
هيهدوا البيت على دماغي ودماغ عيالي الصغيرين.. الجملة دي قالتها أمي وهي منهارة من البكاء وأحنا واقفين قدام عضو مجلس الشعب عند بيته، الراجل كان واقف حاطط إيده في وسطه بكل برود وباصص لأمي بكل قرف، وبعد بكاء أمي اللي تقريبًا مهزش شعرة منه قال: – وأنا مالي يا ست أنتي الباشا جايب ورق للمحكمة بيثبت إن الأرض بتاعته.. – يا بيه البيت ده عايشة فيه مع جوزي الله يرحمه من تلاتين سنة، وأبوه كان عايش فيه من قبل كدا..
– والله المحكمة حكمت وأنا مقدرش أعمل حاجة.. – امال أحنا انتخبناك ليه، مش عشان تجيب حقوقنا، أنت عارف إنه ورق مزور.. – طيب أمشي من هنا بدل ما أحسرك على عيالك.. – منك لله، شايفك وشايف عمايلك ومش هيرحمك، حسبي الله ونعم الوكيل فيك.. خدتني أمي وهي عمالة تنوح وتكلم نفسها، “هعمل أيه يارب، هروح منين وأجي منين، هناكل أنا والتلت عيال منين، حلها من عندك يارب”.. رجعنا البيت وأمي موقفتش بكاء، خدتني أنا وأخواتي الاتنين في حضنها ونمنا، نمت بس كنت عارف إن أمي منمتش، وصحيت على صراخ، صراخ مسمعتش زيه قبل كدا..
كان اللودر جاي يساوي البيت بالأرض، أمي عمالة تولول قدام البيت وتقول عيالي جوة يا ظلمة، هروح فين يا ظلمة، طلعنا أنا ومحمد وياسين نجري على برة، وضـ,ـرب اللودر البيت قدام عنينا، ذكرياتنا وحياتنا وعمرنا اتساوى بالأرض في دقايق معدودة، وعلى مرآى ومسمع من أهل البلد كلهم.. ومحدش اتحرك، أمي تصرخ وتبكي والناس بتتفرج، بتتفرج وبس، وكان واقف هناك، عضو مجلس الشعب والباشا، الباشا اللي كان ظابط كبير ومعروف في الشر طة، كنت لسة طفل عنده سبع سنين، ومع ذلك شاف قسوة البشر وجشعهم في أبشـ,ـع صورة..
كنت بفوق على صوت أمي بتقول: “طيب ابني لنا عشة يا باشا نعيش فيها”.. ومع ذلك مفيش حد بيتحرك، مشهد مخيف حضرته بكل تفاصيله، عشان في النهاية نطـ,ـرد من المكان كله، ومديت إيدي وسط الحطام وخدت اللعبة الخشب بتاعتي، وشافني البيه والباشا شافوني وأنا باخد اللـ,ـعبة من وسط الحطام، عنيهم وقعت على عنيا، عنيا اللي كانت بتطلع شرار، شرار عايز يحرقهم الاتنين مع بعض..
وروحنا عند خالتي، ومن أول يوم ظهر جوز خالتي على حقيقته، شتـ,ـيمة وضـ,ـرب وشبه شغلني أنا وأخواتي الاتنين خدامين عنده، واللي يغلط كان بياخد العلقة التمام، وكله قدام أمي اللي كانت مقهورة على عيالها، عيالها اللي كانوا بيتهانوا قدامها يوميًا، ومستحملتش الست الطيبة، مستحملتش وجالها القلب.. أسبوع واحد وخرجت خالتي تصرخ وتقولي أمك ماتت يا حسين، أمك مـ,ـاتت، مـ,ـاتت الست الطيبة وكل ذنبها إنها كانت تفضل في بيتها وتفضل تحمر بطاطس وطعمية قدام البيت وتبيع عشان تأكل عيالها التلاتة..
يومها بالليل كنت بحـ,ـضن أخواتي، سيبتهم لخالتي وقولتلهم أنا هرجع تاني، بس لسة مش عارف امتا، أخواتي الصغيرين اللي كنت سايبهم وأنا قلبي بيتقطع، بس كنت عارف إني لو فضلت مش هنستفيد حاجة، لازم أمشي وأرجع من تاني.. يومها وأنا على محطة البلد واقف تايه لقيت راجل من البلد بينادي عليا، لقيته بيطبطب عليا وبيديني عشرين جنيه، وسمعته بيقول لواحد جمبه، منه لله أسعد بيه هد البيت بتاعهم عشان الآثار، وزور الورق هو وكمال باشا عشان ياخدوا البيت ويحفروا، بس محدش من البلد هيقدر يعملهم حاجة، منهم لله..
كل كلمة اتحفرت في دماغي يومها، كل حرف، وعرفت الحقيقة، وافتكرت لما جه راجل لأبويا قبل ما يمـ,ـوت من فترة وقاله هنحفر تحت بيتك وأبويا رفض، فهمت كل حاجة بدري اوي، ودفعت العشرين جنيه مواصلات وروحت على القاهرة، وبالأخص مصر القديمة، وهناك شوفته، راجل ضخم الجسم الكل بيعمله ألف حساب، معلم كبير وقعدته قدام قهوته كانت بتفرض نفسها على الغريب قبل القريب.. قربت منه باحترام وقولتله: – أنا عايز اشتغل عندك يا معلم.. بصلي شوية وخد نفس طويل من الشيشة بتاعته وبعدها رد وقالي:
– اسمك أيه ياض.. – حسين يا معلم.. – أنت كلت يا حسين؟ هزيت راسي بخجل وأدب، لقيته بيطلع فلوس وقالي: – خود دول روح هاتلك سندويتشين من المطعم ده وتعالى تاني.. اتكسفت اخد منه عشان يزعق ويبصلي بغضب ويقول: – لازم تتعلم إن مفيش حد هنا يقدر يقولي لا.. بعدها ابتسم، بس خبى ابتسامته بسرعة وضـ,ـربني بهزار على كتفي وقالي: – يالا انجز..
ومن يومها، اشتغلت في القهوة، جابلي المعلم بطانية وبقيت بنام في القهوة بالليل واشتغل فيها الصبح، اتعلمت أجهز الشيشة وأعمل القهوة وكل المشاريب، كنت بجيب فطار المعلم وأحضرله الشيشة كل يوم بكل حب وتقدير، كان راجل تشوفه تخافه، كان بيظهر القسوة لكل الناس، بس معايا كان حنين جدًا.. في العيد يجبلي طقم العيد، المولد يجبلي الحلاوة، كل شهر يديني فلوس، كان بيعاملني زي ابنه غير الكل، حتى إنه كان بياخدني معاه البيت كل جمعة اتغدى معاه ونخرج نتمشى شوية..
كان أبويا اللي احتواني من قسوة الدنيا، حتى لما حكيت له حكايتي بصلي يومها بصة قوة، بصلي في عنيا وقالي إياك تسيب حقك، أجمد كدا والدنيا هتدور وفرصتك هتجيلك، بس أوعاك تفرط في حقك، واتحفرت كلماته في صخر مخي، وفضلت معاه سنة ورا سنة، لحد ما بقى عندي عشرين سنة، حتى بقا اسمي حسين ابن المعلم، كنت ابنه فعلًا..
وعرفت وقتها إن فيه شيخ بيفتح مقابر وقريب من المعلم، وطلبت من الشيخ يشغلني معاه ووافق، كنت عارف إن ده الطريق اللي هيجبلي حقي، ازاي، لسة مش عارف، بس هيحصل، يومها شوفت دموع المعلم لأول مرة عشان هنفترق، يومها خدني في حضنه وقالي: – مش هقدر أمنعك تجيب حقك بس متنسنيش يا حسين.. بوست على راسه وايده وقولتله: – جميلك هفضل شايله ليوم الدين
مشيت، مشيت عشان أبدأ رحلة مخيفة، رحلة صـ,ـراع مع رصد المقـ,ـابر، كنت بحاول اتعلم كل حاجة في أسرع وقت، حتى إني اتعلمت القراية والكتابة، قرأت كل كتب الشيخ وعرفت كل حاجة عن رصد المقابر، عرفت أمتا تحاربهم وأمتا تطيعهم، أمتا تهـ,ـرب وأمتا تواجه، ازاي تفاوضه وازاي تضغط عليه، سافرت المنيا وسوهاج وحاولت مرة واتنين مع الشيخ، تلت سنين وأنا غرقان في المجال ده، حفر وبوابات ومقابر، لحد ما ضـ,ـربت معانا في الأقصر، فتحنا مقبرة وخرجتلنا دهب كتير أوي..
وفي يوم وليلة بقا معايا مليون جنيه، نصيبي من المـ,ـقبرة، والأكبر من ده إني بقيت وكيل للشيخ، بروح أكشف وساعات اخد حفارين وأحفر، ما أنا فهمت الشغلانة كلها تقريبًا، بس أنا اتميزت شوية على الشيخ، وده لأني كانت عندي روحانية فريدة، اكتشفتها على كبر، كانت شخصيتي قوية على الرصد، غير إني جبت كتب أشد خطورة من كتب الشيخ، واتعلمت منها، ولما كبر الشيخ بقيت أنا الكل في الكل..
أنا الشيخ حسين، الشيخ اللي اتشهر في صعيد مصر كله، وكل سنة كنت تقريبًا بفتح مقبرة، ورصيدي بيعلى، اشتريت شقة في المعادي وبقا ليا رصيد كبير في البنك، حتى إني في مقبرة من المقابر عرفت من الرصد إني اتشهرت في عالم الجن كمان، وده لأني كنت صارم، مبفتحش بأي طرق محرمة، وفي نفس الوقت فهمت طريقة تفكير الجـ,ـن، بقيت بتفاوض بطريقة البديل، هعرض على الرصد بدايل كلها حلال، ولو رفض نحـ,ـارب بكل قوة..
وبأمر الله موقفتش قدامي ولا مقبرة، ووصلت لعمر تلاتين سنة، أعتقد جه الوقت، بعت شخص يعرفلي الأخبار في بلدنا، عرفت إن أسعد مبقاش عضو في مجلس الشعب، حتى كمال طلع من الداخلية بفضـ,ـيحة واتفصل، والأدهى إنهم معرفوش يفتحوا المقبرة اللي تحت بيتنا المهدود، ومن يومها الأرض خراب..
وبعت العقرب لأسعد، العقرب ده كان المساعد بتاعي، عنده لسان ياكل بيه أي حد، دبلوماسي لأبعد مدى، وراح قابل أسعد، وقاله إن الأرض اللي هناك دي تحتها مقـ,ـبرة، ولما أسعد قاله إنهم حفروا وموصلوش لحاجة قاله إن الشيخ حسين يقدر يفتحها في أسبوعين، المقبرة فيها كنوز تقدر بمليارات، وأسعد مكنش اتغير، طلع يجري على كمال صاحب الأرض بالزور..
ووافقوا الاتنين على الحفر، وبعت الحفارين يحفروا بعد ما أسعد كان بنى سور جديد حولين الأرض، وحفر الحفارين حفرة عمقها تسعة متر، وخليت العقرب يكلم أسعد وكمال يقولهم إن البوابة هتتفتح والشيخ جاي خلاص، وقابلتهم، كانوا قربوا من المـ,ـوت جدًا، عدوا السبعين تقريبًا، بس ده ميخلنيش أرحمهم، خلتهم ينزلوا عشان يشوفوا الدهب، وكنت بالفعل فتحت المقبرة، الرصد كان قوي معاهم، بس معايا الرصد وافق يمشي، واتفتحت المقـ,ـبرة، ونزلتهم فيها يشوفوا الدهب، ووقفت أنا والحفارين فوق الحفرة، أغبياء لأبعد مدى..
لحظتها وقفت نفس وقفة أسعد زمان قدام أمي، حطيت إيدي على وسطي وكلمتهم بكل تعالي، وريتهم اللعبة الخشب وابتسمت، افتكروني، مهو الظالم مستحيل ينسى، وشوفت نظرة رعب، كنت منور الحفرة كلها باللمض عشان أشوفهم كويس من الإرتفاع ده، طلبوا الرحمة وقتها وخلتهم يتوسلوا بكل التوسلات اللي في الدنيا، وابتسمت، ابتسمت وطلبت من الحفارين يردموا الحفرة، وبالفعل ردمنا عليهم، بكوا وصرخوا وطلبوا يبـ,ـوسوا إيدي حتى، بل وخدت توقيع تنازل من كمال عن الأرض على أساس إني هخرجه، بس برضه مخرجتوش، دفـ,ـنتهم أحياء..
ودفعت خمسة مليون لمسؤول كبير عشان تتسجل قضية اختفائهم ضد مجهول، مهو اتنين فـ,ـاسدين ويستحقوا، وبعد شهرين مـ,ـاتت القضية، وطلعت ببيت ضخم كلفته اتنين مليون جنيه على نفس الأرض، رجعت أخواتي الاتنين وقعدنا في البيت قدام أهل البلد كلها، خدت حقي وحق أمي الله يرحمها، وجتلي مكالمة غريبة من شخص في مصر القديمة، مكالمة بتقول تعالى رد الجميل.. روحت للمعلم، لقيته قاعد مهموم قدام قهوته، نظرة القوة اتحولت لنظرة انكسار كبيرة جدًا، كنت لابس نضارة ومتخفي في بدلة أنيقة، وقفت قدامه مبتسم، قالي:
– أؤمر يا أستاذ. – أنا عايز اشتغل عندك.. – أنت جاي تهزر يا أستاذ؟! – مالك يا معلم فيه أيه؟! – الضرايب يابني حجزت على البيت والقهوة وكل حاجة.. – طيب ما تحجز.. – ازاي بقا.. – أمسك كدا.. وناولته ورقة، ولما قرأها روحه ردت فيه من تاني، ورقة إعفاء من الضرايب بعد ما اتسددت، وشيلت النضارة وحضنته بكل قوتي، يومها بكى، بكى بكل ما يملك من انفعالات، سيبته يبكي عملتله الشاي بتاعه ورجعت وأنا بقوله
_ شايك يا معلمي.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




