
أنا بشتغل في جمعية خيرية مسؤولة عن توزيع المساعدات للعائلات الفقيرة، ويمكن أكون المسؤولة الوحيدة في المكان لأن الجمعية كانت في قرية فقيرة ومقر الجمعية عبارة عن شقة صغيرة في مكان ريفي، كانت بتجيلي المساعدات وأنا واتنين عمال بنقسمها ونوزعها حسب جداول الأسماء اللي بتجيلنا..
المساعدات دي كانت كل حاجة ممكن تتخيلها، ملابس وأدوية ومواد غذائية، جهاز عرايس وحتى مواد البناء، كل حاجة كانت بتوصل كنا بنرصها في المخزن ونستنا القوائم وبعدين نوزع الحاجة، ومع الوقت والثقة اللي بقت بينا وبين المؤسسة الرئيسية محدش بقا بيفتش ورانا إطلاقًا، حتى التأكيد على إننا وزعنا كل الكميات كان بيتم بمكالمة تليفون بيني وبين الجمعية الرئيسية..
بس زي ما بيقولوا المال السايب بيعلم السرقة، وممكن نقول أكتر المال السايب بيعلم الإهمال أكتر، مع الوقت بدأ الملل يسيطر عليا والروتين القاسي يخليني مش عايزة أعمل حاجة إطلاقًا، بقيت بقعد في المكان مش قادرة أفرز هدوم، ولا أعمل أكياس أكل ولا حتى أجهز الأدوية حسب القوايم.. بقيت بستسهل بكل الطُرق، مش شرط اللبس يتعمل صح، ممكن اسم راجل يتحطله قطعة لبس حريمي عادي، ممكن طفل يتحطله جذمة بنت وسط الشنطة، حتى الأكل مش شرط يبقا منوع، ممكن شنطة يبقا فيها ٤ علب جبنة، وشنطة تانية كلها خبز وبس..
الناس محتاجين ومش هييجوا يشتكوا ولا بيكونوا عارفين أيه اللي هيجلهم ومفيش شحات بيتشرط من الآخر، ومع الوقت بقيت بجهز الحاجة في أقل من ساعتين بعد ما كنت بجهزها طول اليوم، حتى إني خدت بوتجاز من الأجهزة اللي جت وبقيت بطبخ عليه، وبقيت باخد جزء من تبرعات الأكل وبطبح وباكل في المكان، وخدت مرتبة وغسالة وسرير..
جهزت الشقة اللي كانت عبارة عن مكتب وحمام وبس، وده ببساطة لأني اتطلقت من فترة بسيطة، والشقة اللي كنت قاعدة فيها كانت شقة إيجار، فلقيت إن المكان هنا مناسب من حيث كل حاجة، لدرجة إني مع الوقت عملت شقة محترمة، مليت التلاجة لحوم وفراخ وخزنت خضار وحبوب كتير أوي، بقيت باخد مبلغ صغير من كل ظرف بنطلعه لحد ما بقا معايا مبلغ كويس بالإضافة للقبض اللي كنت بقبضه..
ورغم الروتين بقيت بحب الشغل، وبحب كل اللي بعرف أخده من الشغل، ولما حسيت إن العمال بدأوا ياخدوا بالهم من اللي بعمله بقيت براضيهم بحاجات وأقولهم إن ده جزء بيجي وبيكون مخصص لينا أحنا من باب (والعاملين عليها)، بس واضح إن الإكرام الزايد بيعلم الناس البجاحة، وبقا كل يوم بيطلبوا إنهم ياخدوا حاجات من المخزن بألف حِجة وحِجة..
ورغم إنهم كانوا بيساعدوني إلا إني بقيت بفرح لما واحد منهم بيغيب وبرتاح منه ولو يوم، عشان كدا بقيت بديهم إجازات كتير وكنت بقعد أجهز أنا الحاجة لوحدي وهما ييجوا بعد يومين يخزنوها في المخزن وكل واحد ياخد شنطة أو مبلغ معين وخلاص، لحد ما في يوم بلغوني إن فيه مجموعة أدوية كبيرة جاية وإنها لازم تترتب بعناية شديدة وتتوزع على حسب احتياجات الناس..
وفعلًا جالي كمية أدوية كبيرة، وجاتلي أسماء الناس وبدأت أجهز الأدوية، وفي الموضوع ده لازم الحذر لأني مينفعش أخلط الأدوية ببعضها لأن الموضوع حساس وممكن يعمل مشاكل كبيرة، عشان كدا كنت بجهز الشنطة وأحط عليها اسم اللي تروحله، ده هياخد أدوية قلب، وده أدوية ضغط، وده أدوية سيولة وهكذا.. لحد ما جالي اتصال من أخت طليقي، اتكلمت معاها شوية وكان عندي أمل إنها بتدخل عشان تحل الموضوع ونرجع تاني أنا وأخوها، لكني اتفاجئت إنها بتشمت فيا وعايزاني أتذل لأخوها عشان يوافق يرجعلي بحِجة إني مش لاقية مكان أعيش فيه ومليش حد في الدنيا..
كلامها عصبني أكتر وخلاني شتمتها وقفلت السِكة، ومن كتر العصبية القولون شد عليا وبقيت مش قادرة حتى أتنفس، واشتغلت وأنا مخنوقة ومش مركزة لحد ما خلصت الشنط في النهاية وخليت العمال يوصلوها لبيوت الناس المحتاجين.. وسهرت ليلتها مقدرتش أنام إطلاقًا وأنا بفكر ازاي أنتقم وآخد حقي من أخت طليقي اللي خلتني مش قادرة أتهنى لا بأكل ولا بنوم، وفضلت يمكن يومين كاملين مبعملش أي حاجة وخليت العُمال يعملوا كل حاجة حتى لو هيسرقوا وياخدوا نص التبرعات لأني مكنتش مركزة مع حاجة غير مع المشكلة اللي معايا..
نمت في الليلة التالتة، وصحيت بالليل على صوت خبط على باب الشقة، استغربت الموضوع لأن في العادي محدش بيجي ويخبط على المكان بالليل إطلاقًا، حاولت أعرف مين بس محدش كان بيرد عليا، فتحت الباب لقيت واحدة ست لابسة أسود واقفة قدام الباب بخجل شديد، توقعت إنها جاية في الوقت ده تطلب مساعدات كالعادة.. زعقت فيها لأنها صحتني من النوم وقولتلها: ـ لو عايزة حسنة تعالي خديها بكرة ده مش وقته.. لقتها اتكلمت بسرعة وقالت: ـ يا أستاذة أنا مش عايزة حاجة ولا محتاجة أي حاجة، أنتي اللي محتاجة مش أنا..
نبرة صوتي هديت خالص وقولتلها: ـ هحتاج أيه بقا؟! ولقتها بتقولي إنها شافت العمال بتوعي وهما بيوزعوا جوابات الفلوس بيسرقوها كلها وراحوا شالوها في بيت صغير وهي عارفة مكانه كويس، كلامها كان غريب أوي وحاولت أهددها وأخوفها أحسن تكون بتكدب، قالتلي أروح معاها وهتأكد بنفسي..
ولقيت نفسي بلبس هدومي بسرعة واتحركت معاها في نص الليل، طمنتني وقالتلي إن المكان ده مهجور وإني مش هلاقي حد هناك وإني ممكن أخد الفلوس كلها وأوصلها لمستحقيها، وفضلت جوايا أشتم وألعن في العمال وفي نفس الوقت كنت متحمسة آخد الفلوس لنفسي، ولو حد اتهمني إني موصلتش الفلوس عندي دليل قاطع إنهم استلموا الجوابات للتوزيع من خلال الإمضاء والبصمات.. وفضلنا ماشيين لحد ما وصلنا لمنطقة المقابر، بصيت للست بخوف لقتها بتطمني وبتقولي إن البيت الصغير جوة المقابر، دخلت معاها وأنا من جوايا حاسة بخوف كبير أوي لحد ما وقفنا قدام قبر مفتوح ولقتها بتقولي:
ـ هو ده البيت الصغير والفلوس مدفونة جوة.. بصتلها بخوف أكبر لقتها بتطمني وبتقول إن مفيش حد مدفون ده قبر فاضي، طلبت منها تدخل تجيب الفلوس بنفسها وتاخد نسبة منهم لقتها بتقولي إنها مش محتاجة حاجة خالص عشان تدخل وتعمل حاجة زي دي، وفعلًا دخلت، دخلت القبر وفتشت فيه كويس لحد ما لقيت كفن أبيض محطوط، فتحته وفعلًا لقيت الفلوس، القلق اللي جوايا كله راح وحسيت بفرحة كبيرة لأن المبلغ مكنش قليل أبدًا.. جمعت المبلغ ولقتني بكلم الست وبقولها:
ـ أنتي ليه مش محتاجة فلوس زي ما بتقولي.. ردت عليا وقالت: ـ بصي كويس في الكفن وهتعرفي أنا ليه مش محتاجة فلوس.. وبصيت، وكأني كنت عامية ورجعلي بصري لأني لقيت نفسي فاتحة الكفن على جثة، جثة واحدة ست تعتبر نسخة من الست اللي كانت بتكلمني، شعري شاب من المشهد واتجمدت مكاني وكأني اتطعنت بخنجر مسموم، سمعت الست بتتكلم وبتقول: ـ ق.تلتيني لما خدت منكم أدوية غير الأدوية بسبب إهمالك وسرقتك واستسهالك، ودلوقتي خليكي معايا شوية تسليني..
مقدرتش أتحمل كلمة أكتر من كدا ووقعت من طولي، معرفش أيه اللي حصل بعد كدا غير لما سمعت من الناس إنهم لقوني مرمية جوة القبر المفتوح جنب جثة الست وجسمي عامل زي الأموات، لدرجة إنهم كلهم قالوا إني ميتة مش عايشة، خدوني على المستشفى وبعدين اتحقق معايا، كل ده وأنا تايهة، شايفة حاجات حوليا مش بشرية، حكيت كل حاجة، السرقة، الإهمال، وتوزيع الأدوية بالغلط، واللي كان السبب في مو.ت الست اللي خدت دوا مكان دوا بسببي..
اتحكم عليا بالسجن ١٠ سنين كاملين، وبقيت مسجونة وأنا صاحية في السجن، ومسجونة وأنا نايمة في كوابيس مبتخلصش، كابوس كله بيحصل جوة القبر، وكأني مش هطلع من القبر ده أبدًا، مأمور السجن دخلني سجن انفرادي وبعدين اتحولت لمصحة أمراض نفسية وحكايتي بقت إلهام لكل الناس عشان يحكوا عنها.. طالما وافقت تشتغل في وظيفة ورضيت بالراتب يبقا مينفعش تسرق بأي حال من الأحوال، لأن السرقة جريمة عظيمة ربنا وضع لها حد كبير وهو قطع اليد، والسرقة هنا تتمثل في الرشوة، في سرقة حاجة من الشغل ولو كانت بسيطة، وحتى في سرقة وقت المفترض تشتغل فيه وأنت بتزوغ فيه من الشغل..
طالما وافقت تشتغل في وظيفة ورضيت بالراتب يبقا متبقاش مهمل ولا تستسهل وتعمل الحاجة بمجهود أقل لأن ممكن تأذي غيرك وأنت مش واخد بالك، ولو أذيت غيرك هتتعاقب، ربك اسمه العدل وكل ذرة بتعملها هتتحاسب عليها.. (إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ) صحيح الجامع بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




