روايات

غزل البنات للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أبويا كان من الناس اللي بتلف في الشوارع وتبيع (غزل البنات) للأطفال في القُرى والأرياف، أمي تجهزله غزل البنات قبل الفجر، ويصلي الفجر وييجي يجهز ٣٠٠ كيس وبعدين يتوكل على الله ويخرج، كان بيلف طول النهار يرجع بالليل جايب الأكل والفلوس الباقية عشان مصاريف البيت..

كنت بقعد طول النهار على الباب مستنياه لحد آخر اليوم، ولما كنت بسمع صوت (الزمارة) بتاعته كنت بخرج أجري من البيت وأفضل أنط من الفرحة، وهو كان بيتعمد إنه يعمل صوت بالزمارة عشان أخرج استقبله، وألاقيه شايل كيسين غزل بنات مخصوص ليا وكان بيخليني أكلهم قبل ما ندخل عشان أمي كانت بتزعقلي لما بتشوفني باكل منه كتير..

كنت عايشة أميرة مدللة ومكنتش بنام غير في حضنه، حتى لما كبرت شوية بقيت ببكي عشان ياخدني معاه، وبقيت بطلع معاه يوميًا، ألف معاه في الشوارع وأشوف الأطفال وهما بيجروا وراه ويفضلوا ينادوا عليه، كان محبوب بصورة غير طبيعية، واكتشفت إنه بيدي للبنات اللي أهاليهم مش معاهم ببلاش ويفرحهم، كان وجوده عامل زي البهجة في المكان..

ومع تقدمه في العمر بقا بيتعب من اللف، وبقيت باخد أنا الغزل واتحرك بيه وهو يقعد يريح على القهوة لحد ما أرجعله بعد ساعتين أكون لفيت المنطقة كلها، ورغم اعتراضه في البداية على الموضوع إلا إنه وافق لما لقاني زي الرجالة ويعتمد عليا رغم إني بنت..

ورغم كدا كان بيدلعني، ويديني من الحلاوة، ويفطرني ويجبلي نسكافيه كل يوم، لحد ما تعب بسبب السِن وبقا مبيقدرش يخرج من البيت، ولما عرف إني بخرج كل يوم بداله تعب أكتر من الزعل لأنه كان شايف إن البنات مينفعش يتبهدلوا في الشوارع، لكن الظروف كانت بتقول إني لازم أخرج كل يوم، لأن أخويا لسة صغير، وأبويا مريض، وأمي مينفعش تخرج من البيت..

يمكن من جوايا كنت بتمنى تكون ليا أخت أصغر مني نخرج مع بعض للشغل وأدلعها زي ما كان أبويا بيدلعني، لكن قدر ربنا وأنا راضية بيه، لحد ما التعب زاد على والدي واتـ,ـوفى، وكان أكتر يوم صعب عدى عليا في حياتي كلها، لدرجة إني مكنتش قادرة أتكلم وحسيت إني فقدت النُطق للأبد، وكانت جنازته كبيرة أوي، الراجل الغلبان بتاع غزل البنات جاله وفد من كبار البلد ومشايخ كبار غسلوه ودفنوه..

البلد كلها طلعت وراه حتى الأطفال الصغيرين، أعمال الخير اللي كان بيعملها، الفرحة اللي كان بيدخلها على العيال والحاجات اللي كان بيقدمها للأطفال الأيتام، كل الخير ده كان واضح في جنازته الله يرحمه.. وبعد مـ,ـوته عملت غزل بنات كتير ووزعت على كل أطفال الشارع وطلبت منهم يدعوا لوالدي كتير أوي، وبقوا يجروا ويضحكوا ويقولوا يارب ارحم (عم محسن) بتاع غزل البنات..

ومع الأيام كان لازم أرجع أخرج مرة تانية، ولازم أشتغل بصورة مضاعفة عشان مصاريف البيت وأمي اللي كانت بتاخد علاج من بعد مـ,ـوت أبويا، وتوكلت على الله وبقيت بعمل ٦٠٠ كيس في اليوم، وكنت بعدي يوميًا على ٣ بلدان كاملين، ١٢ ساعة من المشي وأفضل ادعي ربنا يرزقني، وكنت في السر بعمل زي ما كان أبويا بيعمل..

عرفت الأطفال الأيتام، واللي أهلهم فقراء وكنت بديهم ببلاش، بل كنت بعملهم أكياس أكبر من اللي ببيعها عشان ربنا يتقبل مني، لحد ما عديت في مرة من منطقة مكنتش بعدي منها خالص، وأثناء مانا بنفخ في الزمارة عشان الناس تسمع الصوت وتعرف بحضوري لقيت بنت في البلكونة، بنت صغيرة متعلقة أوي وبتمد إيدها ناحيتي، وعنيها كلها رغبة في الكيس ده.. ابتسمت وكلمتها وقولتلها الكيس بكذا، قالتلي إنها لو طلبت الفلوس دي من أبوها هيمـ,ـوتها من الضـ,ـرب وإنها مش معاها، ولمحت دموع في عنيها خلتني جبت حجر صغير وربطت فيه كيس غزل بنات وحدفته جوه البلكونة وابتسمت وكملت..

ولقيت نفسي مضطرة أرجع تاني من نفس الطريق عشان ألمح نفس البنت، بس المرة دي كانت واقفة في الشارع ومعاها راجل شكله فظ، كان مسكها وبيضـ,ـربها ضرـ,ـب مميـ,ـت وعمال يشتمها، مكنتش عارفة هو بيضـ,ـربها ليه، وهي كانت منهارة من العياط، حاولت أتدخل شتمني وكان هيضـ,ـربني، مشيت من قدامه وأنا خايفة وفضلت أراقب البنت من بعيد لحد ما خدها ودخل البيت..

حزنت من قلبي عليها، وحزنت لأن أبوها مش حنين زي أبويا، وفضلت طول الليل مقهورة ومش عارفة أنام، وتاني يوم تعمدت أمشي من نفس المنطقة، وعملت كيس كبير عشانها، وفرحت لما لقتها في البلكونة واقفة نفس وقفتها، وكان واضح على ملامحها آثار الضـ,ـرب والحزن، حدفتلها الكيس وفرحت أوي.. سألتها عن اسمها وقالتلي إن اسمها (غدير) اسمها كان جميل أوي، سألتها عن سبب ضـ,ـرب أبوها قالتلي إنها صرفت نص جنيه وكان بيضـ,ـربها عشان كدا، قولتلها متصرفش فلوس تاني وأنا كل يوم هعدي واديها غزل بنات ببلاش عشان محدش يضـ,ـربها..

ولقتها بتنط من الفرحة، وكملت يومي، وبقت العادة كل يوم أعدي من نفس المكان عشانها مخصوص رغم إنها منطقة مش ببيع فيها، وكنت بديها الكيس ونتكلم دقيقة وبعدين أمشي، كنت حاسة إنها أختي اللي تمنيت كتير إنها تكون موجودة، وبقينا يوميًا على الحال ده، أحكيلها وتحكيلي، ونضحك، ألاقيها في مرة مجهزالي ازازة مية ساقعة وكنت بشرب واحدفها تاني عشانها.. وأوقات تبقا مجهزة حجارة عشان أربط فيها كيس غزل البنات، لحد ما في مرة وأنا بديها غزل البنات أبوها طلع، وشافني بحدف حجارة على البيت، شتـ,ـمني، وجري ورايا، وهددني لو جيت تاني هيكسر عضمي..

هربت من المكان وأنا خايفة أوي، ومع ذلك كنت بعدي برضه عشان أشوفها، لكن من يومها البنت اختفت، عديت كتير وكل مرة كان بيبقا عندي أمل أشوفها لكن دايمًا مبتكونش موجودة للأسف.. وفضلت أسبوع كامل على الحال ده، لحد ما يئست وبقيت حزينة وفكرتني بأيام فقداني لوالدي الله يرحمه، لحد ما خرجت في يوم متأخر أوي لأني كنت مريضة، أمي حاولت تمنعني لكني أصريت على الخروج، كنا محتاجين حاجات كتير في الأيام دي..

ورغم إني اتأخرت أوي لكن لفيت اللفة كاملة، وقررت أعدي للمرة الأخيرة من تحت بيت غدير، لكن برضه مش موجودة، ومشيت لحد ما خرجت من الشارع لمكان مهجور شوية، كان شكله مُخيف وغريب بالليل عكس بالنهار، وقبل ما أتحرك وقف قدامي توكتوك فيه شاب وراجل، واتفاجئت إنه والد غدير، ابتسم زي الشيطان وقال: ـ أنتي بقا البت الحنينة بتاعة الغزل..

ولقيته طلع عصاية من التوكتوك وأجبرني أركب معاه، اترجيته يسبني لكنه رفض تمامًا، ولقيتهم خدوني بعيد وسط الزراعة، لأماكن مُخيفة معرفهاش، وعرفت إنه ناوي على نية سيئة، وفعلًا وصلنا بعد ما كان دمي نشف من الخوف، نزلوني من التوكتوك وقال إننا ممكن نعمل ده بسهولة أو يكون بالإجبار والمـ,ـوت، وعرفت إنه ناوي يعتدي عليا، وأنا ماليش أي قوة قدامهم.. بكيت من الرعب لكنه مرحمنيش، وقبل ما يلمسني، لقيت حجارة بتتحدف علينا، بصيت على ضوء القمر لقيت أكياس غزل بنات، ولكنها مكنتش خفيفة، كانت وكأنها تقيلة وجواها حجارة، بصينا حولينا وفضلت الأكياس تتحدف لحد ما ظهرت غدير..

أبوها أول ما شافها جري زي المجنون والشاب خد التوكتوك وهرب لما شاف الراجل بيجري، ولقتها جاية مبتسمة، استغربت أوي وسألتها هي جت ازاي، قالتلي إنها عارفة إن ده هيحصل وجت تنقذني.. استغربت أكتر إن أبوها خاف منها، ولما سألتها قالتلي إنه مش أبوها ده جوز أمها، ومن فرحتي بيها طلعت كيس غزل بنات كان في الشنطة الصغيرة وادتهولها، لكنها ابتسمت وقالت: ـ مابقتش بعرف آكل دلوقتي.. وكملت كلامها وقالت: ـ لأن جوز أمي مـ,ـوتني من الضـ,ـرب من أسبوع..

قالتها وضحكت وطلعت تجري واختفت من قدامي، قمت من مكاني مرعوبة وجريت، جريت من المكان كله، وتاني يوم روحت لواحد جارنا وقولتله إني شوفت راجل بيمـ,ـوت بنت صغيرة ومحتاجاه يقف معايا عشان أبلغ في نقطة الشرطة، وفعلًا روحنا ووصفت البيت وقولت إني شوفت فعلًا وهو بيضـ,ـربها لحد ما مـ,ـاتت، وبعد يومين كان الراجل اتقبض عليه وطلع فعلًا مـ,ـوتها وهو بيضـ,ـربها من قسوته عليها..

حزنت عليها زي ما حزنت على أبويا بالظبط، ودعتلها كتير أوي، وتأكدت من كلام أبويا، إن أبسط أعمال الخير بتقعد لصاحبها، وإن ربنا بيجازيه خير أكبر من اللي عمله، عشان كدا متحتـ,ـقرش أي خير هتعمله ولو كان كيس غزل بنات هتديه لطفل صغير، وحاول تسيب ذكرة حلوة في أطفالك عشان يدعولك بعد ما تمـ,ـوت حتى لو مكنوش من صلبك.. وكلها أيام وعرفنا إن أهل الخير جمعوا تمن توكتوك لبيتنا، وأخويا الصغير اتعلم عليه في ٦ شهور وبقا بيخرج يوميًا ومنعني من الشغل تمامًا، وبقا بيكسب والفلوس بقت كتير معانا، كتير أوي ولله الحمد..

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى