روايات

الأرض السوداء للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

مكنتش متخيلة في يوم من الأيام إن هيجيلي عريس من الفيوم، المحافظة اللي بنقول على أهلها فلاحين ولسة متأخرين عننا بسنين ضوئية، بس واضح إن أفكاري الغبية دي هتكون سبب نهايتي لأني اكتشفت إننا هنا اللي مبنفهمش وإنهم اللي فاهمين كل حاجة، وتحديدًا عن الأرض السودة.. أبويا كان بيستورد فاكهة من تاجر كبير أوي في الفيوم للهايبر بتاعه، وكان بينهم شغل بفلوس كتير أوي، شغل بملايين زي ما بيقولوا، لأن الراجل كان بيبعت لأبويا حاجات الهايبر كلها من الإبرة للصاروخ وبأسعار منحلمش بيها أبدًا..

رغم كدا أبويا كان دايمًا بيتعامل مع الراجل بجفاء وبطريقة مش حلوة، رغم إن الراجل كان فعلًا بيتعامل مع أبويا على إنهم أصحاب مع بعض، لحد ما فعلًا الراجل بدأ يحس بالخجل والإحراج من معاملة أبويا.. اكتشفنا إنه كان بيبيع بالأسعار دي بحُكم العُشرة اللي بينهم، إنما هو قادر يبيع بمبلغ أكبر من كدا ويكسب أكتر، عشان كدا في يوم وليلة وقف التعامل مع أبويا في كل حاجة، ودي كانت ضـ,ـربة كفيلة تدمـ,ـر شغل أبويا كله..

من بعدها أبويا حاول مع التُجار ولقى الأسعار أغلى بكتير أوي، واضطر يرفع أسعار المنتجات في الهايبر وبدأت المبيعات تنزل للنص وأكتر، الهايبر كان مشهور عشان أسعاره قليلة مش أكتر.. ولما أبويا كلم الراجل تاني اللي كان اسمه (حُسني) لقاه بيتعامل معاه بطريقة مش حلوة، لأن الراجل كان جاب آخره ورفض يتعامل معانا، وقالها صراحةً إنه بيحس إنه قليل قدام أبويا، وفضل والدي يفكر كتير لحد ما جالي وقالي إنه محتاجني عشان حاجة فيها مصلحتنا كلنا..

وقالي إن الراجل عنده كمية منتجات تكفينا سنة قدام لكنه رافض يبعهالنا، والحاجة الوحيدة اللي تخليه يدينا المخزون كله إني اتخطب لابنه، أنا فاكرة إنه لمح قبل كدا عليا وخدنا كلامه بسخرية، بس دلوقتي أحنا محتاجين ده جدًا.. استغربت طلب أبويا، وقالي إنه هناك بيطلبوا شبكة كبيرة أوي للعروسة بتوصل لـ ٢٠٠ جرام دهب، والراجل غني ومش هيبخل على خطيبة ابنه بشبكة كبيرة، وممكن خلال ٦ شهور نكون خدنا بضاعة كبيرة ونملى المخازن وبعدين نفسخ الخطوبة بكل سهولة..

ولأول مرة أبويا يتحايل عليا ويترجاني بالطريقة دي، قالي اعتبرها مغامرة هنعملها ومش هتاخد أي وقت.. ولقيت الموضوع مثير فعلًا ويستحق، أبويا كلمه وقدر يقنعه بالموضوع وقاله إننا سألنا وعرفنا إنهم ولاد أصول ومش هيلاقي أحسن من ابنه ليا، والراجل أول ما عرف كدا كان هيطير من الفرحة، وقرر إنه يزورنا هو وابنه في نفس الأسبوع..

اتفقنا على كل حاجة من أول قعدة، عريس فيومي هياخد بنت من المعادي، حكاية تنفع فيلم عربي، وطبعًا كنت بتعامل بتعالي غير طبيعي معاه وهو كان مستحملني لأنهم كانوا فرحانين بالنسب بتاعنا جدًا، هناك غالبًا بيحبوا يفتخروا بكل حاجة، بالعيلة، بالنسب، بالفلوس والبيوت، ومفيش فخر أكتر من إنه اخد لابنه بنت من المعادي..

وفعلًا عملنا حفل خطوبة عندنا في كافيه فخم جدًا واتصورنا ولبسنا الدهب اللي كان داخل في ربع كيلو دهب وبقيت مخطوبة رسمي لمعتز ابن الحج حُسني، وبدأت التجارة تنشط تاني بين أبوه وأبويا، وبقا يبعت لأبويا كميات كبيرة من كل حاجة، وبأسعار محدش يتخيلها، لدرجة إن أبويا خلال شهرين بس فتح فرع تاني وقدر يعرض فيه كل المنتجات اللي ممكن حد يحتاجها، والحساب البنكي بقا اتنين وتلاتة..

فضلت ٦ شهور عايشة على هدايا كتير أوي من خطيبي، وبيت بيتبني مخصوص عشاني في الفيوم، وكنت بروح مع والدي نقضي أحلى أيام هناك في أماكن جميلة جدًا جدًا، لحد ما حددوا ميعاد الفرح وقعدت مع والدي عشان نشوف هنبوظ الموضوع ازاي.. اتفاجئت إن والدي عايز يكمل ولو سنة كمان حتى لو هتكون سنة جواز وبعدين نطلق، وبدأ يغـ,ـريني إنه هيشتريلي عربية ويفتحلي حساب بنكي وليا نسبة من أرباح الهايبر التاني، غير إني هتدلع في بيت جوزي وهطلع بهدايا كتير وبعدين الطلاق مفيش أسهل منه..

وافقت، لأني كنت ميالة أغير البيئة وأعيش هانم في بيت كبير وسط الأراضي الزراعية، وقبل الفرح بأيام روحنا نتفرج على البيت وبالمرة نقضي يومين في الفيوم، وصِدقًا الأجواء هناك كانت ممتازة، كنت مستمتعة بكل تفصيلة في البلد.. والقعدة ع سطح البيت بتخليك مش عايز حاجة تاني من الدنيا، لحد ما سمعت صوت فرح جاي من بعيد، سألت خطيبي لقيت وشه اتخطف ومردش عليا، وده آثار فضولي أكتر وأصريت عليه يتكلم، وقالي إن كل سنة في اليوم ده بيتعمل فرح للجِن في الأرض اللي هناك دي، الأرض اللي بيسميها أهل البلد (الأرض السودة)..

بصتله بصة استهزاء كبيرة وضحكت على كلامه، وتأكدت من انطباعي عن أهل المحافظة دي، أحنا فعلًا سابقينهم بسنين ضوئية.. عشان كدا قررت أعمل أكبر مغامرة في حياتي، قولتله إني عايزة فرحي يتعمل في الأرض دي، قالي إن ده مستحيل، قولتله يا يتعمل في الأرض دي يا مش هنعمل فرح ومش هنتجوز، وده شرطي الوحيد.. اتمسكت بالشرط ده بطريقة أنا نفسي مكنتش فهماها، ولما أبوه عرف رفض تمامًا، وقال اللي بيدخل الأرض دي مبيخرجش منها فما بالك بفرح كامل، وقال إننا لو عملنا الفرح محدش من أهل البلد هيحضر وكله هيخاف..

ولقيت والدي متضايق من أفعالي وطلب مني اتنازل عن الشرط ده، وكله بقا بيضغط عليا لحد ما قررت أحط شرط بيني وبين خطيبي، إننا ندخل الأرض مرة واحدة لوحدنا، وقدام إصراري ولما نعته بالجبان وافق.. وافق عشان يبان قدامي إنه راجل، وروحنا الأرض في نص الليل، أرض مهجورة وفيها صمت غريب، حتى الكلاب اللي مالية البلد مبتقربش منها، أرض فاضية تمامًا ومستوية بطريقة غريبة فعلًا.. حسيت برهبة وخوف لكني تمالكت أعصابي، ودخلنا الأرض وأنا شايفة خوف في عنين خطيبي، لحد ما طلب مني نرجع، وزي المجنونة بدأت أصرخ عشان أحس بالإثارة، بنت متدلعة ومش فارق معاها حاجة..

صرخت وصرخت لحد ما اتردد صدى صوتي في كل مكان، في اللحظة دي بدأت أسمع صرخات من كل مكان حوليا، صرخات غريبة، كأن فيه ألف ست بتصرخ، ولقيت ٣ ستات ضخام لابسين أسود كانوا بيجروا ناحيتنا، كانوا ضخام بطريقة ترعب، مسكوني وسحلوني في الأرض زي الدبيحة، ومتحملتش لحظة كمان وفقدت الوعي تمامًا.. لما صحيت لقيت عدد مهول من الناس شايلين جسمي وبيجروا بيا في البلد، كنت حاسة بنفسي كأني متخـ,ـدرة، أو مشلولة، ودونا المستشفى وعرفت إنهم طلعوني من مقبرة قديمة أنا وخطيبي كنا نايمين فيها، شكلي كان غريب وشعري أبيض..

قعدت في المستشفى أسبوع مصـ,ـابة بهلاوس سمعية وبصرية، مبسمعش حاجة غير صراخ الستات ومبشوفش غير حاجات غريبة، مرة غربان، مرة بومة سودة، مرة قطة بعين واحدة، لحد ما دخلوني مصحة قعدت فيها ٣ سنين وخرجت منها فاقدة النطق تمامًا وسمعي شبه اتدمـ,ـر، وخطيبي جاله شلل بعد الحادثة بأسبوع.. للأسف، كنا فاكرين أنا وأبويا إن الاستغلال ذكاء، وكنا شايفين الناس أقل مننا، مكناش نعرف إن اللي بيستغل الناس بيجي يوم ويقع في شر أعماله، وإن اللي بيشوف نفسه أذكى وأرقى من الناس بيقع وقعة صعبة أوي في حياته، غلطنا غلطة كبيرة كلفتنا كتير أوي..

وأهل خطيبي غلطوا، غلطوا لما قللوا من قيمتهم وحبوا يفتخروا في بلدهم إنهم مناسبين ناس من منطقة راقية ع حساب الدين والأخلاق، كان عايز يتفشخر قدام الناس بخطيبة ابنه أهو فقد ابنه تمامًا.. ربنا خلقنا فقراء له، نتواضع له، منحتـ,ـقرش الناس، ولا نقلل من نفسنا، ولا نتفاخر قدامهم، كلنا عبيد لله وحده، نعيش لمرضاته وبس، غير كدا هتتعب، هتتعب أوي.. [إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ] سورة لقمان بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى