روايات

أنين بداخل المقبـ,ـرة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

كل حاجة بدأت من قدام مقـ,ـبرة أبويا، وكل حاجة انتهت برضه قدام مقـ,ـبرة أبويا، وكأن المقـ,ـبرة هي أرض الميعاد، الشاهد على اللي حصل لعبير محمود سالم، واسمحولي افضفض بسر رهيب كاتم على نفسي من وأنا طفلة، سر كنت فيه ضحية لعمي أخو أبويا.. ………………. “تحبي تيجي معايا يا عبير” الجملة دي قالها عمي صقر بابتسامة وهو مستني الرد مني، بصيت لأمي ببراءة طفلة عندها تسع سنين عشان تبتسم وتقولي: ـ روحي بس متتأخريش..

فرحت أوي وخرجت وأنا ماسكة في إيد عمي صقر، كنا ساكنين جمب المقـ,ـابر مباشرة، بيت عيلة وكلنا مع بعض أربعة وعشرين ساعة، وعمي صقر كان التربي بتاع البلد، بيدفـ,ـن ويزرع الصبار ويحمي المقابر من أي حاجة ممكن تحصل.. كان كل يوم على بعد العصر بينزل يسقي الصبار ويلف يطمن إن كل حاجة تمام، كنت بحب أوي التجول في الترب، بل إننا كنا بنلعب كل يوم أنا والعيال استغماية هناك، وياما أهالينا ضـ,ـربونا بسبب ده، بس متعة اللعب كانت بتنسيني أي علقة..

خرجت أنا وعمي من البيت ودخلنا على حارات المقـ,ـابر، مسكت في إيد عمي جامد وبدأنا نتجول في الحارات هنا وهناك، وقفنا شوية نسقي الكام شجرة الصغيرين اللي قدام مقـ,ـابرنا وبعدها كملنا لف، كل حاجة كانت تمام وخلاص كنا راجعين وأنا مبتسمة وفرحانة.. بس الغريب إننا سمعنا صوت همهمات غريبة جاية من مكان في المقابر، قربنا من مصدر الصوت لقينا اتنين ستات واقفين قدام تربة بيدعوا، وقف يراقبهم عم صقر لحد ما خلصوا وشافونا، اتكلمت واحدة منهم وسلمت على عمي وعليا، وبعدها سابونا ومشيوا..

في اللحظة دي بصلهم عم صقر وبالأخص على ضهرهم وبدأ يركز أوي، كنت واقفة جمبه مش فاهمة هو مركز على أيه، بس نظرة عنيه بدأت تتغير، حسيت بإيده بتتحسس على صدري بطريقة مخيفة، كنت خايفة لأول مرة منه، مكنتش قادرة أشيل إيده اللي بقت بتتحسس جسمي كله بطريقة عنـ,ـيفة، دموعي نزلت وأنا مش فاهمة أبه اللي بيحصل.. وفجأة شدني ورا تربة وقالي: ـ أقلعي هدومك يا عبير..

بصتله بذهول وفضلت ساكتة مش قادرة أنطق، بس هو مرحمنيش، مرحمش بنت أخوه اللي عندها تسع سنين بس، وقلـ,ـعني كل هدومي، ووقفت في قلب المقـ,ـابر والنهار بيروح مكسوفة، بحاول أخبي جسمي عنه وعن عينيه اللي كانت بتبصلي بطريقة مخيفة.. كل إللي فاكراه وقتها ألم، ألم، ودموع كتير أوي، وخـ,ـربشة، وأماكن المفروض نغطيها بس هو كان بيضـ,ـربني عليها، ده اللي أقدر أقوله، بعدها كان الليل خلاص دخل، قالي انزلي هنا، كانت تربة مفتوحة، نزلت بدون أي اعتراض، لقيته بيرميلي لبسي حتة حتة ويقولي ألبسي هدومك، لبست هدومي وقعدت جوة القـ,ـبر وحاسة بضيق غريب جوة صدري، خوف، وقـ,ـهر، ووجـ,ـع..

فضل أكتر من نص ساعة قاعد قدام التربة، بعدها بصلي وقالي: ـ أنتي هتفضلي هنا من انهاردة.. سمعت كلامه ولقيت نفسي ببكي، ببكي بحـ,ـرقة، كمل كلامه وقال: ـ ولا عايزة تخرجي؟؟ بصتله وعنيا بتدمع وهزيت دماغي بنعم، قالي: ـ خلاص يبقا اللي حصل ده يبقا سر بينا، سر محدش يعرفه أبدًا وإلا هرجعك هنا.. هزيت دماغي بنعم تاني، وروحنا البيت، روحنا عشان أفضل لمدة يومين مريضة، قيئ وسخونية وكوابيس كتير، بس مقدرتش أنطق، مقدرتش إطلاقًا..

فضل الحال كما هو عليه، وفي يوم وأنا بلعب قدام البيت خرج ومسكني من إيدي وخدني على نفس المكان، حاولت أبص لأمي اللي كانت قاعدة قدام الباب عشان تقوله لا بس هي مكنتش مركزة معايا، حاولت أقوله عايزة ألعب بس خوفت منه، ومشيت معاه في استسلام تام.. وحصل أفظع من المرة اللي فاتت، طلب مني حاجات أعملها، حاجات مقززة خلت جسمي يقشعر، ودموعي تسيل، وجسمي يوجـ,ـعني، بس هو مرحمنيش، واعتـ,ـدى عليا من تاني..

واتحول الموضوع من رغبـ,ـة لعـ,ـادة، وبقا أسبوعيًا لازم مرة على الأقل، وكنت لما برفض أو اتجرأ عليه كنت بتحـ,ـبس في التربة ساعة أو أكتر، ست سنين، ست سنين دموع وألم وقهر ووجع وأنين، ست سنين بنروح زيارتنا المعتادة وبيعتـ,ـدي عليا، كان خبـ,ـيث، حافظ المقـ,ـابر شبر شبر، عارف المكان اللي مستحيل حد يشوفنا فيه..

كان عارف ازاي يمثل إنه عم صالح وبيحبني، قدامهم مغرقني حلويات ولعب، ومن وراهم قـ,ـاتل كل حاجة جوايا، وبدأت الأيام الأسـ,ـوأ في حياتي، وقعت في صدمة عصبية في مرة خلتني ارمي نفسي من فوق البيت، بس ممـ,ـوتش يومها، رجليا اتكسرت بس، ومن يومها بقيت عبير المجنونة، والاسم أنا كنت أستحقه عن جدارة، لأني بعد ما قمت من الجبس جتلي لوثة عقلية غريبة..

لوثة كان هو بطلها، كوابيس وصراخ وأدوية، كنت كل ليلة بشوف نفسي جوة التربة عـ,ـريانة وهو بيعتـ,ـدي عليا، وكنت بقوم أصرخ من نومي، حاولت أقـ,ـتل أمي في حالة هياج كذا مرة، كنت بضـ,ـرب العيال في الشارع يوميًا بالطوب وهما يزفوني بكلمتين “عبير المجنونة”.. في المرحلة دي هو تلاشاني نهائيًا لما حس إني بقيت خطر وممكن أقول أي حاجة، بس أنا مقدرتش انسى، وفضلت لحد عمر 18 سنة وأنا كدا، عندي لوثة عقلية غريبة، ومن كرم ربنا إن جه دكتور شاطر في الوحدة عندنا شاف حالتي وقرر يوديني مركز تأهيل نفسي، واتحجزت هناك ست أشهر كاملين..

علموني هناك إن الدنيا بتطحن الضعيف اللي مبيعرفش ياخد حقه، وإني لازم أبقا قوية عشان أقدر أعيش، خلوني أواجه نفسي قدام المراية مرات ومرات، علاج مستمر وتأهيل نفسي مكثف خلاني نوعًا ما حالتي تستقر، قدرت اتحكم بعدها في حالات الهياج نوعًا ما.. ورجعت بيتي، وبقيت منعزلة عن العالم، عايشة تايهة في ملكوت الله، بس في الفترة دي اتعلمت أونلاين كتير أوي، فهمت كل اللي حصلي وحللته، مع اللي اتحكالي عن جناني عرفت كل حاجة تقريبًا..

وغرقت في عالم القراءة أيامها، لا وكمان كتبت مذكراتي واحتفظت بيها زي الكنز النفيس، وجه فارس الأحلام، كان قريبنا من بعيد، وكان عارف كل حاجة عني، كل هبلي وجناني، سمعت إنه حارب الدنيا كلها عشان يتجوزني، وأبويا ما صدق، وافق زي اللي بيتخلص من كرب وبلاء، واتجوزت سمير.. سمير اللي كان ملاك نازل من السما، حصلتلي حالة هياج ليلة الدخـ,ـلة واستحملني، فضل يحاول معايا شهرين كاملين، كنت بحاول بس مسافة ما كان بيلمسني كنت بثور، بشم ريحة صقر، بحس بنفس شعور النفور والألم، وكنت بقع في حالة هياج مبتروحش غير لما يبعد عني ويروح ينام في حتة تانية..

ست شهور كاملين مش عارف يلمـ,ـسني، طلبت منه يطـ,ـلقني بس كان بيبتسم ويمشي، لحد آخر مرة لما قسوت عليه عشان يطلقني لأني ظلماه سمعته بيقول: ـ خلاص مش عايز حاجة خلينا نعيش كدا، بس طلاق مش هطلقك.. يومها بكيت، بكيت طول الليل على كسرة قلب إنسان مالوش ذنب في لعنتي دي، وجتلي الصدمة الأكبر يومها بمـ,ـوت أبويا، وجرينا على بيت العيلة، وبكينا وصرخنا، واتدفـ,ـن أبويا تاني يوم، اتدفـ,ـن وخد حتة مني معاه..

ورجعت شقتي، ليلتها ولأول مرة نمت في حضن سمير، زي الطفلة اللي بتنام في حضن أمها بعد ما بتضـ,ـرب من أبوها، نمت يومها بعمق، نمت كأني لسة مولودة، وهو معملش أي حاجة إطلاقًا، احتواني ونام، نام وبس.. تاني يوم كانت جوايا مشاعر غريبة تجاه سمير، هل هو ده الحب اللي بيقولوا عليه، يمكن، سمير اللي فضل يومين يخدم عليا ويأكلني ويعاملني زي البنت الصغيرة.. وفي لحظة هزار بينا بعد أسبوع قولتله: ـ أنا هديك حقك الشـ,ـرعي..

ارتبك وقالي: ـ المهم تكوني بخير وبس يا عبير.. ـ أنا هبقا بخير بعد مشوار انهاردة وهاجيلك بالليل.. وسبته ورجعت لبيتنا، كانت شقة عمي صقر تحت، وكنت عارفة إنه مبيخرجش غير بعد العصر، سلمت عليهم وبصتله في عنيه أوي، ولما سألتني مرات عمي أنا رايحة فين قولتلها هزور أبويا.. وسبتهم ومشيت وأنا بدعي ربنا إنه يجي ورايا، وفعلًا اللي حسبته اتحقق، وأنا واقفة قدام قبر أبويا وفجأة ظهر ورايا، بس أنا متخضتش، بصة الخوف اللي كان بيشوفها سنين ملقهاش انهاردة..

ـ كبرتي يا عبير.. ـ سنة الحياة يا عمي.. ـ فاكرة لما كنا بنيجي أنا وأنتي هنا؟؟ ـ فاكرة كل مرة منهم يا عمي، وكمان فاكرة أول يوم جينا نسقي الشجر ده، شوف كبر ازاي يا عمي.. ـ سنة الحياة يا عبير زي ما كبرتي وبقيتي زي القمر كدا.. وقتها كانت بصته بتتغير، نفس البصة اللي بصها للاتنين الستات أول يوم أروح معاه، مديت إيدي وقرب مني، قرب وحط إيده على كتفي، وبكل غل الدنيا، بكل لحظة ألم حسيتها منه طلعت خنجر من الشنطة وطعـ,ـنته في مكان ذكورته..

طـ,ـعنته طـ,ـعنة مـ,ـوت، الخنحر اتغرز في رجولته حتى النخاع، شهق وبصلي برعب وألم، نظرة ياما اتمنيت أشوفها منه، وسحبت خنجري وسبته يقع من طوله ويترعش زي الدبـ,ـيحة بدون أي ذرة إشفاق.. ………………. عمي ممـ,ـتش، عمي من حظه كان في جـ,ـنازة في الوقت ده طالعة، ولحقوه، واتعمله عملية استئصال لذكـ,ـورته كلها، كنت واقفة على راسه مع البيت كله، بصاله في عينيه، مستنياه يقول إن أنا اللي طـ,ـعنته، بس مقدرش ينطق، قالهم إن طلع عليه حـ,ـرامية ضـ,ـربوه وميعرفهمش..

أيام بس وجاله اكتئاب واترمى زي الكلب في السرير، وكنت حريصة كل يوم أروح بيتنا وأدخل أوضته أبصله في عينيه وأقوله ألف سلامة، كنت بتعمد أبصله لحد ما ينزل عينيه زي الذليل، كنت بتعمد أهينه، أكسره، زي ما كسرني زمان، بقا بيطلب إني مجيلوش، بس أنا كنت زي الشيطان حاضرة كل يوم قدامه، بفكره بأنه مبقاش راجل، وبقا لا يصلح لشيء.. خلفت بعدها بفترة بسيطة، خلفت نور، نور اللي عوضتني عن كل حاجة، نور اللي من أول يوم حميتها فيه بدأت أفهمها، ده جسمك، وممنوع حد يلمس هنا وهنا أبدًا..

ولو حصل أجري وتعالي أحكيلي فورًا ومتخافيش ـ جسمك ملكك وبس يا نور، ماما بس اللي مسموح لها تشوف جسمك.. ولسة بنتي لما تكبر هخليها تحكيلي عن كل مشوار راحته وعملت أيه، مش هسمح لحد إطلاقًا يلمسها، ياريت أمي كانت عملت معايا كدا.. قصة حقيقية…. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى