها خايفة وقلقانة وقلبي بيدق زي الطبل، عشان كلها ساعات وألاقي أهل البلد جايبين جوزي عبارة عن جُـ,ـثة هامدة، مـ ـات وهو شغال في الأرض، الباجور اللي بيحرث الأرض داس عليه فرمه، وشوفت مشهد معتقدش إني ممكن أنساه عمري كله، ومـ ـات جوزي واتدفـ,ـن وخلصت أيام العزاء بسرعة غريبة، وكأن كل ده مر في دقايق مش أيام، ولقيت نفسي أنا ويعقوب ومفيش أي حد تاني معانا في الدنيا، أمي وأبويا مـ ـيتين وأخواتي قاعدين في بلد تانية، وحالتهم متسمحش إن حد يساعدني بأي حاجة..

قعدنا في البيت شهر مش لاقيين نخبز ولو خبزة واحدة، ومبقتش عارفة أروح فين وآجي منين، وبقا الجيران بيبعتولنا عيش وجبنة كل فترة لما واحدة منهم تخبز أو تحلب الجاموسة، غير كدا أنا مش لاقية أي حلول، عرضت نفسي للشغل في أكتر من مكان وكان الكل بيرفض يشغلني بدون أي سبب، ووسط اليأـ,ـس والتعـ,ـب والقهـ,ـر ده كله اتفاجأت بزيارة من (سعدون) الراجل صاحب الأرض اللي كنت بشتغل عنده أنا وجوزي واللي رفض يشغلني مرة تانية..

استقبلته بفرحة وكنت فاكرة إنه جاي يجبر بخاطري ويشغلني بسبب ظروفي ومـ ـوت جوزي في أرضه وهو شغال عنده، بس اتفاجأت إنه جاي يعرض عليا الجواز، استغربت من كلامه ورفضت لأن عندنا فكرة اللي تجوز بعد مـ ـوت جوزها وكمان لو مخلفة تبقا ست مش أصيلة، وهو لما سمع رفضي سابني ومشي وساب معايا الراجل اللي كان جاي معاه..

فضل يتكلم معايا ويقنعني إن دي فرصة ولو مش عشاني يبقا عشان ابني الصغير المسكين اللي مش هيلاقي ياكل بعد كدا، وإن الحاج سعدون راجل كريم وهيراعيني أنا وابني ومش هنتذلل لحد ولا نجري هنا وهناك، وبعد تفكير يومين ملقتش فعلًا حل غير الموافقة، لأن اللقمة اللي كانت بتيجي من الجيران كانت بتيجي بذل وكلام يذل النفس، واتعمل فرح صغير خالص وروحت على بيته التاني لأنه كان متجوز ومخلف في بيته الأول..

وابتديت حياة تانية جديدة وغريبة، مكنتش متقبلة ولا مستوعبة إن بقا فيه راجل تاني في حياتي، راجل شكله يخوف، نظراته، كلامه، تعامله معايا أنا وابني، بس كنت بطرد كل ده من راسي وبسمع كلامه بدون أي نقاش، كان مشغل ابني عبد تحت إيده ويبعته يجيب دخان ومعسل في نص الليل..

ورغم إني كنت بخاف على ابني إلا إني مكنتش عارفة أعترض، لحد ما بدأ يكشف عن الشيطان اللي جواه وبقا بيضـ,ـرب ابني على أقل غلطة، ومش ضـ,ـرب عادي أبدًا، سعدون كان بيضـ ـرب ابني ضـ,ـرب بيعلم في جسمه علامات كبيرة، ولما حاولت أتدخل هددني مرة واتنين وفي التالتة اتضـ,ـربت، اتضـ,ـربت علقة مـ ـوت..

ومن يومها بقت الحياة عبارة عن أوامر، وأقل غلطة فيها ضـ,ـرب شديد ليا ولابني، لحد ما في الخناقة الأخيرة وهو بيضـ ـربني بالعصاية ابني اتدخل وخبطه على راسه بحاجة تقيلة خلى راسه تنـ ـزف د م وخرج يجري من البيت، سعدون أقسم يومها إن ابني لما يرجع هيمـ ـوت من الضـ ـرب وراح غير على جرحه..

استنيت لما نام وخرجت أجري في الغيطان أدور على ابني وأنا قلبي مفطور عليه، دورت عليه كتير بس ابني كان اختفى، ٣ أيام قلبي مفطور وبدور على ابني وببعت ناس يشوفوه وجوزي عمال يتوعد إنه لو رجع هيمـ,ـوته من الضـ,ـرب، وبقيت في حيرة عاوزاه يرجع لأنه ابني، وخايفة يرجع من اللي هيعمله فيه سعدون..

روحت لناس كبار في البلد أشتكي كلهم اعتذروا لأن هنا في البلد محدش بيتدخل بين راجل ومراته أبدًا، وعلى اليوم الرابع في نص الليل لقيت ابني بيصحيني من النوم، كنت نايمة في الصالة، حضنته بكل قوتي وأنا جسمي بيترعش وبصيت ناحية الأوضة وأنا خايفة إن سعدون يصحى، بس الغريب إن ابني سابني ودخل يصحيه بنفسه..

حاولت أمنعه بس سبقني بسرعة وقفل الباب، جريت جبت سـ,ـكينة ووقفت ورا الباب مستنية أسمع صوت صراخ ابني أو ضـ,ـرب لكن مكنش فيه أي حاجة إطلاقًا، كنت سامعاهم بيتكلموا بصوت هادي، بعدها ابني خرج وهو مبتسم ونام جنبي، فضلت اتأمله وأنا مستغربة، ابني لابس لبس نضيف جدًا ومستحمي وشكله جميل، حتى إنه كان مبتسم ومبسوط، نمت جنبه وأنا حيرانة ومش فاهمة حاجة..

وتاني يوم صحيت على صوت هرج ومرج، نفس الصوت اللي سمعته يوم وفـ,ـاة زوجي الأول، واتكرر نفس المشهد، سعدون لقوه مـ ـيت عند الساقية القديمة، مـ ـيت ومع ذلك عنيه مفتوحة على آخرها وجسمه متخشب بطريقة مُرعبة، محدش قدر أبدًا يعرف سبب الوفاة وأنا قولت إنه خرج بالليل للأرض ومقاليش السبب، وبعد مـ ـوته مراته القديمة جتلي وقالتلي إنها هتعمل نسبة من خراج الأرض ليا ولابني لحد ما يكبر لأنها عارفة حالتنا وعارفة المعاناة اللي شوفناها مع سعدون..

وفضلت مش فاهمة حاجة لحد ما ابني حكالي في ليلة وقالي: ـ أنا عارف مين اللي قـ,ـتل سعدون.. سألته بلهفة وفضول لقيته بيقول: ـ أم السحايا.. قلبي اتقبض لما سمعت الاسم ولقيت ابني بيقسم إنه قعد معاها تلت أيام وحكالها كل اللي بيحصل معاه وعرف منها إن سعدون هو اللي دبر لقـ,ـتل أبوه عشان يتجوزني لأني كنت عجباه، وهو اللي كان بيقول لأصحاب الأراضي ميشغلونيش عشان أوافق عليه غصب عني، وهي اللي كانت بتأكله وتجبله لبس وهي اللي قالتله روح لسعدون ومتخفش وقوله:

ـ فيه ست حلوة أوي مستنياك عند الساقية القديمة.. المُخيف إن أم السحايا دي عـ,ـفريتة وكل الناس بيخـ,ـافوا منها وكتير بيقولوا إنها مش حقيقية وبيخـ,ـوفوا بيها العيال، بس لو كانت مش حقيقية أمال مين اللي قتـ,ـل سعدون وابني ليه بيقول كدا، أنا مش قدامي غير إني أصدقه لأن مفيش حل تاني، وهو كان يستحق المـ ـوت..

أحيانًا الشخص بيكون معاه كل حاجة ومع ذلك بيستخسر النعمة في إيد غيره رغم إنه شخص مُعدم، وهو استخسرني في إيد جوزي الراجل المسكين وقـ,ـتله واتجوزني، فكان ده العقاب اللي يستحقه، وأي حد بيبص للي في إيد غيره ويحاول ياخده منه بالعافية غالبًا بيفقد كل حاجة، لأن الرضا بالمقسوم قمة الراحة.. وقعت أحداث هذه القصة في صعيد مصر عام ١٩٩٨ م..س بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى