
إياكِ تنزلي البحر بالليل، ولا تمشي في الأراضي الزراعية أو المقابر بالليل، دي كانت وصايا عمتي دايمًا من وأنا طفلة صغيرة، خاصة وإننا ساكنين في حي الجمالية، وبالأخص في مكان قريب جدًا من الجبانات، وأنا كنت دكتورة في الشقاوة، وكانوا أوقات كتير بيجبوني بلعب من عند المقابر بالليل، لحد ما عمتي في النهاية قعدت معايا.. فهمتني يومها وقالتلي: ـ ربنا يا بنتي خلق لكل حد وقته اللي يخرج فيه عشان يقدر يعيش، والليل ده وقتهم، وهما مش هيكونوا مبسوطين خالص لو أنتي روحتي المكان بتاعهم في أوقاتهم هما، ده معناه تحدي أحنا مش قده، أو إعلان للحرب تجاه كائنات تانية..
ومع استمرار شقاوتي وفي ليلة شوفت البهيمة دي بالليل قدام المقابر، كانت شبه البقرة الضخمة واقفة وسط الضلمة وبتبصلي بعيون كلها دم، وقتها رغم صغر سني عرفت إنه تحذير منها عشان مجيش هنا تاني، وفعلًا من يومها بطلت أروح المقابر غير للضرورة القصوى، وكمان في ضوء النهار وبس.. وانهاردة بس وبعد ما كبرت روحت أزور أبويا أنا وعمتي، ولمحت بتول اللي بصتلي بصة جمدت الدم في عروقي، كانت شبه المجاذيب بشعرها المنكوش ووشها الأسود وعنيها التايهة، وكانت لابسة عباية قذرة جدًا وقاعدة بتتهز قدام القبر زي الدراويش..
حتى لما روحت شوفت بتول في حلم مُخيف جدًا، ووقتها بس لقيت الشغف بيتولد جوايا من تاني، وبقيت همو.ت وأعرف أيه قصة بتول دي وليه هي عايشة في المقا.بر من تلت سنين، وعرفت وقتها من عمتي اللي خلاني اتأكد إن اللي بيلعب بالنا.ر لازم يتحرق.. ……………… بتول…. كان فرحه انهاردة، وده كان بالنسبالي أسوأ خبر ممكن أعرفه في حياتي، كان ابن عمي وكنت عايشة وأملي في الحياة كلها إنه يتجوزني، بس هو للأسف راح خطب واحدة تانية، واتقهرت يومها قهر السنين، فضلت مستنية على أمل إنه يفسخ خطوبته بس هو خلاص حدد ميعاد الفرح..
ووقعت في نوبة مرض شديدة أوي، مين قال إن الحب كلام فارغ، فما بالك بالعشق، ومرضت بمرض العشق لإنسان هيتجوز بعد ساعات بس، ورغم مرضي اتلون قلبي كله باللون الأسود وبقيت مولعة بنا.ر الحقد والغيرة تجاه خطيبته.. وجريت قبل الفرح بليلتين وروحت لشيخ في الجبانات، ولو شئت الدقة هو ساحر، قالي إنه هيربطه عن مراته بس أنا مكنتش مقتنعة، الربط سهل أوي يتفك، ده ممكن بركعتين قيام ليل أو دعاء صادق يتفك، وطلبت يتعمل له ربط بالمرض والمو.ت، لحد ما البنت تسيبه وبعدها هفكه..
وفعلًا عملت السحر، وطلب مني الساحر أحطه في مكان معرض للهوا، ووسط المقابر لمحت شجرة شكلها مميز، وطلعت عليها وعلقت اللفافة على فرع من فروعها بطريقة صعب أوي حد يكتشفها، وعرفت إن طول ما الهوا شغال واللفافة دي بتتهز هو هيمرض أكتر وأكتر.. وجه يوم الفرح ودخل حسين على عروسته، وفضلت تحت في شقة عمي مستنية البشاير، وفعلًا مفيش ربع ساعة وخرجت مراته تستغيث بحماتها، حماتها اللي طلعت وهي مرعوبة مع عمي للشقة عشان يشوفوا حسين جسمه متقوص على نفسه بطريقة تك.سر الضهر ومرمي على السرير زي العجوز اللي عنده تسعين سنة..
جريوا وجابوا الشيخ اللي قرأ عليه بس مقدرش يعالجه، ومرض حسين بمرض عجيب، وعرفنا إنه أول ما طلع شقته وشاف جسم مراته مسكته حالة صرع وصلته للحالة دي، ووصل بيه الحال إن مراته بقت ممنوع يظهر منها أو يتكشف من جسمها شبر، لأنه كان بيتعب جدًا لما يشوفها.. بس هي كانت صبورة بشكل غريب، وفضلت معاه شهر كامل وهو عمال يكش وجسمه يصغر ويعجز بالبطئ، لدرجة إنه بقا بيرجع دم وصوت وجعه بيوصل للبيت كله، وصلت لدرجة إن قلبي وجعني جدًا عليه، ومع استمرار التعب قررت في النهاية أروح وأشيل السحر من مكانه وأحرقه..
وروحت فعلًا تاني يوم بعد العصر، وروحت لمكان الشجرة بس كانت المصيبة لما ملقتهاش، أو مقدرتش أحدد مكانها بالظبط، ودورت في الحارة اللي بعدها، واللي بعدها ومقدرتش أوصل خالص للشجرة، منطقة كبيرة جدًا مليانة مقابر، وفعلًا لقيت الموضوع بقا أصعب وأصعب، فضلت تلت ساعات بطوف في المقابر ومش قادرة أحدد مكان الشجرة إطلاقًا.. ورجعت يومها وأنا مذهولة، وعلى بعد العشا سمعنا صوت صراخ رهيب، حسين مات، وقتها روحت لبيت عمي وبقيت مصدومة، مش مستوعبة إطلاقًا إنه مات، لدرجة إني فضلت واقفة يجي ساعة مبنطقش، وفجأة افتكرت السحر، لو لقيته وحرقته هيصحا، أيوة هيصحا..
وجريت بالليل للمقابر من تاني، وفضلت أطوف فيها زي المجنونة بدور على الشجرة، بس وقتها مكنتش أعرف إن ده وقتهم هما، وإنهم مش هيحبوا خالص وجودي، وبالأخص وأنا بطوف زي المجانين كدا وبدور على السحر.. وسحلوني في المقابر وكتفوني وحطوني على ضهر تيس ضخم، ولقيت نفسي على ضهر الحيوان زي المشلولة وبيحطوني جوة القبر، كائنات سودة مُخيفة شكلها مفزع، وفضلت أصرخ وأصرخ لمدة ساعتين وأنا في موكب غريب من الحيوانات اللي شبه الماعز والخرفان، وفي الآخر اترميت جوة قبر مفتوح..
خرجت من المقابر شعري أبيض وبصرخ صراخ هيستيري، وروحت لأمي وأنا بتنفض، وحكيت لها كل حاجة بالتفصيل، وبعدها لساني اتشل من يومها وبقيت مقدرش أفارق المقابر دقيقة واحدة.. أول سنة كانوا بيجبوني كل ليلة من المقابر، وكنت ببقا في مظهر بشع جدًا، بس أمي مرضت وقبل مو.تها حكت لعمي كل حاجة، وأول ما ماتت كله اتخلى عني، وبقيت بتول علم من أعلام المقابر، اللي يروح يزور يديني سندوتش، ازازة مية، غير كدا فأنا عايشة جوة المقابر ومقدرش أخرج منها تاني خلاص..
……………… كنت مذهولة من كل كلمة قالتها عمتي، وأد أيه الشر وصل بتول بأنها تعمل سحر بالمو.ت لحسين يخليه فعلًا يمو.ت، السحر كان سبب وده قدره في النهاية، والضرر بيقع بأمر الله، بس هي مشيت في طريق الشيطان وكان لازم ينتهي بيها الحال لكدا، بس المرعب إني صحيت ليلتها بالليل ولقيت نفسي رايحة ناحية المقابر، إحساس وشغف زمان رجعلي من تاني، كنت عايزة أشوف بتول دي، وكأن بيني وبينها رابط غريب، أو يمكن رسالة هتوصلني من خلالها..
وفعلًا نزلت بالليل ودخلت لقلب المقابر اللي حفظاها شبر شبر من صغري، وبتول كانت في أول حارة دايمًا، فضلت ماشية في الضلمة عن يميني وشمالي القبور الضخمة لحد ما وصلت للمكان اللي شوفت فيه بتول بالنهار، بس مكنتش موجودة خالص، دورت عليها كتير بس فعلُا كانت مُختفية، وقبل ما أخرج من المكان كله لمحت نفس البهيمة اللي شوفتها زمان أوي.. واتشل جسمي كله مكانه، كانت واقفة في نص المقابر بتبصلي بعيون من نا.ر، بقرة ضخمة وليها قرنين، حاولت أرجع بالراحة بس كانت بتزوم وبتض.رب برجليها في الأرض..
وعرفت إن استحالة هكون أسرع منها، حسيت بكهربا بتمسك في جسمي وشعري بيشيب، ورجعت خطوة لورا وجريت، ومن ورايا سمعت صوت بيهز الأرض، كانت بتجري ورايا وعمالة تزوم بصوت مُرعب.. وتهت في قلب المقابر من الرعب وفقدت كل الاتجاهات، مبقتش عارفة أجري لفين أو أروح فين، ولمحت وقتها البهيمة واقفة في آخر الحارة بتسد الطريق، وعرفت إني همو.ت وهتد.فن هنا ومحدش هيسمع عني..
بس قبل ما تتحرك البهيمة لمحت جسم طالع من القبر اللي جمبي، وقتها اتنفضت وقلبي نط من مكانه، كانت بتول، بتول اللي كانت نايمة جوة القبر، خرجت تبصلي وتهمهم بكلام غريب، بعدها صرخت بصوت بشع وجريت ناحية البقرة ودخلوا مع بعض في صراع رهيب.. كنت شايفة البقرة بتض.رب وبتقطع في جسم بتول حرفيًا، وطبعًا مكنتش هستنا لحظة واحدة أشوف أيه اللي بيحصل، وخرجت أجري من المكان كله زي اللي بيهرب من المو.ت..
وفضلت أيام طويلة مريضة بمرض غريب لحد ما ربنا شاء وصحيت منه، ولما حكيت لعمتي وبعد وصلة إهانات ولوم، استغربت إن بتول تساعدني، وقالتلي يمكن يابنتي بتحاول تكفر عن ذنبها فحاربت الجن عشان تنقذك، ويمكن الرسالة اللي كانت هتوصلك هي كلامي زمان.. إياكِ تنزلي البحر بالليل، ولا تمشي في الأراضي الزراعية أو المقابر بالليل، حتى لما سألتها عن سبب عدم خروجها لحد انهاردة قالتلي إنها مش هتخرج غير لما تلاقي الشجرة.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




