روايات

فستان العروسة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

عندنا في البلد أكتر من مرة يطلعوا فستان عروسة مد.فون جوة ق.بر من الق.بور، لدرجة إن أكتر من عائلة من العائلات قفلوا مجموعة القبور بتاعتهم بسور وعليه بوابة حديد ضخمة، وبدأت الشائعات تطلع في الموضَوع ده، وكانت أكتر شائعة طالعة إن دي أسهل وسيلة من وسايل الجواز، وإن فيه ساحر البنت بتروحله وتختار الشاب اللي هي عاوزاه، وبالفعل الشاب مبيكملش أسبوع وبيروح يتقدملها، بس بتكون فيه بعض الشروط ولو البنت عملتها صح يبقا مبروك عليها العريس اللي اختارته..

وأنا كنت وصلت لسن ٢٩ سنة ولسة متجوزتش، هي خطوبة وحيدة وحصلت مشاكل السنين بيني وبين خطيبي لدرجة إنه اتهمنا بالسر.قة وأحنا اتهمناه بالسر.قة والبلد كلها عرفت، ومن يومها محدش قرب من بيتنا عشان يخطبني، وكان الموضوع مضايق أمي بدرجة محدش يتخيلها.. عشان كدا خالتي جت وفي إيديها الحل المعروف في كل أرياف مصر، بنتك معمولها عمل وهنروح نفكه عند الشيخ الفلاني، وأمي كانت مستنية نص فرصة عشان تمسك في أي سبب غير السبب الرئيسي، والسبب ده إننا كنا فعلًا عاوزين بعد فسخ الخطوبة ناخد الشبكة غصب واقتدار..

وده حرام شرعًا وغير مقبول حتى في المنطق، الشبكة ما هي إلا جزء من مهر العروسة، وطالما متجوزتش يبقا ترجع المهر اللي هو الشبكة، أيًا كان مين اللي فسخ، بس أمي ولعت الدنيا يومها وكانت عايزة تاخد الشبكة بحجة إن هو اللي عايز يسيب، بس هو مسكتش وفضحنا في البلد كلها لحد ما اضطرينا نرجعها في النهاية..

عشان كدا أمي لقت فرصة عظيمة إنها تبرر إن عدم زواجي دا بسبب السحر مش بسبب أفعالها، وأجبرتني بالعافية إننا نروح للشيخ اللي خالتي قالت عليه، وبالفعل روحناله وحكيناله كل حاجة، بس عكس المتوقع والغريب إنه قال إني سليمة ومحدش عاملي أي حاجة، المفترض إن كلهم نصابين وهيقول أي حاجة عشان يعمل من ورانا مصلحة، بس هو معملش حاجة، وقبل ما نكمل كلامنا قال إنه ممكن يجوزني الشاب اللي اختاره من أهل البلد أيًا كان هو مين..

كلامه خلى عنيا تزغلل، مكنتش متخيلة إن ده ممكن يكون حقيقي، ولما أمي سألته ازاي قالها نحدد ونعرفه باسم اللي هختاره ونجيب معانا ١٠ آلاف جنيه المرة الجاية، وخلال أسبوع واحد الشاب ده هيجي ويطلبني من بيت أبويا.. وخرجنا من عنده وأحنا مش مصدقين إن ده ممكن يكون حقيقي، بس خالتي فضلت تجزم إن الشيخ ده سره باتع وإن كل كلامه حقيقي، وراحت أمي تستلف من هنا وهنا لحد ما قدرت تجمع المبلغ، وقعدت أنا وهي وخالتي نفكر

فكرنا في كل شباب البلد تقريبًا لحد ما وصلنا لأغنى واحد فيهم وابن راجل مهم في البلد، وحددنا اسمه بعد تفكير طويل وطلنا على الشيخ، أدناله الفلوس وبلغناه باسم الشخص المطلوب، وبدون مقدمات بلغني الشيخ وقالي أجهز فستان فرحي، الكلمة كان ليها تأثير السحر بالنسبالي..

حاولنا نستفسر منه بس كل اللي قاله نصمم فستان الفرح ونشتريه ونروحله، ووقتها هنعرف باقي التفاصيل، وفعلًا وفي نفس اليوم روحنا اشترينا فستان الفرح وروحناله، وقالنا ند.فن الفستان في مق.برة العيلة بتاعت الشخص اللي اخترناه، وإننا هنروح للتُربي وهو هيساعدنا نوصل لقبر العيلة بتاعت الشاب ده ويفتحلنا الق.بر كمان، وبعدها نحط الفستان ونسيبه لحد ما الشخص ده يجي يتقدم، ولازم في نفس الليلة اللي اتقدم فيها نروح نشيل الفستان، وإياك ننساه ليلة واحدة زيادة، وبعدها الفستان يتشال ليوم الفرح..

وخرجنا من عنده وأنا حاسة بخوف ورهبة كبيرة أوي، حاولت أقنع أمي إننا منكملش بس خالتي مدتنيش فرصة إطلاقًا، وكمان دفعنا عشر آلاف جنيه، يعني خلاص وقت الرجوع انتهى، وفعلًا خدنا الفستان وروحنا أنا وخالتي وأمي وقابلنا التُربي، وقولناله على اسم الشاب إياه، وخدنا فعلًا لحد القبر وفتحه، وكان شرطه أنزل أنا بنفسي أدفن الفستان، كان موقف صعب، مُر.عب، بس غصب عني عملته، وربنا نجاني ومحصلش أي حاجة تقريبًا..

واستنيت، استنيت أسبوع لحد ما كلمنا ناس جيران وقالوا إن فيه شاب عايز يتقدملي، ومن حُسن حظي كان هو نفس الشخص، والغريب إن الأمور كانت سلسة جدًا، جه واتقدم هو وأهله ومن أول قعدة اتفقنا على كل حاجة بدون أي مشاكل.. وحسيت لأول مرة بالفرحة، الفرحة الشديدة، خلاص هتجوز، ومش أي شخص، أنا هتجوز شاب غني وكويس جدًا جدًا، ونسينا للأسف، نسينا موضَوع الفستان تمامًا، وبدأت أحضر تجهيزات الفرح ونرتب الشقة وكل حاجة، وخلال شهر واحد كنت مع عريسي في شقتنا..

دخلت أخد دش وأنا طايرة من الفرحة، ومسافة ما خرجت بدأت أسمع صوت جاي من أوضة النوم، فتحت الباب بهدوء ودخلت، ولقيت واحدة لابسة فستان فرح وقاعدة على السرير، كانت واحدة وشها أزرق وفستانها غرقان بالدود، وعنيها مكنتش موجودة مكانها عبارة عن فراغ، مقدرتش أتحمل ووقعت من طولي بدون ذرة تفكير..

صحيت على جوزي وهو بيصحيني وقلقان جدًا، تمالكت نفسي ومحكتش أي حاجة وفضلت ساكتة، ومسافة ما جوزي دخل ياخد دش بدأت أسمع نفس الأصوات جاية من الحمام، الأصوات الغريبة والغير مفهومة دي، قربت من باب الحمام وأنا بتنفض، ومسافة ما فتحت الباب لقيت جوزي بيستحمى مع واحدة، نفس الست، هو مغمض وتايه زي المنوم، وهي حضناه والدود بينزل مع المية على جوزي وعلى الأرض..

ووقعت من طولي من تاني، وبدأ القلق ومقدرناش نعمل أي حاجة، واتكرر الموضوع لمدة تلت ليالي، كل ما كان بيقرب مني كنت بشوفها نايمة جمبي على السرير، لحد ما فاتحت أمي وخالتي، وجرينا على الدجال اللي سأل سؤال واحد: ـ شيلتوا الفستان يوم ما اتقدم ولا لا؟؟

شهقت أمي، وعرفنا إن الفستان اللي متشالش هو السبب، وإن دي عروسة من المقا.بر من طول بيات الفستان في الق.بر لبسته وراحت لصاحب القبر، قالنا نروح نشيله بكرا ونيجي بالفستان لحد عنده وهو هيشوف هيعمل أيه، أمي قالتلي أرجع لجوزي وهي هتنفذ المهمة، وفعلًا رجعت لجوزي، بس تاني يوم صحينا على خبر ملعون، أمي لقوها حاضنة فستان فرح وميتة قدام مقابر أهل جوزي، واتكشف الموضوع كله واتفضحنا أكتر وأكتر.. اتطلقت، وأمي ماتت، وزي ما كان بيتقال علينا حرامية بقا بيتقال سحرة ودجالين كمان، وأنا اتوقف حالي من يومها وحتى يومنا هذا، يومنا هذا اللي بحتفل فيه بعيد ميلادي الخمسين لوحدي..

يارتني اتعلمت حاجة واحدة بس في حياتي، إن أي حاجة سهل أوي تحصل عن طريق الدعاء والحلال، وصعبة أوي في طريق الحرام، حقيقي المقولة اللي بتقول “لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع”.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى