روايات

مقبـ,ـرة قريبتي للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

بنت خالي تعتبر فلتة من فلتات الزمن، البنت اللي تقريبًا اجتمعت فيها كل الصفات الجميلة اللي ممكن تجتمع في بنت، وكأنها جاية من زمن تاني غير الزمن اللي عايشين فيه، لدرجة إن كل الستات في بلدنا كانوا بيحلفوا بعفتها وجمالها وحيائها..

حفظت القرآن وهي عندها ١٠ سنين تقريبًا، وقررت يوميًا بعد ما تخلص المعهد تروح تعلم الأطفال اللي أصغر منها، ربنا وهبها جمال مشفتوش على مدار حياتي كلها في أي بنت، حتى طريقة لبسها كانت بتخليك تحس إن فيه ملاك جاي في الطريق مش مجرد بنت، تقريبًا مفيش بنت في البلد إلا واتعلمت منها خصلة كويسة أو حفظت على إيديها سورة من القرآن..

وأنا من صغري حبتها، أو يمكن نقدر نقول عشـ,ـقتها، كنت شايفها الملاك اللي جه الدنيا، والمـ,ـوت كان عندي أهون من إنها تكون لحد غيري، ومن جوايا بدأت أجري بالزمن عشان كنت واثق إنها مسافة ما توصل لسن الجواز هيقف العرسان طوابير على باب بيتها، وفكرة إن حد يتجوزها غيري كانت عاملة زي فكرة الانتـ,ـحار بالنسبالي، مـ,ـوت مقدرش أتحمله أبدًا..

وأول ما كملت عشرين سنة روحت فاتحت والدتي إني عاوز اتقدم واتجوز بنت خالي، بس الغريب إني لمحت في عنين أمي نظرة غريبة أوي، نظرة مفهمتش معناها غير وخالي بيرفض بلُطف إنه يجوز بنته ليا، ماهو البنت اللي حافظة القرآن المحترمة اللي كل بيحلف بيها هتروح تتجوز عيل سواق توك توك وبيدخن ومعروف كمان إنه بيشرب حشـ ـيش..

حسيت يومها بخـ ـنجر ملتهب بيقطع في قلبي، لدرجة إني ولأول مرة أشوف الدنيا سودة قدامي، سودة بطريقة مُخيفة، عارف لما تعيش عشرين سنة تحلم بحاجة وتعيش عشانها وفي لحظة تكتشف إنك كنت عايش وهم كبير أوي، وهم بيقول إنك مش هتاخدها ولا تستحقها من الأساس..

كتـمت دموعي واتصلت بخالي وحاولت معاه مرة تانية ووعدته إني هتغير بس كان على إصراره، استحالة هيجوز بنته ليا، طلبت منه ياخد رأيها لقيته قلب عليا وقالي أطلعها من دماغي خالص، وقعدت ليلتها والدموع في عنيا، مكنتش أعرف إن القهر ممكن يعمل في الإنسان كدا، لدرجة إني كنت شايف المـ,ـوت وقتها صديق، صديق قادر يخرجني من كل اللي أنا فيه..

اتصلت بواحد صاحبي وجبت منه شريط مخـ ـدر وبابتسامة سخرية روحت واخد كل الأقراص المخـ ـدرة، وضلمت الدنيا كلها قدام عنيا، بس المـ ـوت رفض إنه يقبلني، وصحيت لقيت نفسي في المستشفى وأمي جنبي بتبكي بحرقة شديدة، اتعملي غسيل معدة والموضوع عدى على خير، سألت أمي إن كانت تقى بنت خالي عرفت إني تعبان لقيت أمي بصتلي بغضب وطلبت مني أطلعها من دماغي نهائيًا..

وقعدت في الفترة دي من الشغل خالص، اعتزلت في أوضتي واشتريت حشـ ـيش يكفيني شهر على الأقل، وقعدت أعيش في عالم كامل من الخيال مع تُقى، تُقى اللي تقريبًا كانت عايشة مع الحوريات في الجنة ونزلت الأرض في مهمة إنها تكسر قلبي وتقتـ ـلني بحبها.. شهر كامل فضلت في الدوامة دي لحد ما بدأت الأخبار توصلني عنها، البنت بدأ الخُطاب يخبطوا على بابها، وبدأ خالي يستقبلهم باحترام ومودة كبيرة، طيب مش من باب أولى كان استقبل ابن أخته كويس على الأقل..

وجالي الخبر اللي نحرني تمامًا لما عرفت إنها اتخطبت كمان، واتخطبت لأستاذ في الجامعة، اللي هو حد أنا لا أقارن بيه ولا من قريب ولا من بعيد، ومن يومها بدأت حالتي الصحية تنزل بطريقة مُخيفة، كنت بعجز ومستني المـ ـوت اللي هيجي يخلصني من تفكيري في تُقى..

وبدأت أمي تعمل مشاكل مع أبويا عشان يشوفلي شغل برة البلد خالص، وكان الحل النهائي إني فعلًا لازم أنشغل بأي شغل برة البلد كلها، ورغم المرار والقهر اللي كنت حاسس بيه إلا إني في النهاية طلعت برة البلد واشتغلت في مجال المقاولات، وبدأت اتنطط من محافظة لمحافظة، ومن الصعيد لوجه بحري، كل ده وصورتها مش عاوزة تفارق خيالي..

وفضلت على حالي كتير وأنا مرعوب حتى أسأل هو فرحها أمتا، لحد ما عملت مشكلة في شغلي واتطردت منه خالص، رجعت يومها الساعة ١٢ بالليل لمحطة القطر، اتصلت باتنين أصحابي نسهر مع بعض لأني كنت في حالة سيئة جدًا جدًا، ومش عارف هروح البيت أقولهم إيه.. كلمتهم واتفقنا نسهر في المقابر، وقالولي إنهم جايبين مخـ ـدرات والليلة هتبقا للصبح، وروحت وقابلتهم وقعدنا في قلب الظلام وبرفقة الأمـ ـوات نحشـ ـش، ليلتها فضلت أشرب وأشرب لحد ما نسيت اسمي حرفيًا، في اللحظة دي لقيت واحد منهم بيبص ناحيتي بنظرات كلها رهبة وخوف..

استفهمت منه عن سبب النظرات دي وأنا شبه تايه لقيته بيقولي: ـ هو أنت رجعت عشان تاخد العزاء ولا عشان اتطردت من شغلك.. بصتله وأنا لسة تحت تأثير المخـ ـدر وقولتله: ـ عزاء مين يابني أنت؟! ـ هو محدش قالك إن بنت خالك مـ ـاتت امبارح ولا إيه؟! عنيا جحظت بطريقة مُخيفة واختفى تأثير المخـ ـدر كله من راسي، مسكته بقسوة وصرخت فيه: ـ أنت بتقول إيه؟! لقيت التاني بيقول بنبرة حزن: ـ دي البلد كلها حزنت عليها الله يرحمها..

وقعت مكاني وأنا حاسس إن نفسي بيضيق وفقدت النطق تمامًا، لقيت واحد منهم بيقول: ـ مش عاوز تزورها وتقرأ لها الفاتحة طيب؟؟ بصتلهم والدموع متحجرة في عنيا وقمت زي المُغيب عن الواقع، خدوني لحد قبر من القبور ووقفت قدامه عاجز، جسمي بيتنفض، قربت من القبر وأنا بترعش وحضنته في سكون تام، لقيت واحد منهم بيهمس ويقول: ـ لو واحشاك أوي كدا أفتح وشوفها.. بصتله برعب من الصدمة لقيته بيقول: ـ يابني أنت مش كنت بتحبها، دي مجرد نظرة وداع، وبدون تفكير لقيت واحد منهم طلع أجنة وشاكوش وضـ,ـرب على قفل القبر، ضـ,ـربة واتنين والتالتة ولقيت الباب اتفتح والقفل اتكسر..

وقفت قدام رهبة وظـ,ـلمة القبر اتنفض، لقتهم بيشجعوني عشان أدخل أسلم عليها وأخرج بسرعة، وفعلًا نزلت، نزلت وأنا قلبي بيتنفض بين ضلوعي، نورت الكشاف وشوفت الجـ,ـثمان ساكن في نص القبر، قربت منه وأنا حاسس إني هقع من طولي، مديت إيدي وشلت الكفن الأبيض… و و بصتلها وبصتلهم بذهول وقلت: ـ دي مش هي بنت خالي..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى