روايات

كراسة رسم للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

فيه طالبة عندي في الفصل أفعالها غريبة بكل المقاييس، لدرجة إني بدأت أشك إن وجودها مجرد أوهام في عقلي وإنها مش حقيقية ومالهاش وجود في الواقع، البنت دايمًا ساكتة، تقريبًا بقالها شهر محدش سمع صوتها ولا عارفه، دايمًا باصة للفراغ ومنكمشة على نفسها عكس البنات زميلاتها، البنات اللي طول الوقت بيضحكوا ويهزروا مع بعض ومنطلقين في الحياة بحُكم السِن وإنهم في ثانوي..

ولأن ربنا قدر إني مخلفش فكنت بعتبر البنات زي بناتي، بعاملهم بأمومة قبل ما اتعامل كمُدرسة علوم، وهما كمان اتعلقوا بيا لأني كنت باجي من المدينة وهما من الأرياف، فكنت المراية اللي بيشوفوا فيها حياة المدينة عاملة ازاي، ورغم إن المواصلات كانت متعبة جدًا، يوميًا ٣ مواصلات وبمشي مسافة عشان أوصل للمدرسة إلا إني حبيت المكان وحبيت الطالبات وبقيت بزرع فيهم حاجات كتير أوي..

لكن مع الوقت بقيت سرحانة ودايمًا بفكر في البنت دي، شاغلة بالي وعمالة برسم ألف سيناريو وسيناريو للي ممكن تكون بتمر بيه، حاولت أتكلم معاها، حاولت أكلم زميلتي في الشؤون وحتى مدير المدرسة، وكلهم اتفقوا إنهم حاولوا معاها وإنها مريضة ومش هتتغير وبنحاول نحسن سلوكها مع الوقت.. لكني خدت عهد على نفسي إني أساعدها بكل الطُرق، وفعلًا مع الوقت بدأت أعمل (كب كيك) في البيت وأوزع منه على الطالبات، وكنت بعمل واحدة مخصوص ومختلفة لهالة، وكنت بصر عليها إنها تاخدها، ولما كانت بترفض كنت برجعلها الفصل في الفُسحة وأخدها على معمل العلوم وأخليها تاكلها..

ومع الوقت ربنا وفقني وقدرت فعلًا أغير من سلوك البنت وبقت بتستجيب ليا أنا بس، يعني صوتها خرج وبقت بتتكلم، بقت بتاكل وتشرب معايا أنا بس، ومكنتش بتكتب وتركز مع الحصة غير في حصة العلوم، وكل ده مغيرش مني بالعكس ده خلاني عندي إصرار أكمل مع البنت أكتر وأشغل بالي بيها أكتر وأكتر.. لحد ما زاد تركيزها في حصتي وبقت شاطرة جدًا، شاطرة بصورة مُبالغ فيها، وكانت بتعرف ترسم رسومات الكتاب بدقة مدهشة ومن أول مرة، لدرجة إني جالي فضولي في مرة أشوف رسوماتها وخدت كشكول الرسم بتاعها واللي كنا بنرسم فيه رسومات زي الجهاز الهضمي، نباتات معينة، وهكذا، وفتحته..

واتفاجئت برسومات مقدرتش أفهمها من النظرة الأولى، رسومات دقيقة وواضحة جدًا وكلها بالقلم الجاف، لكن كلها رسومات مُرعبة، رسمة بنت متعلقة بحبل في السقف وواضح إنها ميتة، رسمة بنت تانية بتصرخ وفيه سـ,ـكينة مغروزة في رقبتها، رسمة بنت تالتة مضروبة بطلقة في راسها والدم سايل منها.. رسومات بشعة وصعب جدًا حد يتخيل إن ممكن بنت بالبراءة دي ترسمها، والغريب إن الصور كانت مألوفة ليا بصورة عجيبة، حاولت أتعامل مع الموقف وأسايس البنت لحد ما تحكيلي عن سبب رسوماتها دي..

وكملت جلساتي معاها في المعمل أنا وهي وبس، لحد ما في مرة طلبت إنها تساعدني في نقل أدوات معينة في المعمل، وكانت فيها بودرة كتير بهدلتنا عشان نعرف ننقلها، واضطرينا نغسل وشنا أنا وهي، وبدأت ألاحظ حاجة غريبة عليها وهي بتغسل وشها، البنت كانت فيه بُقع بيضا في وشها، وكانت تقريبا بتخفيها بمكياج معين عشان تخفي البُقع دي.. حاولت أتجاهل الموضوع عشان متتحرجش مني وخلصنا أنا وهي ورجعت فصلها، ولما روحت الفصل بعد حصتين لقيت البقع اختفت، وكأنها حطت ماكياج بعدها على طول عشان محدش يلاحظ حاجة..

حاولت كتير أركز في الحصة مع البنات لكن الموضوع كان صعب أوي، لحد ما بدأت أفتكر حاجة مرعـ,ـبة، كل الرسومات اللي شوفتها كانت تشبه بنات معايا هنا في الفصل، يعني البنت المشنوقة كانت تشبه (علياء) والبنت المضروبة بالنـ,ـار كانت نسخة من (سمية) البنت دي بترسم زمايلها وبتتمنى إنهم يمـ,ـوتوا، دي ظاهرة مرعبة وممكن تتسبب في كـ,ـارثة.. لحد ما تاني يوم كنت في المعمل وبحاول أفتح موضوع معاها، لقتها بدون مقدمات قالت: ـ أنا عارفة إنك شوفتي الكراسة..

تمالكت نفسي وسألتها إن كانت شافتني، ردت عليا رد أغرب وقالت: ـ لا سوزان اللي قالتلي.. البنت كانت بتتكلم بأسلوب غريب ومُخيف، حاولت اسألها عن سوزان لكنها رفضت تتكلم وسابتني ومشيت.. الموقف كان غريب وفي نفس الوقت مُخيف، لدرجة إني فكرت مكلمش البنت دي تاني أحسن ما اتأذي بسببها، شوية ولقتها رجعت تاني ولقتها أدتني كراسة ومشيت على طول، بصيت في الكراسة لقيت مكتوب عليها (سوزان طاهر حسن)..

فتحت الكراسة وكانت عبارة عن مذكرات لبنت اسمها سوزان، بدأت أقرأ وأقرأ لحد ما فهمت المكتوب، واللي كانت مأساة بكل المقاييس، بنت عندها بهاق، بتتعرض لتنـ ـمر غير طبيعي واستهزاء من زميلاتها، وازاي إنها بشعة وشكلها يخلي كله ينفر منها، بتحكي في المذكرات إنها بتتألم كل يوم ونفسها تسيب التعليم وتعتزل في البيت لكن أبوها رافض، وإنها بقت كارهة نفسها وبتدعي ربنا تمـ,ـوت في أسرع وقت لأنها مش عارفة هتقدر تكمل حياتها مرة تانية ازاي..

حزنت أوي من جوايا وبدأت أربط بين سوزان اللي عندها بهاق، وبين هالة اللي برضه عندها بهاق وبتخبيه بالمكياج، الموضوع غريب ولكن فيه حلقة وصل، روحت للمشرفة عشان أشوف البنت سوزان دي في سنة كام لأني معرفهاش أو فصلها فين، ولما سألت عرفت إنها ماتت من ٣ سنين في المدرسة دي، وقعت من الدور التالت وجسمها كله اتكسر والكل قال انتــ,ــحرت.. اتقهرت أكتر وأكتر وروحت على هالة أتكلم معاها، الغريب إنها أول ما دخلت عليها قالت:

ـ هي منتــ,ـحرتش زي ما كله بيقول، هي كانت بتعيط لوحدها بسببهم ووقعت بدون ما تقصد، متصدقيش اللي بيقول عنها كدا.. قربت منها وقولتلها إني مصدقاها، وإني محتاجة أعرف منها أكتر عن سوزان، قالتلي إن سوزان بتزورها كل يوم، وإنها صاحبتها الوحيدة، وهي اللي اقترحت عليها تخبي البهاق بالمكياج لأنها كانت بتتعرض للتنمر زيها بالظبط، وإنها مكتفية بسوزان ومبتتكلمش مع أي حد تاني..

حزنت من جوايا أوي، حزنت وكان نفسي أصرخ بصوت عالي، أصرخ على بنت فقدت حياتها بسبب تربية غلط، تربية بتسمح للأطفال من صغرهم يسخروا من بعض بسبب اختلاف في الشكل أو الصفات، ميعرفوش إن ده خلق الله اللي خلقنا في أحسن صورة، وإن له حكمة إننا نكون مختلفين زي ما جعل لكل واحد فينا بلاء واختبار مختلف عن التاني..

ولقيت نفسي في اجتماع مع المدير وزميلتي في الشؤون وكلمتهم عن الموضوع كله، وقررنا نعمل حصة أسبوعية نكلم البنات عن تقبل الآخر سواء كان مختلف أو أقل مننا في صفة ما، وإننا نتعامل مع بعض برحمة وأخوة مش بتكبر واستعـ,ـلاء، والغريب إن البنات استجابوا أوي للحصة دي واتغيرت أفكار كتير جواهم لدرجة إن هالة نفسها مبقتش بتحط مكياج بعد كام شهر وتقبلت الموضوع، حتى إنها قالت إن سوزان اختفت ومبقتش بتزورها عشان كدا بقت عايزة تعمل صاحبة جديدة..

وقدمت طلب لعل وعسى يتوافق عليه ونعلم أطفالنا الرحمة، نعلمهم يتقبلوا بعض ومحدش يسـ,ـخر من التاني أبدًا لأن دي بداية كل الأمراض في مجتمعاتنا اللي للأسف معندهاش ثقافة تقبل الآخر، رغم إن ربنا سبحانه وتعالى في أعظم كتاب قال [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ] سورة الحجرات بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى