
الفترة دي حالتي المادية وصلت معايا لتحت الصفر تقريبًا، وصلت لمرحلة إني استلفت من طوب الأرض وبقيت مديون بفلوس كتير، ويشهد ربنا إني بستلف بس عشان ناكل أنا ومراتي وبنتي، اطردت من الشغل بسبب إني كشفت عملية احتيال في مخازن الشركة، وطبعًا عشان المدير هو اللي بيسرق فعرف يطلعني أنا اللي حرامي، واطردت من الشركة في آخر الشهر وكمان اتخصم مرتبي كله..
ودفعت كل اللي محوشه للإيجار وبقينا حرفيًا بدون أي مصدر دخل، وصلت لمرحلة إني بقيت انزل الصبح أدور على شغل وأنا ماشي على رجلي أو اشتغل باليومية مع أي عامل بيبني عشان أجيب أكل لمراتي وبنتي، وضاق الحال أكتر وأكتر وبقيت ببص للسما ود.موعي على خدي كل يوم، بناديه وأطلب منه الرزق والرحمة، ما أنا مليش غيره هو اللي خلقني وهو اللي يرزقني..
لحد ما جت وقفة العيد الكبير، وحرفيًا مكنش معايا تمن كيلو لحمة، وبدأت بنتي اللي عندها تمن سنين تبكي وتطلب مني فستان جديد عشان تلبسه في العيد وسط أصحابها وهي بتلعب في الشارع، وحسيت وقتها بخنجر بارد بيقطع في قلبي لما عرفت إني مش هقدر أجيب لها اللي نفسها فيه.. ومن شدة حزني نزلت للشارع وأنا تقريبًا عامل زي التايه، اللي عقله ضايع، ماشي أكلم نفسي زي المجانين، جعان ومش عارف أروح ولا أجي منين، روحت للسوبر ماركت وطلبت أكل على الحساب بس صاحب المحل رفض وطالبني باللي عليا..
حسيت بإحراج الدنيا، عرفت وقتها إن الحال ممكن يتبدل في لحظة وإننا غرقانين في النعم بس مش حاسين بيها، ولمحت قدام صندوق الزبالة كيس مكتوب عليه برجر، بصيت يمين وشمال ملقتش حد شايفني، قربت من الكيس وفتحته بس كان فاضي، اتعصبت تكتر ولقيت نفسي بدور في صندوق الزبالة على أي أكل، كنت قرفان بس الجوع تعبه أكبر، ووسط ما أنا بدور لمحته.. فستان صغير بس غرقان د.م، ولحظتها افتكرت ريم بنتي وهي بتطلب مني فستان، اتمنيت من كل قلبي إن الفستان يكون مش عليه د.م كنت هاخده، بس
ثانية واحدة، وهيفرق في أيه ما أنا هنضفه كويس عشان خاطرها، دورت في الفستان كويس لقيته سليم وشيك جدًا، حطيته في كيس أسود من وسط الزبالة ورجعت للبيت، مراتي شافتني بالكيس وسألتني بس أنا اتهربت ودخلت على الحمام بسرعة.. ………………. فتحت المية وحطيت الفستان فيها وبدأت أغسل فيه عشان الد.م يخرج، وبعدها خدته وروحت على المغسلة، كانت آخر خمسة جنيه معايا وكنت شايلها لأكل بالليل، دفعتها للراجل وطلبت منه يسامحني ويغسل الفستان بيها ويكويه.. الراجل كان شهم وحلف ليعملوا ببلاش وفعلًا حط الفستان في المغسلة واستنيت معاه ساعة لحد ما اتغسل واتكوى ورجع جديد كأنه طالع من الكيس..
خدته وجريت زي الطفل الصغير على بنتي اللي صرخت من الفرحة وحضنتني حضن نسيت بيه الدنيا كلها، وشوفت في عنين مراتي نظرة خوف، وكأنها قلقانة أكون سرقت عشان أجيب الفستان، طمنتها ودخلت أنام شوية لحد تاني يوم، العيد، وعدى العيد وربنا رزقنا بهدايا من الأهل والحمد لله اتسترنا حتى في أكل اللحمة عشان بنتي متحسش إنها محرومة..
وبعد العيد على طول كملت رحلة البحث عن أي شغل، وفي ليلة مريبة صحيت عشان أشرب وعديت من قدام أوضة بنتي، واتسمرت مكاني لما سمعت صوت بنتي بتكلم حد في الأوضة، قلت يمكن بتتكلم وهي نايمة، بس الحوار كان طويل ولو إني مفهمتش ولا كلمة من اللي بتتقال، فتحت باب الأوضة بالراحة وعلى النور الضعيف لمحت ظل طفلة واقفة قدام سرير بنتي اللي ممددة على السرير..
جسمي كله اتلبش وخفت على بنتي وفتحت النور في لحظتها عشان اتفاجئ إن بنتي لوحدها ونايمة كمان، قربت منها واطمنت إنها نايمة وقفلت عليها الباب ورجعت مكاني، بس اول ما رجعت سمعت صوت حاجة بتتحرك في الصالة، قلقت شوية خاصة إن بنتي لسة شايفها وكانت نايمة، خرجت للصالة وفوجئت بظل بيجري ناحية الحمام وصوت ضحك أطفال..
الموقف خلى شعر جسمي كله يقف وقلبي ينط من مكانه، قربت من الحمام وأنا بترعش وبدعي ربنا تكون تخيلات، فتحت باب الحمام بالراحة خالص واتنفضت من مكاني لما لمحت الظل خرج يجري من الحمام ناحية أوضة بنتي، جريت بسرعة على الأوضة وأنا بنادي باسم ريم، فتحت الباب وبصيت ملقتش بنتي مكانها، قلبي وقع مكانه.. وصرخت لما حاجة لمست إيدي، بصيت ورايا لقيت ريم واقفة مبتسمة وهادية تمامًا، حضنتها بخوف وسألتها: ـ أنتي كويسة؟؟ ـ أيوة يا بابا كويسة..
حمدت ربنا إنها بخير وحمدته أكتر لما لقيت مراتي لسة نايمة مصحيتش، رجعت ريم للسرير وبوستها وغطتها وجيت أخرج من الأوضة عشان تقول: ـ يا بابا نورا بتقولك بلاش تيجي الأوضة بالليل.. بصتلها بذهول وقولت: ـ نورا مين يا حبيبتي؟! ـ نورا صاحبة الفستان يا بابا.. واتنفض جسمي كله وأنا بحاول استوعب الكلام اللي بيتقال ده، حاولت أتمالك الموقف وأطمن بنتي إنها بتتخيل ورجعت أنام وإن مقدرتش إطلاقًا..
تاني يوم وفي نفس التوقيت صحيت من نومي على صريخ مراتي في الحمام، جريت عليها وكسرت الباب وأنا في حالة فزع عشان اتفاجئ بيها مرمية في الأرض وبتتنفض، خدتها وجريت على برا عشان تقول إنها شافت طفلة مدبـ ـوحة في الحمام.. ووسط بكائها لقيت ريم بتطبطب عليها وبتقول: ـ أنا هخليها متخوفكيش تاني يا ماما.. تجاهلت كلام ريم عشان أطمن على مراتي الأول، دخلتها تنام ورجعت ريم سريرها وقعدت في الصالة أفكر، وإن كانت دماغي واقفة خالص، حاسس إني مضغوط وهنف.جر، مكنتش ناقص في حياتي أي أحداث جديدة خالص..
فتحت الشباك ولمحت العمارة الكبيرة اللي قدام البناية المتواضعة بتاعتي، واللي ساكن فيها المدير اللي طردني، حسبي الله ونعم الوكيل فيه، ووسط تفكيري قطع نور الشقة كله، وقبل ما اتحرك من مكاني وأروح أشوف بنتي ومراتي سمعت صوت حاجة بتزحف من تحت الكراسي، جسمي كله اتخشب وحسيت إن قلبي هيخرج من مكانه.. ولعت نور الكشاف بالراحة وسلطته ناحية الكرسي اللي جاي من عنده الصوت، وشهقت، شهقت بكل رعب الدنيا لما لمحت طفلة خارجة من تحت الكرسي، مدبـ ـوحة ورقبتها بيسيل منها د.م وعنيها بيضا وشعرها مخلوط بد.مـ ـها ونازل على وشها..
رجعت مكاني عشان أقع في الأرض، لقيتها وقفت وضحكت بصوت عالي وجريت زي الصاروخ ناحية أوضة بنتي، قمت من مكاني وأنا بترنح وجريت ناحية الأوضة لقيت الباب مقفول، خبطت بكل عنف وكنت هكسر الباب، مراتي صحيت وهي مرعوبة بس طلبت منها متخرجش من أوضتها، ض.ربت الباب مرة واتنين وأنا همو.ت من القلق على بنتي، كنت سامع صوت الضحكات زي ماهي.. في النهاية الباب اتكسر، لقيت بنتي واقفة وباصة للمراية في ثبات، سلطت الضوء ناحيتها وشوفت، شوفت انعكاس بنتي في المراية، كانت هي البنت المدبـ ـوحة، جريت على بنتي عشان تقولي بغضب:
ـ متخضناش يا بابا كل شوية عشان نورا متزعلش مني.. وقفت مكاني متخشب ببص برعب ناحية بنتي وناحية انعكاسها المرعب وقولت بصوت لاهث: ـ قوليلها تمشي يا ريم عشان أحنا بنخاف منها.. بصتلها وهمست لها، شوية وقالتلي: ـ بتقولك لازم تخرجها من سجنها عشان تمشي.. الرعب راح من قلبي وحسيت بالتعجب وقولت: ـ سجن أيه يا ريم؟! ـ السجن اللي مدفونة فيه، موافق ولا لا؟؟ خوفي على بنتي خلاني أقولها موافق، وفعلًا خرجنا من العمارة بعد ما النور جه وأطمنت على مراتي، مشيت معاها لبعد العماير الكبيرة ناحية الأرض المهجورة، وبعد ما وصلنا لنص المكان المظلم والمُخيف قولت لريم:
ـ فين يا ريم؟؟ لقيتها بصت ورايا وقالت: ـ فين يا نورا؟؟ بصيت ورايا بسرعة وشهقت من تاني، شهقت مو.ت، كانت الطفلة المدبـ ـوحة ماشية ورانا ورقبتها بتنـ ـزل د.م، مسكت كف بنتي بقوة ووقفت أراقبها وأنا مرعوب، بترعش، كان شكلها مُخيف وهي ماشية وسط أرض فاضية مُظلمة وراحت وقفت على مكان وشاورت عليه، بنتي شدتني من إيدي وقالت: ـ يالا يا بابا أحفر.. طبعًا كان مستحيل أقرب وهي واقفة، لقيتها بعدت شوية بشكلها المُرعب، وغصب عني لقتني بحفر بكل قوتي لحد ما ظهرت الجـ ـثة، استعذت بالله وقولت لريم وأنا ببكي من الحزن:
ـ مين اللي عمل كدا؟؟ بصتلها شوية ورجعت قالتلي: ـ اللي طردك من الشغل.. وقتها وقفت أبص بذهول ناحية بنتي، بصيت ناحية نورا لقيتها مش موجودة وكأنها اختفت، رجعت الجثـ ـة مكانها بسرعة وردمت عليها، فيه حاجة لازم اتأكد منها، فضلت مستني تاني يوم بفارغ الصبر.. واتصلت بسرعة بزميل ليا وطلبت منه يعرفلي اسم بنت المدير، قلق مني شوية بس أنا طمنته، شوية واتصل بيا وقال إن ملوش بنات، بس مراته الجديدة عندها بنت اسمها نورا بس تايهة بقالها كام يوم..
وهنا بس فهمت، فهمت كل حاجة، المدير اللي طردني وساكن جمبي هو اللي قت.ل بنت مراته أيًا كان السبب وراح دفنها في الأرض اللي ورا العماير عشان محدش يشك فيه.. الله أعلم بينتقم منها ولا كاره البنت، بس أنا لازم أعمل حاجة، ولازم اتحجج بحجة كويسة عشان أبرر للشرطة ازاي لقيت الجثة، وروحت للقسم وبلغتهم إني كنت راجع من الأرض الفاضية امبارح ولفت نظري كوم رمل شكله مختلف في المكان ولما حفرت لقيت جثة..
طبعًا اتحفظوا عليا وراحت قوة للمكان خرجوا الجثة بسرعة، وعدت الأحداث بسرعة غريبة، الطب الشرعي أثبت إن الوفاة بسبب الدبـ ـح، أم البنت كانت مبلغة اللي هي مرات المدير واستدعوها عشان تتعرف على البنت وفعلًا عرفتها.. اتحقق مع الجيران اللي قالوا إن جوز أمها كان بيض.ربها كتير وبيشتمها، ولما اتحقق مع العمال في المصنع اعترفوا إن المدير شخص غير سوي نفسيًا وحرامي وإنه لفق لشخص ما تهمة سرقة المخزن وطرده من الشغل، طبعًا كانوا يقصدوني أنا بس كانوا خايفين يعترفوا في وجوده..
ومع التحقيق المكثف أعترف في النهاية إنه قتـ ـل البنت عشان مكنش طايق وجودها في البيت، وكمان عشان كانت عنده عقدة نقص، مكنش بيخلف ومراته كانت بتعايره إن عندها بنت وهو لا.. بس فوجئ يوم الجر.يمة إنه ق.تل البنت ود.مها غرق فستانها، حاول يقـ ـطع الجثـ ـة بعد ما قلعها فستانها بس مقدرش، ومن خوفه نسي فستان البنت وراح دفن الجـ ـثمان، ولما رجع وفوجئ بالفستان راح رماه في صندوق الزبالة وراح مبلغ باختفاء البنت، كل ده يوم ما راحت أمها تزور حد قريبها..
بس ربك كان بالمرصاد والفستان كان سبب لكشف الجر.يمة، بس الغريب إن الظابط المسؤول عن القضية استدعاني في قعدة ودية، وحكيت له كل حاجة تفصيلًا، طبعًا قالي إنه استحالة يكتب كدا في محضر رسمي مع إنه مصدقني، واستدعى رئيس مجلس الإدارة عشان يرد اعتباري.. وفوجئت بقرار رجوعي للشغل وست شهور مكافأة اعتذارًا من الشركة ليا عشان أنا شخص أمين، وفي يوم وليلة بقيت معايا اللي يسد ديوني كلها ويرجعني تاني لحياتي..
وقتها د.معت كتير أوي، مش عشان فرحان لا، عشان رحمة ربنا اللي متخلاش عني، يمكن ابتلاني فترة وأنا رضيت، ويمكن شوفت أيام صعبة، بس هو كان حنين أوي وجبر بخاطري، وحبيت ابعتلك القصة دي يا أستاذ أحمد عشان تستوحي منها قصة تحكيها للناس وتكون عبرتها حاجة واحدة.. [وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ] سورة البقرة بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




