
بعد ما بخلص الكلية بتاعتي بروح من باب البر والإحسان لوالدي وأقعد معاه أيام كتير في الشغل بتاعه لأنه كِبر وبقا مش قادر يواصل خلاص، ومع ذلك كان رافض رفض قاطع يسيب الشغل رغم إني عرضت عليه اشتغل مكانه واستمر في الكلية بتاعتي، بس عارضني وبشدة وقالي إني ممكن أسهر معاه ويعملي مرتب بسيط وكمان أسليه في الوردية بتاعته..
أبويا كان شغال في حديقة عامة، حارس ليلي على البوابة الخلفية واللي تقريبًا شِبه مهجورة، يعني وردية مفيش فيها كائن حي غيري وغيره وبس، حتى المكان ده في الحديقة مكنش حد من الزوار بيقرب منه وكأنه مكان ملعون، وللأسف الاعتقاد ده حقيقي، لأن بعد البوابة بمسافة ١٠٠ متر فيه حمام كبير مهجور ومسكون بالعفاريت..
أنا شخصيًا سمعت منه بالليل أكتر من مرة أصوات كتير أوي، أصوات مُخيفة ومش بشرية بالمرة، ولما كنت بحاول أستفهم من والدي هو الحمام ده مسكون فعلًا كنت بحس إن لون وشه بيتغير وإيديه بتترعش وكأنه هيموت، عشان كدا بطلت أسأل، وفي نفس الوقت قررت أبقا معاه يومين في الأسبوع عشان أهون عليه الشغل..
هو كمان كان بيرفض إني أزوره أكتر من يومين وأسهر معاه، رغم إني كنت فقدت الأمل إني أنجح في الكلية وكأن فيه لع.نة ماسكاني مش عاوزة تسبني، لسادس سنة بسقط في سنة التخرج وآخر سنة دي ولو اتكرر السقوط هتفصل نهائي من الكلية كلها، مع إني كنت بذاكر وبجتهد أكتر من أي حد، بس زي ما قولت هي لعنة معرفش سببها إطلاقًا..
لحد ما بدأت الإمتحانات تقرب وبدأ التوتر يزيد جوايا أكتر وأكتر، ومن كتر القلق اللي كنت فيه كلمت أبويا ليلتها وطلبت منه أروحله وأسهر معاه الليلة، ورغم اعتراضه بس أنا كنت مُصر جدًا، وفعلًا وبعد ساعة كنت عند البوابة الخلفية وقعدت مع أبويا نتكلم شوية.. كلها دقايق وحسيت إن ابويا شكله بيتغير وبدأ يكح جامد ويمسك صدره، حاولت أديله مية بس كان بيشتكي من تعب غريب، وفي النهاية قالي إنه هيدخل الأوضة يريح شوية وطلب مني أفضل أنا أحرس المكان..
خدت الموضوع عادي رغم إن دي كانت أول مرة فعلًا أبويا يعمل ده ويسبني في الوردية لوحدي، ودخل ينام في النهاية وقعدت أنا على الكرسي أتابع الصمت والظلام في الجنينة اللي كانت غرقانة فيه.. وبدأت أحس إن فيه حركة من حوليا، الموضوع كان بيتكرر كتير بس دايمًا كان بيبقا أبويا معايا، إنما أنا دلوقتي لوحدي تمامًا، فضلت كتير بحاول أعرف الحركة جاية منين بس للأسف معرفتش..
شوية وشوفت ظل رغم الضلمة بيجري من جمب سور الجنينة، كأن فيه حد نط من عليه، جسمي كله قشعر وأنا مش عارف ده شغل عفاريت ولا ده حد من العيال المد.منين وداخل يشرب ولا يعمل حاجة في المكان..
استعنت بالله وقررت مصحيش أبويا اللي أساسًا مريض، لأنه لو كان عيل معاه سلاح يبقا يأذيني أنا أحسن، مسكت عصاية شديدة واتحركت ناحية السور وبدأت أتفقد المكان عشان أشوف مين ده وبيعمل كدا ليه، وفعلًا بدأت أسمع صوت خطوات من حوليا بتجري، وكل ما كنت أبص يمين وشمال مش عارف أشوف حاجة، فضلت كدا يمكن عشر دقايق في الرعب ده لحد ما لقيت نفسي بدون أي مقدمات قدام الحمام المهجور، وفوجئت بواحدة مش ظاهر ملامحها واقفة قدام الحمام، جسمي اتنفض أول ما شوفتها وهي قبل ما أنطق بنص كلمة جريت ودخلت جوه الحمام وهي بتضحك..
أيه الجنان ده بقا، ومن جوه الحمام بدأت أسمع صوت ضحك مكتوم، فكرت أرجع لأبويا بس حسيت بالخجل من نفسي، هقوله أنا خايف من واحدة، شغلت فلاش الموبايل ودخلت الحمام فورًا، كانت أول مرة ادخله، وفوجئت بريحة غريبة ومكتومة بتهاجمني أول ما دخلت، بصيت يمين وشمال مفيش أي حاجة، الحمام كان متقسم لأربع أبواب داخلية كل واحد بيفتح على حمام صغير، وبدأ صوت الضحك المكتوم يتردد من حوليا مرة تانية، قربت من أول باب وأنا شعر راسي كله واقف وفتحته، بس الحمام فاضي تمامًا..
قربت من التاني ثم الثالث، مفيش أي حاجة، قربت من الباب الرابع ومسافة ما فتحته لقيت البنت إياها، كانت واقفة وساكتة تمامًا، تمالكت أعصابي بالعافية واتكلمت بصوت مبحوح وقولت: ـ أنتي مين ودخلتي هنا ليه؟! مفيش أي رد إطلاقًا، دي مجنونة ولا حكايتها أيه بالظبط، قربت منها بشويش بس قبل ما ألمسها سمعت من ورايا صوت أنفاس خشنة، غليظة، بصيت ورايا بخوف ورعب لقيت واحد وشه أسود وماسك سكينة، أول ما شوفت المنظر زقيته بفزع وقفلت الباب عليا انا والبنت..
ومن ورا الباب سمعت خبط هيستيري وكأنه عاوز يكسر الباب ويدخلي بالعافية، قفلت الباب بجسمي وانا اعصابي متدمرة، وإذ فجأة البنت تبدأ تضحك ضحك هيستيري وكأنها بتستلذ بشكلي المرعوب ده، وقتها بس ظهرت ملامحها، عيون سودة زي الليل ووجه متفحم زي الراجل اللي بره.. وبدأت أشهق من الر.عب، لو فتحت هتق.تل، ولو فضلت هنا مع البنت همو.ت من الر.عب، خاصةً إن صوت ضحكها كان بيزيد بطريقة عجيبة، وقعت في الأرض وأنا ببكي زي العيل الصغير وبنادي على أبويا يلحقني..
كل ده والباب هيتخلع من مكانه خلاص وأنا مش قادر أقاوم أكتر من كدا، لحظات وسمعت صياح أبويا جوه الحمام وهو بينادي عليا، فتحت الباب وأنا مر.عوب عليه أحسن يتأذي لقيته مسكني بقسوة وشدني بره الحمام كله وقفل الباب العمومي عليه من جوه، صرخت وبدأت أض.رب الباب بكل قوتي وبهيستريا شديدة لحد ما اتكسر، وعلى أرضية الحمام لقيت أبويا مرمي في الأرض وعمال يرجع وفيه مادة بيضا بتنزل منه..
سحبته بسرعة وخرجنا من المكان وأنا بتنفض، مسكت التلفون أكلم حد يجيب عربية ويلحقنا بس أبويا منعني وشدني من راسي وهو مرمي على الأرض عشان يتكلم، كان بيموت والمادة البيضا عمالة تنزل باستمرار ومع ذلك كان عاوز يتكلم.. وبالعافية بدأ يتكلم، قالي إنه من زمان أوي باع ضميره، وكان بياخد فلوس مقابل إن ولد يجيب بنت ويدخلوا الجنينة يعملوا الحرام في المستخبي بالليل، وهو كان بيسهل الموضوع ده لأي حد طالما هيقبض، بل وعمل تسعيرة للموضوع ده، وكان أحسن مكان للزباين الحمام إياه، يدخلهم بالليل وياخد الفلوس ويقفل عليهم ولا من شاف ولا من دري..
لحد ما جه شاب في يوم معاه بنت جميلة أوي، وأبويا كان شارب ومتسلطن، ومن كتر تفكيره قرر يشارك الشاب لأن مشهد البنت مفارقش خياله، ودخل عليهم الحمام وهو معتقد إن الشاب هيتخض ويهرب ويسيب البنت لأبويا يستمتع بيها، بس الواد دافع عنها وض.رب أبويا علقة مو.ت، وملقاش أبويا حل غير إنه يطلع الخنجر اللي معاه ويق.تله، ولما البنت بدأت تصرخ بأعلى صوت قتلها هي كمان..
وملقاش غير إنه يد.فن الج.ثتين في خزان المية القديم اللي ورا الحمام، وبدأت تحصل أحداث مخيفة كل شوية خلت الكل مع الوقت يهجر الحمام تمامًا، وأبويا مسكته ل.عنة ومبقاش قادر يسيب الشغل وكأنه بقا مربوط بسلاسل بالمكان، بس حد من أصحابه طمنه طول ما هو بره الحمام مش هيتأذي، إنما لو دخل جوه هيتأذي..
وفضل سنين بعيد عن الحمام، ومع ذلك مكمل في الشغلانة بس بقا بيفضي أماكن غير الحمام للزباين، لحد ما انهاردة بس شاف في نومه إني جوه وحاجة بتقوله ابنك أو أنت، وجه يفديني بروحه وخرجني، ومسافة ما كمل الحكاية لفط أنفاسه الأخيرة بعد سنين طويلة من جريمته.. وبكيت، بكيت كتير أوي أوي، وعرفت أنا ليه بسقط في الكلية، وليه أبويا متسلسل في المكان، وليه أمي مريضة سرطان من سنين، دي لعنة المال الحرام، المال الحرام اللي بينزل بالخراب على صاحبه ويخليك تقتل وتسرق وتعمل كل المحرمات، وفي النهاية خراب في الدنيا وعذاب جهنم في الآخرة..
فكرني باللي بيقبل رشوة، واللي مبيعملش شغله غير بالفلوس، واللي بياكل مال اليتامى، واللي فلوس شغله من حرام، كلهم هيبقوا زي أبويا، كلهم هتتخرب بيوتهم بسبب الفلوس الحرام، هيتلعنوا في الدنيا بيها، وهيدوقوا النار في الآخرة إن لم يتوبوا منها.. [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا] سورة النساء
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




