روايات

بورتريه أسود للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

جدتي الله يرحمها كانت محبوبة من كل الناس بلا استثناء، بل وكانت لها مكانة كبيرة في العيلة عندنا، مكنش حد بيقدر يكسر لها كلمة أو يقولها تلت التلاتة كام، خاصةً لما كانت تحصل مشكلة عائلية كانت ممكن تمسك العصاية وتض.رب اللي غلطان ومكنش بيقدر يعترض ولو بنص كلمة.. حتى أزواج خالاتي لما كان حد بيشتكيلها من واحدة منهم كانت بتجبله حقه وتخلي بنتها تطيع جوزها وتنصاع له تمامًا، ومع ذلك كانت في قمة الحنية مع الأطفال وكانت في المناسبات تلف علينا واحد واحد تشوف مين لسة جعان ومين نايم مش متغطي وتفضل طول الليل تلف علينا وتطمن إننا بخير..

ست من الزمن القديم اللي يتحطوا على الجرح يطيب، ومن حُسن حظي إني كنت المفضلة عندها وأقرب واحدة لقلبها من وسط عشرين حفيد وحفيدة، كانت دايمّا تسأل عني ويا ويل أبويا وأمي لو راحوا مناسبة ومخدونيش معاهم.. كانت دايمًا بتتفائل بيا وتقول إني وش الخير لأن يوم ولادتي كان غريب أوي ومش مفهوم، كانت ولادة متعثرة جدًا وأمي بين الحياة والمو.ت يومها، والدكاترة مش عارفين يلاقوا أي حل خالص في الموضوع، لدرجة إنهم طلعوها وهي بين الحياة والمو.ت وطلبوا نقلها لمستشفى تانية، وقتها جت جدتي واتغلبت على خمس دكاترة وولدت أمي بكل سهولة ونزلت على إيد جدتي..

ومن يومها وهي اللي طلبت تسميني “مريم” على اسم أطهر ست في الكون وهي السيدة مريم أم المسيح عيسى عليه أفضل الصلاة والسلام، وكانت بتهتم بيا اهتمام خاص، وده ربى في قلبي محبة ليها وصلت للسما حرفيًا، حبتها أكتر من أمي وأبويا ومن الدنيا كلها، بل وكنت بتعمد أتباهى بحبها ليا في أي مناسبة، لدرجة إن أمي نفسها كانت بتغير من حبها ليا..

كنت بتستنا كل عيد بفارغ الصبر عشان أقعد معاها أنا وأطفال العيلة عشان تفضل تحكي لينا قصص العفاريت والجن، وكانت دايمًا بتنصحنا ليل نهار إننا نقرأ الأذكار وإلا هيحصلنا زي ما حصل لعزيزة، ورغم إننا كنا كل مرة بنسمع منها حكاية عزيزة بس مكناش بنمل من سماعها ألف مرة بأسلوب جدتي..

كانت بتقول إن عزيزة دي كانت فلاحة من الفلاحين اللي بيروحوا يوميًا يساعدوا أهاليهم في زراعة الأرض وتربية المواشي وغيره، وفضلت لحد ما وصلت لسن تلاتين سنة وهي لسة متجوزتش، ودي كانت كارثة زمان في حق أي بنت إنها توصل للعمر ده ولسة متجوزتش، خاصةً إن البنات من أول ١٤ سنة كانوا بيتجوزوا، وفضلت عزيزة تتحمل وتتحمل كلام الناس لحد ما فجأة ظهر شاب من بلد تانية وطلب إنه يتجوز عزيزة..

كانت شايفاه المُخلص اللي هيخلصها من كلام الناس اللي كان بينهش في جسمها ليل نهار، واتجوزت عزيزة واتحولت حياتها ١٨٠ درجة للسعادة والفرحة، بس بعد جوازها بتلت شهور بس جوزها غرق في الترعة ومات، واتصدمت عزيزة صدمة عمرها، وبدأ الناس يشوفوها إنها شؤم، فضلت عانس لسن ٣٠ سنة ولما اتجوزت جوزها غرق، واكتئبت عزيزة أيام طويلة لحد ما فجأة بدأت تظهر من تاني وهي فرحانة جدًا وتقول جوزي عايش مش مي.ت، جوزي عايش مش مي.ت..

وبدأت تقول إنها هتساعده إنه يرجع من تاني، الناس شافوها مجرد واحدة مجنونة، بس هي كانت بتتكلم بيقين غريب إنها هترجع جوزها من تاني، وواحدة واحدة بدأت الناس تلاحظ إن عزيزة شكلها بيتغير، وبتتكلم في أوقات بصوت جوزها المي.ت، وفضلت على الحال ده أيام طويلة لحد ما الناس بدأوا فعلًا يخافوا منها، وبدأ الكل يعتبرها ملبوسة بالشياطين، لحد ما في ليلة لقوا عزيزة غرقانة في الترعة ووشها أزرق زي الأموات، وفي نفس المكان اللي مات فيه جوزها..

واللي عرفه أهل البلد بعدها إنها راحت لدجال وعلمها طُرق لتحضير الأرواح ورجوع الأموات من المو.ت، وفضلت تحاول من خلال السحر الأسود اللي اتعلمته شهور طويلة لحد ما كانت نهايتها المو.ت غرقانة زي جوزها بالظبط.. كانت أكتر حكاية بنحبها من جدتي، وكانت دايمًا تفهمنا إن اللي بيمو.ت مبيرجعش تاني أبدًا لأنه بيكون في عالم البرزخ عند ربنا، وإن الصبر واليقين دايمًا بيكونوا بذكر الله مش بالاستعانة بالسحرة والدجالين والجن، وعدت السنين لحد ما بدأت أمراض الشيخوخة تظهر على جدتي أكتر وأكتر، لدرجة إن جالها زهايمر ومبقتش بتفتكر حد مننا غيري أنا ..

وفي ليلة لقيت خالي بيتصل بيا وبيقولي إن جدتي تعبانة أوي وعايزة تشوفني ضروري، جريت أنا وأمي لبيتها عشان أشوفها وهي بتحتضر، كانت في مرحلة سكرات المو.ت وعنيها عمالة تبص بخوف ناحيتنا، بس أول ما شافتني اطمنت وهديت وبدأت تعرق وتتشاهد لحد ما ماتت، ماتت وهي في ح.ضني.. ووقعت في حالة نفسية وقتها كانت هتقضي عليا، فضلت لأكتر من شهر مكتئبة ومبخرجش من أوضتي، كنت حاسة إن روحي خرجت مني بمو.ت جدتي، وفضلوا أسابيع يحاولوا معايا لحد ما خرجت من الحالة اللي أنا فيها، ووقتها بدأت مرحلة البكاء..

كنت كل ما بشوف صورتها ببكي، افتكرها أبكي، حتى أي كلمة عليها كانت بتتعبني، لحد ما فوجئت بإعلان على الفيس لواحد بيرسم بورتيريهات بالفحم وبطريقة احترافية، وفورًا جت في بالي جدتي، دورت على صورة حلوة ليها وطلبت من الصفحة ترسملي بورتريه بالفحم ليها مهما كانت التكلفة وفي أسرع وقت عشان أعلقه في أوضتي.. وفعلًا بعد أسبوع وصلني البورتريه واللي كان قمة في الجمال، وعلقته في أوضتي وفضلت طول الليل تقريبًا اتفرج عليه بعشق تام، بفتكر كل لحظة قضتها مع جدتي، كل كلمة، كل ح.ضن، وحتى كل لمسة، لحد ما نمت من كتر السهر ومفيش في دماغي غير جدتي وبس..

وعدى يومين كاملين لحد ما في اليوم التالت كنت كالعادة بتأمل الصورة وأمي نادت عليا، رجعت أوضتي تاني وبصيت على الصورة لقتها مبتسمة، جسمي كله قشعر وقربت من الصورة وأنا مش مستوعبة اللي شايفاه، الصورة بتأمل فيها من تلت أيام وكانت مش مبتسمة، دلوقتي مبتسمة وبشكل واضح جدًا.. فضلت مكاني حاسة بخوف غريب لحد ما فتحت الموبيل وجبت الصورة اللي بعتها للصفحة عشان تترسم، كانت صورة عادية مفيهاش أي ابتسامة، تجاهلت الموضوع بصعوبة وعدى عليه يومين كاملين، لحد ما دخلت في ليلة أنام وطفيت النور ونمت، بس الغريب إني بدأت أسمع صوت جدتي جاي من بعيد..

كانت بتتكلم بنفس صوتها وتضحك، وقتها عرفت إن أنا في حلم ومكنتش عاوزة أصحا منه أبدًا، بس الصوت كان أوضح من إنه يكون حلم، وبدأت أحس بحاجة بتهزني بعنف عشان أصحا، فتحت عيني لقيت جدتي واقفة قدام السرير، لمحتها لمدة لحظة واحدة وبعدها اختفت تمامًا..

حسيت بخوف كبير وقمت من نومي فتحت النور وأنا عمالة أدور في الأوضة، أنا واثقة تمامًا إن جدتي كانت هنا، حاسة بلمسة إيديها، وقتها بصيت للصورة لقتها مغمضة، قلبي اتقبض وحسيت بقشعريرة في جسمي كله، قربت من الصورة بحذر شديد وفضلت أقرب وأقرب وأنا كاتمة أنفاسي لحد ما الصورة فتحت عنيها فجأة، فتحت عنيها وسمعت صوت جدتي جاي من الصورة بيقول: ـ وحشتيني يا حبيبتي..

ووقعت من طولي، وقعت وفضلت في غيبوبة يوم كامل، وأول ما صحيت وقعت في نوبة رعب وجسمي كله فضل يترعش وقت طويل، قعدت في الصالة وكنت مرعوبة أدخل الأوضة، رغم إني كنت كل شوية بسمع صوت جدتي من جوة بتنادي، كان صوتها واضح أوي، في اللحظة دي راسلت الصفحة وكلمتهم وبدأت أحكيلهم إن فيه حاجات غريبة بتحصل في اللوحة..

وقتها تواصلوا معايا تليفونيًا وكلمني واحد صوته كان رفيع أوي، مجرد ما سمعت صوته جسمي كله اترعش أكتر، قالي إن روح جدتي لسة في البيت عندنا وعايزة تتواصل معايا من خلال الصورة، وإن ده بيحصل لما المي.ت بيكون إنسان صالح وبيفضل يدور على طريقة يتواصل مع اللي بيحبهم والصورة بتبقا أحسن طريقة.. كلامه كان مُرعب، وفي نفس الوقت فكرني بكل ذكرياتي بجدتي، افتكرت إني فعلًا محتاجة أتكلم معاها بأي طريقة، قالي إننا محتاجين نفتح البوابة ليها من خلال الصورة، ولما سألته على الطريقة طلب ألفين جنيه وهيعرفني الطريقة، وطلبت منه يصبر عليا يومين بس..

وقتها فضلت أفكر، أفكر كتير أوي، كنت خايفة وفي نفس الوقت عاوزة أعمل كدا، يمكن فعلًا فيه أمل إن أنا أشوف جدتي، وفضلت لمدة يومين كاملين بسمع صوت جدتي بينادي من الصورة، بل وبسمع منها استغاثة كأنها بتتعذب ومحتاجة مني أساعدها عشان ترجع، لحد ما بعتلهم من تاني على الصفحة..

قالي أول ما ابعت الفلوس هيبعتلي الطريقة، وسبت الرسالة وفضلت أفكر من تاني مرة واتنين وتلاتة، لحد ما في الليلة دي حلمت بجدتي من تاني، شوفتها قاعدة في صالة بيتها وأنا لسة طفلة قاعدة على رجليها وبتحكيلي من تاني حكاية عزيزة، كانت بتقولي إن جوزها مات وإن عزيزة حاولت مرة واتنين وتلاتة ترجع جوزها بس مكنش بيرجع، وفضلت تعيد وتزيد.. المي.ت مبيرجعش.. المي.ت مبيرجعش.. المي.ت مبيرجعش..

وقتها صحيت وقلبي عمال يدق بعنف وحاسة بخوف كبير أوي، خلعت الصورة من مكانها وروحت حكيت لوالدي اللي مكنش مصدق كلامي أبدًا، بس مع خوفي وبكائي قدامه بدأ يستجيب، واستعان بشيخ عشان يجي يشوف الصورة، وفعلًا جه الشيخ وبدأ يدقق في ملامح الصورة، وبعدها بدأ يقرأ الرقية الشرعية على الصورة..

الغريب إني بدأت أحس إن الصورة بتنكمش بطريقة غريبة كل ما كان بيقرأ قرآن، بتنكمش وكأنها بتتحرق، وفي النهاية بدأ يتكلم وقال إن فيه نوع من السحرة بيعمل سحر عن طريق صورة الشخص نفسه، وإن الصفحة دي أكيد اللي عاملها واحد دجال ومعاه واحد رسام، بيشوف طلبات الناس لحد ما يرسم صورة واحد مي.ت ويسحر، قرينه ويخليه على الصورة نفسها، وبعدها يبدأ يساوم الضحية على موضوع تحضير الأرواح عشان يستنزفها بالفلوس..

والموضوع ده مش معروف بس بيستخدمه سحرة قليلين جدًا في مصر، وإني لو كنت حضرت كان الجن هيلعب بيا وهيدمر حياتي، لأن الصورة في الأصل مسحورة بخادم من الجن اللي هو قرين جدتي المتوفية، وبعدها حرق الصورة وطلب مني أعمل حظر للصفحة دي خالص، يومها دعيت كتير أوي لجدتي، جدتي اللي كانت معايا في حياتها، وحتى في مماتها، جت تحذرني من كارثة كنت هقع فيها..

بس اللي كان أهم من ده كله وعرفته بعدين، إن التعلق لازم يكون بالله ولله وبس، وإنك تكون متفهم إن كل الناس اللي حوليك هيمو.توا، أنت نفسك هتمو.ت، بس الحي اللي مش هيمو.ت هو ربنا، ولو تعلقت بيه صح هتنجو في الدنيا والقبر والآخرة، لو حبيته واتعرفت عليه صح مش هتعرف تحب حد غيره أبدًا.. [وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا] سورة الإسراء بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى