روايات

سعدية الكناسة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

وهما بيفتحوا القبــ,,ـــــر عشان يدفــ,,ـــــنوا واحد جارنا من تلت أيام اتفاجئوا بواحدة ست جوة القبــ,,ـــــر لابسة أسود وقاعدة بتشيل العضم بتاع الأموات اللي اتدفــ,,ـــــنوا من زمان، وعمالة بتشيل العضم الكبير في جنب، والعضم الصغير في جنب.. المشهد كان كفيل يثير الرعب ونص رجالة البلد يجروا حرفيًا والنص التاني يفقد اتزانه، لدرجة إن واحد من الناس اللي نزلوا القبــ,,ـــــر واللي يعتبر أول واحد شافها حصلتله مشكلة نفسية وفقد النطق من ساعتها.. بس اللي هدى الناس وقتها إن فيه واحد نادى في الناس وقال:

ـ دي سعدية الكنَاسة.. وهنا الناس خدوا نفسهم بالعافية وبدأوا ينهروها ويزعقوا فيها عشان تطلع من القبــ,,ـــــر، وهنا بدأت تمسك حجارة وتحدفها على الناس وهي بتصيح زي المجنونة وبتقول ـ بنضف القبــ,,ـــــر يا ولاد الـ ……… وبعدها خدت نفسها وجريت في قلب المقابــ,,ـــــبر لحد ما اختفت عن العيون.. دفــ,,ـــــنوا الميت في النهاية ولقينا واحد من أهل المتوفى بينهر أخوه وبيزعق فيه عشان فتح القبــ,,ـــــر وجهزه ومفضلش جنبه وكانت النتيجة إن سعدية الكنَّاسة دخلت من غير ما حد يحس بيها، الناس استوعبوه في النهاية..

وعدى اليوم على خير، بس بما إني كنت وسط الناس وشوفت المشهد المُخيف ده خاصةً إني كنت واقف قدام القبــ,,ـــــر مباشرة فكان عندي شغف كبير أعرف مين سعدية الكناسة دي، وليه اتسمت بالإسم ده وكمان ليه بتدخل جوة المقابــ,,ـــــبر تعمل الحاجات الغريبة دي.. وبعد تفكير عميق ملقتش غير جدتي أم أبويا، هي اللي تروحلها وتعرف منها أي حاجة في الدنيا، جبل من الثقة في النفس والحكايات اللي مبتخلصش.. صليت العشا وعديت عليها الساعة ٩ بالليل، أول ما شافتني رحبت بيا طبعًا وشربنا الشاي، وبدأت أحكيلها على اللي حصل في الجنازة وطبعًا كان الخبر واصلها..

لقيت نفسي بسألها وبقول: ـ هي مين سعدية الكناسة دي يا جدتي؟! لقتها بصت في الساعة بصة غريبة ورجعت بصتلي وقالت بصوت مُريب: ـ تحب أحكيلك حكايتها عشان نغلط غلطتها وتبقا مجنون زيها ولا نستنى للصبح عشان نتلاشى الغلطة دي؟! حسيت بقشعريرة غريبة أوي من كلامها، خاصةً إن جدتي مش من النوع اللي بيتكلم بالطريقة المُخيفة دي، ولقيت نفسي بقولها إني هعدي عليها الصبح عشان أعرف الحكاية كاملة، خاصةً إن الموضوع بقا شاغلني بطريقة غريبة، روحت البيت وحاولت الهي نفسي في أكتر من حاجة بس معرفتش، وفي النهاية قررت أنام لعل وعسى الصبح أقدر أداوي فضولي ده..

كانت ليلة جحيم زي ما بيقولوا، شوفت نفسي بدفــ,,ـــــن جــ,,ـــــثه جوة قبــ,,ـــــر من القبور ومعايا حوالي تلاتة أو أربعة وبس، وكلهم سابوني ولقيت نفسي لوحدي وبدفــ,,ـــــنها، بس الغريب إني وأنا بدفــ,,ـــــنها حسيت إنها بتتنفس، وكأن الجــ,,ـــــثه لسة فيها الروح، حطتها على الأرض وبدأت أفك عُقد الكفن واحدة واحدة لحد ما كشفت عن وشها، وأول ما كشفته لقتها فتحت عنيها، كانت سعدية الكناسة، ولقتها بتقول: ـ ما تيجي تنضف معايا المكان..

وصرخت، صرخت عشان أصحى من نومي قلبي بيدق وعرقان ومش قادر أتمالك أعصابي، استنيت الفجر واتوضيت وروحت عشان أصلي ومعرفتش أنام تاني، وقررت إني استنا لحد الصبح وأروح على جدتي أعرف الحكاية بدل ما انا مش عارف أتلم على أعصاب كدا.. وعلى بعد الفطار طلعت على جدتي، لقتها محضرة الفطار، ولما قولتلها إني فطرت لقيت العصاية حاضرة، اللي هو أنت بتفطر ليه وأنت عارف إنك جايلي، وغصب عني فطرت تاني وشربت الشاي، ورجعت أسأل السؤال من تاني

ـ مين هي سعدية الكناسة؟! وبدون مقدمات بدأت جدتي تحكيلي حكاية من العجايب حرفيًا، بتقولي إن سعدية كانت متجوزة راجل عربجي من اللي بيروحوا السوق طول النهار يبيعوا الخضار ويرجع على قبل المغرب عشان ياكل وينام ويصحى يكرر نفس اليوم من تاني، أما هي فكانت عندها عادة غريبة وغير مفهومة، عادة مكانتش في ولا ست من ستات البلد غير عندها وبس.. سعدية كانت بتنام لحد قبل رجوع جوزها، وتصحى تبدأ تشوف شغلها، تنضف بيتها وتجهز الأكل وتغسل الهدوم والمواعين، وكانت بتعشــ,,ـــــق التنضيف بالليل خاصةً إن جوزها كان بينام زي القتيل بالليل ومبيحسش بأي حاجة..

كانت تشغل الكشاف القديم اللي بيقلب راديو ده على الأغاني وتقعد تنضف وتجهز عيش الخبيز لحد قبل الفجر، ناس كتير اشتكوا منها بسبب صوت الأغاني وصوت الخبط والرزع اللي كان بيبقا مسموع بالليل بس ولا حياةً لمن تنادي.. كانت بتعمل اللي هي عاوزاه غصب عن أي حد، لحد ما في ليلة وهي بتنضف وشغالة سمعت خبط على باب البيت، استغربت مين اللي جاي في توقيت زي ده، حاولت تصحي جوزها اللي كان رافض تمامًا إنه يصحى..

راحت وفتحت الباب بتوتر لقت ست عجوزة واقفة قدام الباب وغضبانة جدًا، بصتلها سعدية بتعجب وقالتلها: ـ عاوزة إيه؟! ـ أنتي عاملة إزعاج كبير لجيرانك ومش عارفين نعيش بسببك.. ـ والله ده اللي عندي يعني منضفش شقتي؟! ـ نضفي بالنهار زي كل اللي زيك.. ـ والله ده بيتي واعمل اللي أنا عاوزاه.. ـ وأحنا جيرانك من قبل ما تتجوزي حتى، أحنا الأحق بالمكان ده..

وبكل عنجهية قفلت سعدية الباب في وش الست وهي بتدندن وبتغني نفس الأغنية اللي شغالة، بس وقفت لحظات مع نفسها لأن كانت فيه حاجة غريبة أوي، مين الست اللي بتقول إنها جارتها دي، أحنا في الأرياف عارفين بعض كويس أوي، ازاي دي جارتها من زمان وعمرها ما شافتها، استغربت جدًا بس عدت الموقف نوعًا ما.. ودخلت تكمل غسيل من تاني وتنضيف، في الوقت ده كانت بتسخن مية عشان تنضف قعدة الحمام، وبعد ما سخنت المية وقبل ما تدفيها بمية ساقعة سمعت صوت الست تاني بتقول:

ـ أنا بحذرك لآخر مرة كفاية كدا.. تجاهلت النداء ظنًا منها إنه جاي من برة البيت، دخلت الحمام تدفي المية شوية ورجعت سمعت الصوت تاني بيحذرها، وغضبت وقتها، غضبت ومن غير تفكير دلقت المية المغلية في عين الحمام من غير ما تدفيها كعادتها.. وأول ما دلقتها سمعت صرخة غريبة اتردد صداها في الحمام كله، وقعت سعدية في الحمام تتنفض وجسمها كله مشلول من أثر الصدمة، في اللحظة دي بدأت تشم ريحة شياط غريبة، بصت ورا جردل الحمام لقت جسم، زي طفل صغير محروق وبيطلع من جسمه دخان غريب..

ومن هنا كانت المُصيبة، بدأت تشوف سحلية ضخمة طالعة من عين الحمام وعنيها حمرة زي الد م، السحلية بصت على الجسم المشوه وبدأت تصيح زي الستات، كانت بتصرخ كأنها في ميتم بالظبط، وراحت هاجمة عليها وبدأت تسحبها من رجليها بغضب ناحية عين الحمام، طبعًا سعدية مكانتش قادرة تصرخ لأن صوتها اتحبس من الفزع، وجسمها كان متخشب تمامًا.. سحبتها ناحية عين الحمام وفي الوقت ده ومن حظها صحي جوزها عشان يدخل الحمام، جوزها كان هيتجنن من اللي شافه، شاف نص جسم سعدية محشور في عين الحمام اللي ميدخلش منها طفل صغير..

فضل يشد في مراته وهو بيصرخ زي المجنون لحد ما طلعت، بس طلعت بعد ما اتحولت لكيان تاني، كيان عجيب، صوتها اتغير وجسمها بقا معوق وبتمشي بطريقة غريبة، وبقت مبهدلة في نفسها وتمشي تكلم كائنات غريبة وغير مفهومة.. جوزها بيقول إنه فضل تلت أيام هيمــ,,ـــــوت من الرعب بسببها وبيخاف ينام جنبها، لأنه كان بيشوف واحدة ست ومعاها تلت أطفال واقفين على راس مراته طول الليل، لحد ما صحي في ليلة لقى د م نازل من عين مراته وهي بتصحيه، صحي مخضوض لقاها بتتكلم زي زمان..

حكتله كل حاجة بالتفصيل، وقالتله إنها مستنية حُكم محكمة الجن عليها لأنها حــ,,ـــــرقت عيل صغير منهم و.ته وإن الحُكم هيصدـ,,ـــر بعد ساعة، وفضل جوزها صاحي بيترعش ومش عارف يعمل إيه لحد ما سعدية بدأت تتشنج مرة واتنين وبعد ما فاقت قالتله: ـ هيشغلوني خدامة في أرضهم، أنضف القبور والبيوت المهجورة والخرابات وأبقا كناسة للقبور اللي فيها عضم..

وخرجت ومن يومها مرجعتش، بس أكتر من مرة يلاقوها جوة قبــ,,ـــــر بتكنس جوة وبتنضف، وكأنها خدامة شقق، بس دي مش شقق، دي مقابــ,,ـــــبر مقفولة، وكأنهم بيعذبوها وبيعاقبوها، فضلتي تنضفي بيتك وتزعجينا ليالي طويلة، يبقا طالما عندك صحة وبتعرفي تنضفي يبقا تيجي تنضفي بيوتنا اللي هي المقابــ,,ـــــبر والبيوت المهجورة، خاصة إنها كمان اتمسكت في بيوت قديمة بتنضفها.. من الآخر سعدية بقت خدامة، بس خدامة للجن وبدون مقابل، واللي أتفهم إن جارتها دي كانت من الجن وساكنة معاها في نفس البيت، تعبت منها ومن شغلها وحذرتها مرة واتنين على هيئة إنسية بس سعدية كابرت، وكان جزائها للأسف أسوأ جزاء ممكن يحصل لحد..

بصيت وقتها لجدتي وقلت: ـ عشان كدا يا جدتي رفضتي تحكي بالليل.. ـ أيوة يابني الليل ده مش بتاعنا أحنا، ربنا جعل لكل واحد ميقات.. ولقيتها بصتلي بصة غامضة وقالتلي: ـ أنت حافظ جزء عم يا ولا؟؟ ـ أيوة طبعًا.. ـ شوفت الآية اللي بتقول [وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ۝ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا] سورة النبإ.. ـ أيوة طبعًا..

أهو ربنا طالما سن سُنة في الكون يبقا مفيش بديل عنها، الطب قالك الإنسان جسمه بيبقا أحسن لما ينام بالليل ويصحى بالنهار، وإن أي عمل تعمله بالنهار أحسن ألف مرة من الليل، وسعدية أثبتت كمان إن الشغل بالليل مؤذي وإن ده المفترض وقت نومنا عشان منأذيش مخلوقات الله اللي عايشة معانا..

وخرجت من عند جدتي، خرجت وأنا بفتكر كل موقف بالليل حصل معايا أيام المذاكرة، لما كنت بسهر واسمع حد بينادي عليا بالليل، ولما كنت مبعرفش أركز بالليل أكتر من مرة، وافتكرت الليالي اللي كنت بصلي فيها الفجر وبلاقي نفسي في قمة نشاطي وبعرف أذاكر وأنجز وأفهم، عشان كدا قررت أمشي على منهج ربنا، الليل للنوم والنهار للمعيشة والإجتهاد، وخاصة بعد صلاة الفجر، أحسن وأهم توقيت تقدر تعمل فيه العجايب.. [وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ۝ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا] سورة النبإ

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى