روايات

لعـ,ـنة وكيب للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

امشي من هنا يا بيكو.. قولت الجملة دي وأنا متعصبة جدًا بسبب تصنت بيكو عليا وأنا بتكلم في التليفون، الحقيقة هو مش فاهم يعني أيه تصنت، لأنه من الأبرياء اللي عندهم متلازمة داون، كان بيبصلي بغضب طفولي وعمال يردد: ـ عيب يا فاطمة.. رديت عليه بغضب أكبر ـ امشي يالا بدل ما أضـ,ـربك.. مشي وهو مطأطأ راسه في الأرض ورجعت أنا لمكالمتي في التليفون.. ـ أيوة يا حبيبي احترم نفسك بقا عشان أخويا شكله سمعنا..

كملت مكالمتي اللي كانت نهايتها اتفاقنا على مقابلة في كافيه من الكافيهات.. متبصليش كدا، أنا عارفة إن اللي بعمله ده غلط كبير، بس أنا بنت ومحتاجة يكون ليا صديق، خاصة إني مضغوطة في امتحانات الكلية ومفيش أي متنفس، مددت على السرير وأنا واقعة في حالة من الشبق العجيب، عمالة اتخيل كل تفصيلة في مروان، مروان اللي بعد ليلة واحدة هقابله.. مروان اللي فضلت ألف عليه شهر كامل عشان بس ألفت نظره، وكان عندي استعداد كبير اتنازل، اتنازل عن أي حاجة عشان يرضى عني، حتى لو كان كلام مش محترم في التليفون، ونمت، نمت وأنا منتظرة شروق الشمس بفارغ الصبر..

صحيت الصبح وبصيت على الموبايل عشان ابص في الساعة ملقيتوش، دورت عليه واستغربت إنه مش موجود، خرجت للصالة ولسة مفعول النوم مرحش من عنيا، ببص لقيت بيكو مفكك الموبايل ميت حتة.. بصتله بذهول وأنا لسة مش مستوعبة اللي هو عمله عشان يشوفني ويقول ـ لش لش، يعني معلش.. اتحولت نظرتي لنظرة غضب شديد وأنا بردد ـ أيه اللي أنت عملتله في الموبايل ده؟! لقيته بيتكلم بصعوبة جدًا وبيقول ـ وكيب بيقول مش تروحي كافيه.. كانت في ايده شريحة الموبايل، مسكت نفسي بالعافية وقولتله وأنا بنفخ من الغضـ,ـب

ـ أنا مش فايقة للعته ده، هات شريحة الموبايل.. بصلي بهدوء وهز راسه يمين وشمال يعني لا، في الوقت ده كنت وصلت لمرحلة من الغـ,ـضب شديدة، مسكت عصاية المقشة ونزلت على جسمه بيها، وصرخ، صرخ من الوجع ووقع في نوبة الصراخ والبكاء بتاعته، بس أنا كنت غضبانة، غضبانة جدًا، ومقدرتش ارحمه، وضـ,ـربته أكتر وأكتر وهو عمال يقول ـ ااااه ااااه.. في الوقت ده خرجت أمي تجري من أوضتها ووقفت بيني وبينه وحـ,ـضنته جامد، كان بيتنفض في حضـ,ـنها وبيقول

ـ اطمة يضـ,ـربني.. بصتلي أمي الست الكبيرة بغضب وقالت ـ حسبي الله ونعم الوكيل فيكي.. بصتلها بتعالي وخطفت من إيده الشريحة وروحت ألبس عشان مروان، ما أنا مش هسمح لحد ينكد عليا في يوم زي ده، حطيت الشريحة في موبايل صغير كان معايا وخرجت، بيكو كان قاعد في الصالة وبصلي وأنا خارجة بصة غريبة، وكل اللي عمله إنه هز راسه يمين وشمال..

كبرت دماغي ونزلت، وقابلت مروان، وأول ما شوفته نسيت كل حاجة، بيكو وأمي وحتى اسمي، قعدنا على الكافيه كتير، كتير أوي، كان رومانسي لدرجة فوق الخيال، وأنا كنت شبه منهارة من كلامه، خلصنا واتمشينا شوية، وبعد شوية لقيته وقف قدام عمارة وقالي هطلع أجيب حاجة وهنزل بس.. استغربت وقولتله أنت ساكن هنا، ابتسم وقالي أيوة، وطلع، طلع وأنا فضلت مستنية تحت، مفيش تلت دقايق ولقيته بيتصل، استغربت شوية ورديت لقيته بيقول ـ أختي عاوزة تكلمك يا فاطمة..

اتحرجت جدًا وقبل ما اعترض سمعت صوت أخته بيقول ـ بطوط عاملة أيه؟؟ ـ الحمد لله – اطلعي عاوزة أشوفك.. – لا أصل أنا متأخرة معلش.. – والله لو ما طلعتي لهنزل اجيبك، عيب تبقي تحت البيت ومتطلعيش، يالا بقا عشان حتى تسلمي على ماما.. اترددت كتير بس في النهاية طلعت، طلعت عشان مروان يفتحلي باب الشقة، سمعت صوت أخته بتنادي ـ تعالي يا بطوط.. دخلت الشقة وبصيت، و.. لقيت واحد شاب قاعد وبس، بصتله بتعجب وقولتله

– امال فين أختك؟! سمعت الشاب بيتكلم بصوت بنت بالظبط، وبيقول – أنا أهو يا قطة.. بصتله بخوف وجيت أخرج لقيت مروان بيقفل الباب بالمفتاح، قرب مني بنظرة مخـ,ـيفة وهو بيقول ـ هي الحلوة خايفة ولا أيه؟؟ ضـ,ـربته في صدره بقوة وجريت ناحية الباب عشان يشدني من شعري بعنف وهو بيقول ـ كدا هزعل منك.. صرخت صرخة مكتومة وقولتله: – أنت عاوز مني أيه؟! – عايز منك حاجة بسيطة.. – هصوت وهفضـ,ـحك.. لقيته ضحك هو وصاحبه بهيستريا واتكلم صاحبه بس المرة دي بصوت خشن

ـ هتصوتي الناس هتتلم هنقول إنك جاية بمزاجك واختلفنا على الأجرة، فخليكي عاقلة أحسن تفضـ,ـحي أمك وأخوكي.. وافتكرت بيكو، بيكو اللي حذرني وخد الشريحة مني، ونزلت مني دموع الخوف والندم بوظت مكياجي كله، قولتله وأنا ببكي – سبني أروح والنبي.. بصلي بسخـ,ـرية وقال – أنتي هتعملي فيها شريفة، إذا كان امبارح كنا بنتكلم في كل حاجة، علي العموم مش هنقرب من عذريتك.. شدني من شعري رماني على الكنبة، وبدون أي رحمة اعتدى عليا هو وصاحبه، اعتدى عليا بكل السبل، ومقدرتش أنطق، كنت ببكي بس، ببكي وإحساس القهر والذل بينهش فيا وأنا أرخص من العاهرة اللي بترضي شهوة كلب زي ده..

ساعة من القهر والألم معرفش عدت ازاي، ورغم كل ده فهو مقربش من عذريتي، وفي النهاية رموني برة الشقة زي أي كلبة جايبينها من الشارع، نزلت ابكي بكل قهر ووجـ,ـع، كنت ماشية في الشارع حاسة إن جسمي متلوث، واجعني، دموعي بتسيل زي المطر، روحت البيت وفتحت الباب لقيت بيكو قاعد في الصالة نفس قعدته.. بصلي نفس بصة الصبح وسكت تمامًا، دخلت أوضتي وانهرت من البكاء، جسمي كان مليان خدوش وجـ,ـروح، كنت منهـ,ـكة، عاوزة أصرخ من القهر، قلعت هدومي وجبت هدوم نضيفة وروحت على الحمام..

بصلي بيكو وأنا خارجة من الأوضة وهز راسه يعني لا، هو يقصد إني مدخلش الحمام، مش عارفة، بس تقريبًا سمعته بيقول “وكيب غضـ,ـبان”، تجاهلته من الحزن اللي فيا وفتحت الدش ونزلت تحته، كنت عاوزة أغسل جسمي كله من القـ,ـرف اللي فيه، من مكان لمساتهم وأنفاسهم.. بس وأنا بستحمى سمعت صوت برة ستارة الدش، فتحت الستارة لقيت بيكو واقف ومديني ضهره، دخل أمتا ده، أنا غلطانة إني مقفلتش باب الحمام بالترباس، لفيت فوطة عليا وقربت منه وحطيت إيدي على كتفه وقولت “بيكو”، ولفلي، لف عشان أشوف وجه بيكو بس أسود، أسود متفحم وعينين مشتعلة بالنار، وسمعته بصوت عامل زي الفحيح بيقول

ـ وكيب.. وطفى نور الحمام، وشوفت عينين مشتعلة بالنار وبس، واتنفض جسمي كله وصرخت، صرخت بهيـ,ـستريا وجريت على الباب وحاولت أفتحه بس مكنش بيفتح، مكنتش بيفتح اطلاقًا، خبطت على الباب وفضلت أصرخ ـ يا ماما ـ يا ماماااااا ـ يا ماماااااا مكنش فيه غير صمت، صمت وبس، وعينين ملتهبة بالنار بتبصلي من قلب الظلام، بكيت، بكيت من الرعـ,ـب وفضلت أخبط بضهري على باب الحمام عشان حد يفتح، وسمعت الصوت من تاني، صوت الفحيح بيقول: ـ وكيب..

بدأ يقرب مني في الظلام وهو بيزوم زي الحيوان، وصرخت من تاني وأنا بحاول أبعد عنه، اتخبطت في البانيو ووقعت فيه، اتعدلت وفضلت اتنفض واتنفض، وهو فضل يزوم ويقرب، في الوقت ده انهرت، بكيت ودموعي نزلت زي السيل، جسمي كله بدأ يتهاوى في ظلام، أنا بقع في غيبوبة كبيرة.. فجأة لقيت حاجة بتمسك إيدي، صرخت، صرخت وبصيت عشان ألاقي النور جه وباب الحمام مفتوح وبيكو واقف قدامي ماسك فوطة بيحطها على جسمي اللي كان عاري، وبكل هدوء سمعته بيقول:

ـ لش لش أنا مشيته لش، “معلش معلش أنا مشيته معلش”.. في الوقت ده خرجت أجري من الحمام ودخلت أوضتي، لبست هدوم وأنا أعصابي منهارة وقعدت على السرير أبكي، وأبكي وأبكي، كنت في أمسِّ الحاجة لأي احتواء، لقيت بيكو دخل أوضتي وحضني في صمت تام، بكيت في حضنه كتير وفضلت أقوله ـ سامحني يا بيكو.. لقيته مسحلي دموعي وابتسم، ابتسامته خففت عني كتير أوي، كملت كلامي وقولتله – غدر بيا يا بيكو، أنا عايزة حقي يا بيكو ومليش حد..

في اللحظة دي لقيت بيكو بيبص ورايا نظرة مخـ,ـيفة، جسمي كله اترعش من بصته، بعدها بصلي وقالي: – روحي تاني.. كان بيتكلم بلسان قوي المرة دي.. وقولتله حاضر، ما أنا تجاهلت كلامه مرتين، مرة وأنا رايحة، ومرة وأنا داخلة الحمام، المرة دي هسمع الكلام واروح، بعد يومين اتصلت بمروان من رقم غريب عشان يرد، حسسته إني عايزة أروحله تاني وإني بس كنت خايفة مش أكتر، وإني عاوزاه المرة دي لوحده، ووافق، وافق عشان أنزل يومها وبيكو مبتسم، مبتسم جدًا..

روحتله الشقة وسلمت عليه، دخلت وأنا عمالة أبص يمين وشمال، دخل هو الأوضة يجيب حاجة وأنا قعدت في الصالة، مفيش دقيقة، سمعت صوت صراخه من جوة، جريت على الأوضة أبص عليه لقيته متكوم على الأرض ووكيب واقف فوق منه زي الدمية المخيفة.. المشهد كان مرعـ,ـب، خرجت من الشقة أجري ونزلت من العمارة عشان أبص ورايا ألاقي الناس بتصرخ، الشقة اشتعلت بالنـ,ـار، وكان صوت صراخ مروان مسمع الشارع كله تقريبًا..

اللي عرفته بعدها إنه اتصاب بحـ,ـروق كتير، وإن لسانه بقا تقيل من بعد الحادثة، وإني خدت حقي منه وبزيادة، بس العجيب إني بالصدفة على جروب رعب لقيت سؤال مكتوب، “يا جماعة هو اسم القرين بتاع الشخص بيبقا عكس حروف اسمه، وقتها ذهلت وافتكرت، بيكو، وكيب.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى