روايات

الشقة الحزينة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

كانت فيه شقة قريبة مننا اتوفت فيها واحدة ست كبيرة في العُمر، وفضلت أسبوع على ما اكتشفوا وجودها وطبعًا كانت وصلت لمرحلة صعبة أوي، وبعد ما دفنوا الست الشقة فضلت مقفولة ٦ شهور كاملين محدش عايز يقرب منها، لحد ما أولادها قرروا يبيعوا الشقة اللي كان طالع عليها سُمعة مش كويسة.. كانت أول وأهم خطوة بالنسبالهم هو تنضيف الشقة، عشان كدا بعتولي، أحسن ست بتنضف شقق في المنطقة كلها حتى لو كان مقــتول فيها ق.تــيل..

كنت بستلم الشقة عبارة عن خرابة وبسلمها فوق الممتازة، وطبعًا كنت بطلب مبالغ كبيرة وكويسة وكانت بتكفيني لوقت طويل على ما بنزل شغل تاني.. وفعلًا أتواصل معايا ابنها وقالي اطلبي الرقم اللي أنتي عاوزاه بس تسلميني شقة جديدة ونضيفة، ومش عايز أي حاجة من حاجات أمي فيها ولا بقايا لموضوع مو.تها، طلبت منه ١٥ ألف ووافق بدون أي كلمة..

وفعلًا بدأت أجهز كل حاجة، معقمات ومطهرات وأدوات نضافة متكلفة جدًا لأني عارفة إن الشقة محتاجة وهتاخد تنضيف مش أقل من ٤٨ ساعة وده لأني برتاح وبكمل لحد ما أخلص ودايمًا بشتغل لوحدي، لأن أكتر من بنت شغالة معايا عملولي مشاكل كتير في شغلي..

وروحت على الشقة اللي أول ما دخلتها شميت ريحة المو.ت، الريحة اللي بقيت عارفاها كويس، ولكن المكان هنا يمكن كان مختلف شوية، فتحت كل الشبابيك وبدأت بكل همة ونشاط، الشقة كانت محتاحة مجهود جبار فعلًا، لكن وأنا بنضف حسيت لوهلة إني سامعة صوت ضعيف وغريب أوي جاي من الأوضة اللي جوه دخلت أشوف مصدر الصوت ملقتش أي حاجة..

وأول ما رجعت للشغل تاني سمعت الصوت من جديد، وبصعوبة كبيرة أدركت إنه صوت حد بيبكي، أيوة الصوت مكتوم لكنه صوت بكاء، فضلت أفكر يمكن الصوت جاي من شقة تانية، ومن كتر التفكير والتوتر اللي أنا فيه مددت على الكنبة ولقيت نفسي روحت في النوم.. الغريب إني في نومي شوفت حلم عجيب، شوفت نفسي بنضف، وكأن المشهد بيتعاد من تاني، وسمعت نفس الصوت ودخلت الأوضة أشوف مصدره، لكن المرة دي كان فيه حد في الأوضة، ست عجوزة قاعدة جوه الدولاب بتبكي بصوت مكتوم..

قربت منها وسألتها هي موجودة ليه هنا والمفترض تمشي لأني هنضف، قالتلي إنها كان المفترض تمشي فعلًا لكنها حزينة على كل اللي حصل، سألتها عن اللي حصل وقالتلي إن ولادها سابوها شهور طويلة لوحدها، مكنتش بتعرف تدخل الحمام ولا تاكل ولا تشرب.. كانت بتفضل تبكي يوميًا جنب الدولاب زي العيال الصغيرة من القهر والحزن، كان نفسها تشوفهم ولو مرة واحدة قبل ما تمو.ت أو تحس إنها مهمة عندهم، ودلوقتي عايزين يرموا حاجتها وينضفوا الشقة عشان فلوسها بس، ولقتها زادت في البكاء والنحيب..

ولقيت نفسي فتحت عيني، وبصيت حوليا بتعجب شديد، كان قلبي بيدق والدموع بتنزل من عيني، ولقيت نفسي بدون تفكير بتصل بالراجل وبرفض الشغل كله، قفلت الشقة ومشيت بعد ما دعيت للست بالرحمة والمغفرة، الست اللي فضل قرينها متعلق في المكان بسبب ظلم ولادها ليها، وأنا مش هكمل في ظلمها ولا عايزة يبقا ليا صِلة بالموضوع ده.. الأم والأب مينفعش يتهجروا في الكِبر، مينفعش بأي حال من الأحوال.. [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] سورة الإسراء بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى