
أنا اسمي جواهر العر.جة، جواهر ده كان الاسم اللي اختارته ليا أمي، بس العر.جة ده اسم الناس اختاروه، اتولدت لقيت نفسي عر.جة، عندي رجل أطول من رجل، كانت خلقة ربنا وأنا كنت هرضى.. بس الناس مقدروش يتقبلوني وسطهم خالص، حتى الأطفال بقوا بيسخروا مني ومن طريقة مشيتي، كلام جارح وإهانة وتجريح فوق الوصف لطفلة لسة عندها تمن سنين بس.. لدرجة إنهم في يوم وأحنا بنلعب في الشارع حطولي حجر كبير في المكان اللي بستخبى فيه في لعبة الاستغماية، ولما جريت عنده اتشنكلت في الحجر ووقعت، وقعت على دراعي واتألمت أوي..
بس هما مرحموش ضعفي، وكلهم اتلموا عليا وبقوا يضحكوا ويقولوا بصوت عالي جواهر العر.جة.. جواهر العر.جة.. جواهر العر.جة.. بكيت لما صعبت عليا نفسي، وجريت من وسطهم عشان يضحكوا أكتر، وأنا بجري خبطت في راجل كبير، لقيته بصلي بغضب رغم د.موعي اللي جوا عنيا وقال: ـ غوري وسختيلي الجلبية الله يحر.قك أكتر مانتي محر.وقة وعر.جة كدا.. زاد ضحك الأطفال أكتر وأكتر، زاد بدرجة هيستيرية، وجريت على بيتنا وأنا حاسة بضيق ووجع الدنيا كله، كنت متعورة من الوقعة، وقلبي واجعني، ومقهورة قهر السنين..
روحت بيتنا عشان اترمي في ح.ضن أمي كالعادة بس مكنتش موجودة، كان البيت كله مضلم وشكله مقبض، نسخة مكبرة من قلبي اللي بيصرخ من الوجع والقهر، بصيت على باب بيتنا لقيت مكتوب بالطباشير؛ جواهر العر.جة.. وقتها قولت اااااااااااه بأعلى صوت، كسرت كل اللي قدامي وصرخت، صرخت بجنون وهيستريا، ولقيت نفسي بجري على الحمام القديم بتاعنا وبقعد جوا في الركن المظلم، المُخيف.. ووقعت في نوبة بكاء وصراخ هيستيري، قعدت سنتين مبنطقش من كلامهم، وانهاردة بس كل التراكمات خرجت، قهر سنتين خرج في هيئة بكاء وصراخ رهيب، كنت موجوعة، عاوزة أمو.ت، انتهي..
المكان كان ضلمة، وأنا وسط الضلمة كنت بتألم، بنوح زي المجانين، وهنا بس بدأت أسمع صوت طقطقة غريبة جاية من عين الحمام القديم.. طق طق طق جسمي كله اتشل وعنيا برقت وحاولت أكتم أنفاسي من الرعب، وبدأ صوت الطقطقة يقرب أكتر، ويعلى أكتر وأكتر، ومن عين الحمام شوفت واحد، واحد محروق وعنيه حمرة بتنور، وكان عنده قرنين مولعين بالنار.. كان بيبص ناحيتي بعيون ملتهبة، وقتها بس صرخت بأعلى صوت، صرخت وصرخت بس هو كان ثابت، باصص عليا وثابت زي التمثال، وفجأة سمعت صوته، صوت رهيب كان بيتردد حوليا ألف مرة..
ـ محدش هيسمعك متصرخيش.. اتنفضت تلت مرات على ما قدرت أقف عن الصراخ، وكمل كلامه بصوته الرهيب وقال: ـ اتكلمي وعرفيني بتعيطي هنا ليه؟! لسة فاكرة صوتي الواهن اللي خرج مر.عوب وقال: ـ بيشتموني عشان بعر.ج وبيتريقوا عليا.. لقيته خرج من عين الحمام ووقف قدامي، كان ضخم، معرفش ازاي خرج بضخامته دي، كان شكله في قمة الفزع والبشاعة، لقيته مد إيده وقال: ـ تعالي معايا.. ـ هنروح فين، أنا خايفة.. ـ متخافيش، هنروح للمكان اللي محدش هيتريق عليكي فيه..
وفجأة لقيته مد إيده في عين الحمام وجاب مية قذرة وبدأ يغسل بيها وشي بإيده السخنة الملتهبة، وفجأة لقيت نفسي بتسحب لتحت، كأني بغرق في محيط عميق، مكنتش شايفة غير ظلام ووشه المُخيف، لقيته من وسط الضلمة قالي: ـ أنا اسمي أريون.. ومسافة ما نطق بيها لقيت نفسي وسط بيوت وشوارع كتيرة، كانت بيوت كلها من حجارة، كأنها جبال واتنحتت، وشوفت ناس كتير اغوي كانت أشكالهم غريبة؛ اللي بقرون واللي له كذا عين في وشه واللي عامل زي الزواحف، أشكال كتير غريبة ومُخيفة..
كنت بترعش، مرعوبة، بس هو طمني وقالي إن محدش هنا هيسخر من عر.جتي، وقعدت معاه في بيت من البيوت دي، بيت عبارة عن حجارة لونها أحمر دموي، جبلي لبن شربته وفضلت معاه وقت طويل، في النهاية نعست ونمت، وأول ما صحيت لقيت نفسي صاحية على صراخ.. كانت أمي بتصحيني وأنا نايمة في الحمام وبتقولي: ـ بقالك تلت أيام غايبة فين يا بت؟؟ فضلت تبكي بهيستريا وتح.ضني وأنا مش عارفة ازاي عدى عليا تلت أيام تحت، وكلها يومين بس، صحيت بالليل كنت عطشانة أوي، وعديت من قدام الحمام القديم، وفي لحظة سمعت صوته الرهيب..
جوااااااااهر تعالي اتنفضت، اترعبت، جسمي كله اتشل، بس أول ما كرر النداء مشيت ناحيته من تاني زي المتخدرة، ولقيته طالع من عين الحمام، بنفس الهيئة المُرعبة، وفي صمت تام غسل وشي من المية القذرة وسحبني على تحت أوي.. لنفس البيوت والشوارع الحجرية، بس يومها اختلف الموضوع، فضلنا نمشي كتير أوي في الشوارع، شوفت أحصنة ضخمة أوي وكانوا كأنهم بيتسابقوا، وشوفت ستات عرايـ ـا وطالع من جسمهم زي المسامير الحديد، وشوفت ناس كتير بيرقصوا بهيستريا..
وهناك شوفتها بتبصلي بغضب، واحدة شكلها مُرعب، مُخيف، وشها أحمر سايل زي الدم، وعنيها متغطية بمادة لزجة حمرا، حاولت تشدني وتخربشني بضوافرها، بس أريون منعها عني، صرخت وهجمت من تاني بس هو ساعدني وض.ربها وخدني وهربنا.. ورجعت تاني لقيت نفسي نايمة في الحمام وأمي بتصرخ، وقتها انتشر الخبر في البلد، جواهر الجن بيخ.طفها لتحت الأرض، وبقيت جواهر العر.جة المجنونة الممسوسة.. يا إما الناس تخاف مني، أو يسخروا مني أكتر، ودخلت في صراع أصعب من دا، شوفت في ليلة عند سريري نفس الست المُخيفة، كانت جاية وبتقولي أنا هقتلك، كانت غضبانة، بتبصلي بغضب..
هجمت عليا في سريري وقبل ما تقبض عليا ظهر أريون وغرز ضوافره في ضهرها، صرخت بصوت بشع وقتها وبصتله وقالت: ـ دي إنسية ولازم تمو.ت.. بس هو ض.ربها عشان تهرب من المكان، وخدني من تاني تحت الأرض، عايزة أقولك إن الموضوع طول أوي، عدت سنين وأنا كل أسبوع بنزل تحت تلت أيام على الأقل، لدرجة إني بقيت مشهورة ومعروفة تحت.. لحد ما بدأت الكوارث من الليلة دي، وأنا ماشية في الشارع رايحة ازور خالتي سمعت واحدة بتقول عليا ملبوسة وعر.جة، كانت بتحكي عني جوة البيت، والصوت استحالة اني كنت أسمعه، بس فيه حاجة خلتني أسمعه..
بصيت للبيت بغضب الدنيا، وفي نفس الليلة كنت بحكي لأريون اللي سمعته، لقيته سكت خالص وقالي ركزي، غمضت عيني واتنفست بهدوء شديد.. وفجأة سمعت أصوات كتير متداخلة دي مجنونة العر.جة الملبو.سة المت.خلفة الد.ميمة الكلام كان بينهش في راسي، بيد.بحني، صرخت وقتها ومسكت راسي بصعوبة، كنت بتألم، افتكرت كل لحظة ضايقوني فيها، وبدون وعي قولتله: ـ عايزة أنت.قم .. ومن يومها بدأت أحداث رهيبة في البلد، البداية لما اتحر.ق الراجل االي قابلني يوم ما وقعت وقالي إلهي تولعي، النار مسكت فيه واتفحم، وبعدها ولعت تلت بيوت كان أهلها بيجيبوا سيرتي في الكلام..
وبعدها بدأت النار تمسك في البهايم، والقش، والبيوت، والأراضي الزراعية، الغريب إني كنت قبل النار بليلة بسمع صوت شخص بيتكلم عليا ويأذيني، بعدها بتتحر.ق له حاجة، أو بيتحر.ق هو شخصيًا.. وانتشر الكلام إن اللي بيتكلم عليا بيولع، ومن يومها بس الكل حبس لسانه وبقا ممنوع يجيب حتى اسم جواهر، كنت وصلت وقتها لتلاتين سنة، الكل بقا بيعملي ألف ألف حساب.. مفيش سخرية مفيش كلمة مفيش لفظ لحد ما من أسبوع بس ومن كتر زياراتي لتحت الأرض فقدت بصري للأبد، وامبارح بس زارني أريون وقالي إن مهمتي انتهت، وإنه لازم يستبدلني بحد تاني..
بلغته إن استحالة حد هيتكلم عليا، قالي إنه هيخلي الدنيا كلها تسمع حكايتي وتتكلم عليا، وهو هيختار بنت يزورها ويبدأ معاها من جديد، بنت هتنزل معاه لتحت الأرض، هتشوف الجن، وهتتجنن في النهاية.. عشان كدا بلغني إنك هتيجي، وإنه هيسهل المواضيع، خلاني أكلم عم مصطفى اللي استحالة كان يرفض طلبي، وعرفته إنك هتيجي معاه لو هو عرض عليك، وأنت جيت وأنا حكيتلك، وإياك تتأخر في نشر الحكاية، عشان أريون مُترقب جدًا واحتمال يقتلك أنت.. ………………
انتهت من الحكي وأنا جسمي كله كان منمل وشعري واقف، حاسس فعلًا بوجود حد معانا، مع نظراتها الغريبة ورايا، وقتها قمت من مكاني وجريت، هربت من الجحيم دا كله، وفضلت يوم والتاني في بيتي خايف، وفي اليوم التالت شوفته في الحمام، كائن بنفس الشكل اللي اتحكالي، وعرفت إنه تحذير، ولازم أنشر الحكاية بسرعة..
بس أنا مين هيقرأ ليا لو كتبت، مفيش أدنى مشكلة لو بعت لصديقي كاتب الرعب أحمد محمود شرقاوي الحكاية وطلبت منه ينشرها، عنده متابعين كتير أوي، وأريون هيفرح بيهم كلهم، خاصة إن واحدة منهم هتغلط وتحكي أو تتكلم عن جواهر، وقتها أريون هيجلها وهي في الحمام، ووقتها هتبقا هي المختارة تزور عالم الجن، ربنا يتولاها برحمته اللي هتقع منهم..
بس لفت نظري شيء أخير، اللي دمر بلد بحالها وخلاها تعيش في الجحيم دا هي السخرية، السخرية اللي ربك نهانا عنها، واللي غيرنا اسمها دلوقتي وبقينا بنفتخر بيها ونقول أحنا بنت.نمر على فلان، أهي بقا ليها عواقب في الدنيا وعواقب في الأخرة.. ياريت الناس تتعظ وتعرف إن السخرية شيء سيء جدًا، هيعرضك لعواقب وخيمة، يا دوب ألحق بقا أبعت لأحمد محمود شرقاوي الحكاية عشان ينزلها الليلة، وعشان أريون يختار ضح.يته..
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] سورة الحجرات بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




