
بما إن المباني واقفة اليومين دول ونوعًا ما الحال واقف وتقريبًا ٢٤ ساعة قاعد على القهوة مستني نص فرصة للشغل، فكان لازم أرد على أي اتصال وأقبل بأي حاجة مهما كانت هي أيه، وكانت الحاجة دي هي إننا هنهد مقبرتين ونبنيهم من تاني لأنهم شبه هيقعوا على الجثث المدفونة جوة، عشان كدا لقيت المقاول إللي بشتغل معاه بيتصل بيا وبيبلغني إننا هنطلع بكرة على المقابر نبني المقبرتين..
سبت القهوة ورجعت على البيت عشان أنام بدري وأقدر أصحا من النجمة عشان الشغل هيبقا كتير وطويل أوي، دخلت البيت لقيت أمي ماسكة صدرها وبتكح كالعادة، دخلت أديها العلاج لقيته خلصان، ومن جوايا حمدت ربنا على الشغلانة دي عشان هقدر منها أجيب العلاج بكرة من فلوس اليومية إللي هاخدها.. وعلى الساعة ٦ الصبح لقيت المقاول بيكلمني وبيقولي هنأجل لحد العصر عشان صاحب المقبرتين هيجيب ناس يلموا العضم إللي جوة عشان لما نهد الردم مينزلش على العضم، كملت نومي لحد الضهر تقريبًا، وصحيت فطرت وطلعت على المقابر إللي على الطريق السريع..
كان الاتفاق إني هقابل المقاول وشاب كمان على أول المقابر وهندخل مع بعض، وفعلًا قابلتهم ودخلنا المقابر لحد المقبرتين إللي هيتهدوا، شكل المقبرتين كان قديم ومتهالك بطريقة مُخيفة جدًا، معرفش الناس دول سابوهم لحد النهاردة ليه كدا، ده ولا كأن المقابر اتبنت من ألف سنة..
بدأنا مع المقبرة الأولى نهد الحيطة الجانبية عشان تقع كلها مرة واحدة وننجز في الشغل، بس وسط الشغل لقيت صوت المقاول والعامل التاني بيعلى بينهم وبين بعض وبيزعقوا، كان اختلاف ما بينهم على موضوع الحساب، وفي النهاية العامل مشي وقال مش هيكمل، وفضلت أنا والمقاول إللي بعد نص ساعة بس جاله تليفون إن بنته تعبانة ومشي على وعد إنه هيجيلي بكرة وهيزود اليومية بتاعتي..
وفضلت لوحدي بكسر في المقبرة، الشمس من فوق ملتهبة والعرق بينزل زي النهر مني، والمقابر فاضية كأنك في صحراء وأنت الكائن الوحيد على الأرض كلها، إحساس غريب بالوحشة والخوف، إحساس مُقبض وبيفكرك بالمو.ت والفناء، خاصة إني افتكرت أمي إللي ممكن تكون هنا قريب ودي حاجة رعبتني جدًا..
ووسط ما أنا شغال ومندمج لقيت بنت بتجري وهي بتنهج أوي وأول ما شافتني فضلت تترعش، قربت منها بهدوء وسألتها عن سبب خوفها ده، قالتلي إنها كانت بتزور أمها وناس حاولوا يعتدوا عليها وبتحاول تهرب منهم، مسكت المطرقة بقوة عشان أدافع عنها بس مظهرش حد خالص، بدأت تهدى وتترجاني أوصلها للبيت بتاعها أحسن يشوفوها ويأذوها، ورغم شغلي وإللي أنا فيه كان لازم أستجيب، ربنا زرع جوانا النخوة من الصغر ودي بنت بتستغيث برضه..
طلعنا على الطريق ووقفنا عربية نقل وخدتنا لحد قرية متطرفة أوي في الجبل، ومشيت معاها لحد ما وصلتها للبيت بتاعها إللي كان عبارة عن بيت يمكن أقدم من المقبرتين إللي كنت بهدهم، معرفش ليه جالي إيحاء إن دي الوحيدة إللي ممكن تقبل بيا وبحياتي وبالبيت المتهالك إللي عايش فيه أنا وأمي، اه ما أنا نسيت أقولك إني لسة متجوزتش أصلًا ومش لاقي أتجوز، سبتها قدام بيتها وجيت أمشي بس قالتلي إن أبوها الشيخ عرفات عايز يشكرني على وقفتي معاها، حاولت أعترض بس كان عندها إصرار عجيب..
دخلت البيت القديم وقابلت راجل عجوز وملتحي بدقن بيضا، رحب بيا بس كانت نظراته غريبة أوي، ولقيته بدون مقدمات قال: ـ أمك عاملة أيه دلوقتي لسة بتكح برضه؟؟ أنا اتنفضت من مكاني لما قال كدا، هو عرف منين إن أمي تعبانة، ابتسم وكمل كلامه وقال: ـ أنا أعرفك أكتر مما تتخيل، أعرف إنك نفسك أمك تخف، وإنك نفسك تتجوز، وإن الشغل واقف ونفسك تبقا غني أو مرتاح ماديًا، وأنا بسبب مساعدتك لبنتي هحققلك كل دا..
سيطرت بالعافية على إنفعالاتي وسألته: ـ هو مين حضرتك؟! ـ أنا يابني من نسل الشيخ الأخشيدي ربنا وهبنا علم وقدرة على مساعدة الناس وحابب أساعدك.. ـ طيب واشمعنا أنا؟! ـ عشان أنت شهم وجدع، تعرف إني اخترتك من وسط المقاول والشاب التاني، وأنا إللي اتسببت في مشكلة بينهم عشان العامل يمشي وأنا إللي خليت المقاول يمشي بعدها.. ـ طيب والمقابل يا شيخ؟! ـ هتتجوز بنتي، وهتاخد دهب، وهديك وصفة أعشاب لعلاج أمك، بس تصلح إللي أفسده الناس..
ـ وأيه إللي أفسدوا الناس يا حج؟! ـ المقبرتين إللي بتهدهم المو.تى فيهم بيشتكوا، مينفعش ند.فنهم جمب بعض، عشان كدا هما إللي اتسببوا في إن المق.برتين يتهدوا، ولازم نستجيب لرسايلهم.. ـ والحل أيه؟؟ ـ هخليهم يثقوا فيك وبعد ما تبنيهم هيطلبوا منك ترجع العضم كله، أنا بقا عايز كل العضم ده بأي طريقة والمقابل هيكون خير كبير أوي.. جسمي اترعش أكتر وسألته هيعمل أيه بالعضم فقالي إنه هيد.فن كل عضمة في مقبرة إستجابة للأموات، ومشيت من عنده مشيت وأنا حيران، مشتت، وخايف جدًا جدًا..
المقاول كلمني قولتله إني مشيت، وعلى عكس العادة بدل ما يتخانق قالي نكمل بكرة عادي، وعلى مدار يومين هدينا المقبرتين وحملنا الردم على عربية وبدأنا نجيب الطوب والأسمنت والرمل ونبني المقبرتين إللي خدوا مننا ٤ أيام كمان، لحد ما جبنا الحداد ركب الأبواب الحديدية وبقوا جاهزين على التسليم.. وقتها المقاول قالي إن الراجل كلمه وطلب مننا ننقل العضم إللي مردوم عليه في مقبرة تانية ونرجعه مكانه، وقتها جسمي اتنفض أكتر وأكتر، خاصة إنه قالي هنعمل ده بكرا مع بعض ونسلم المقبرتين..
رجعت وأنا شايل هم الدنيا، خايف وقلقان ومتوتر، أمي لاحظت كل ده عليا وسألتني، حكتلها بطريقة غير مباشرة إن حد طلب من المقاول عضم الأموات، لقتها شهقت واستعاذت بالله وقالتلي دول سحرة يابني وكفرة، قوله إياك توافق.. سبتها وأنا الغم زايد فوق راسي أكتر وأكتر، ليلتها شوفت حلم غريب كأنه واقع، شوفت نفسي عريس مع عروسته إللي هي بنت الشيخ، وداخلين شقة جديدة وأمي بتزغرط وصحتها كويسة جدًا، قربت من العروسة لقتها همست في ودني وقالت، إياك تضيع الفرصة من إيدك..
وتاني يوم روحت للمقابر وطبعًا المقاول تكاسل وهيجي بعد ساعتين ورمى عليا الشغل كله، خاصة إنه كان سايب معايا مفاتيح القبر، فتحته وطلعت العضم إللي كان متجمع في كفن كبير وخرجت بيه وأنا عمال أفكر وأفكر، لحد ما في النهاية لقيت قدامي سبيكة دهب، قدام القبر الجديد، مديت إيدي ناحيتها بس بعدت عني كأنها حية، مديت إيدي تاني بس بعدت عني، ولقيت حاجة همست في ودني وقالت، نفذ وعدك وهتاخدها..
صرخت لما حسيت إن صاحب الصوت ورايا، وقررت أخد العضم وأطلع على بيت الشيخ، ماهي فلوس في النهاية وجواز ودنيا مش قادر أشوفها ولا أتمتع بيها، بس قبل ما أخرج من المقابر سمعت صوت بكاء وأنين، كان جاي من الكفن نفسه، من العضم، كأن الأموات بيبكوا.. سبت الكفن بسرعة وأنا مرعوب وقعدت بعيد عنه مش عارف أعمل أيه، صراع رهيب في راسي، صراع أتحسم لما بصيت للسماء وعرفت إن ربنا شايفني، وإن إللي بعمله ده مصيبة عظيمة، اتصلت بالمقاول وعرفت صدفة إنهم مقبرتين بتوع جمعية خيرية، عشان كدا الملعون كان عارف إنه لما ياخد العضم محدش هيسأل عنهم..
مساكين ماتوا ومكنش لهم مكان يتد.فنوا فيه، ودلوقتي بننتهك حتى عضمهم، رجعت بسرعة عشان أد.فنهم في نفس المقبرة وقبل ما أوصل شوفت كلب أسود ضخم واقف بيزوم عليا، كأنه بيقولي أمشي بالعضم، وبدأت استعيذ بالله مرة واتنين لحد ما مشي، ود.فنت العضم وقفلت الباب وجريت.. كلمت المقاول عشان يجي يسلمهم وأتبرأ من المصيبة دي، والحمد لله قدرت أعملها، عشان بعد أسبوع تحصل معجزة وأشوف حلم إن فيه حاجة مدفونة جمب مقبرة وحاجة بتطلب مني أطلعها، ولما روحت لقيته سحر لأمي بالمرض، عشان كدا مكنتش بتتعالج..
وبعد شهور لما حكيت مع حد فاهم قالي إني كنت هودي نفسي في داهية مع ساحر ملعون، وكنت هعمل ذنب عظيم قادر يجبلي الهلاك في حياتي كلها، قالي الساحر مكنش هيديني ولا دهب ولا هيجوزني بنته كلهم كذابين، لأنه لو معاه كان سكن في بيت نضيف شوية، هو كل إللي بيملكه سحر وجن بيساعدوه لأذية الناس، والعضم ده كان هيتعمل عليه كمية أسحار تأذي عدد كبير من الناس، وكنت هتلعن في الدنيا بلعنة الأموات، إنما لما اتقيت الله ربنا دلني على سبب شفاء أمي، الشغل مشي معايا بطريقة غريبة أوي وحاليًا خطبت بنت محترمة ومتدينة مش بنت ساحر..
كل إللي فهمته من التجربة دي إن لما تجيلك فرصة حرام هتغنيك بمال أو حاجة تتمناها أهرب منها فورًا، لأنها بتكون مُزيفة، لعنة، وبلاء عظيم من ربنا، أصبر وقاوم وهتشوف بعنيك لما تستغني بالله هيرزقك ازاي، أبعد عن المال الحرام زي الرشوة وأبعد عن أي فعل حرام عشان أي إغراء يتقدملك، لأنك بتكون وقتها على مُفترق طرق بين الجنة والنار وأنت واختيارك.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




