روايات

السيدة المُفتر.سة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

ادخل عنوان ثانوي هنا

دي ست غلبانة يا هانم وبتجري على عيالها.. الجملة دي قالها عم فرج البواب لماما وهي واقفة قدام البرج، كانت واقفة جمبه واحدة ست لابسة أسود في أسود، كانت باصة في الأرض بكل خضوع، المفترض إنها جاية تشتغل في شقتنا، طبخ وتنضيف وغسيل والذي منه، ماهو أكيد سوسن هانم اللي هي ماما مش هتشتغل بنفسها في شقتها.. ماما بصتلها كتير، كتير أوي قبل ما تقوله: ـ خلاص يا فرج أنا هختبرها ولو نجحت هتكمل معايا..

وبكل حزم قالتلها: ـ عارفة أهم حاجة عندي أيه يا…. اسمك أيه؟؟ ـ اسمي سماح يا سوسن هانم، وأكيد الأمانة وأنا ايدي تتقطع قبل ما أمدها على حاجة مش بتاعتي.. ـ شاطرة يا سماح، يالا اطلعي على الشقة وفرج هيوريكي كل حاجة.. خرجت أنا وماما عشان توديني المدرسة، كنت قلقانة من الست الغريبة دي، حتي ماما لاحظت قلقي فباستني وقالتلي: ـ ليلى القمر قلقانة ليه بقا، دي واحدة جاية تشتغل عندنا عشان تعملك الأكل وتنضفلك أوضتك..

ابتسمت، وروحت مدرستي، خاصة إني في سادسة ابتدائي ولازم أركز أوي، وانتهى اليوم الدراسي، جت ماما خدتني بالعربية ورجعنا شقتنا، كانت سماح جهزت الأكل ونضفت الشقة وغسلت هدومنا كمان، ابتسمت ماما وقالتلها: ـ شكلك هتعمري معانا يا سماح.. ـ شالله يخليكي يا هانم.. وبدأت أمورنا تستقر نوعًا ما، خاصة إن شركة الأمن كانت كل شوية تبعت واحدة متعجبش ماما، أو كانت بتمشيها ومش عارفة ليه.. يومها اتصل بيا بابا، روحت لماما وقولتلها، بصتلي وقالتلي: ـ بابي مش بيحبك يا ليلى، طول عمره مش بيحبك ولا بيحب مامي، ولو رديتي عليه هزعل منك..

وفعلًا قفلت التليفون ونمت مع ماما في السرير، في اليوم التاني صحيت علي صريخ وزعيق، قمت اتنفضت من السرير عشان أسمع ماما بتقول ألفاظ صعبة أوي.. ـ سرقتنا بنت ال… ـ أنا اللي غلطانة إني وثقت في واحدة زي دي.. ونزلت تصرخ علي السلم وتنادي علي فرج.. يا فرررررررج يا فرررررررج نزلت أجري وراها وأنا خايفة، وخرج ناس كتير من السكان يستفسروا عن سبب الزعيق، ومسكت ماما فرج بعنف وفضلت تصرخ فيه: ـ هي دي اللي غلبانة، جايبلي واحدة حرامية في شقتي وتقولي غلبانة..

ـ يا هانم أكيد فيه حاجة غلط.. ـ غلط أيه يا متخلف أنت، الدهب بتاعي كله اتسرق، أنا هوديك في داهية أنت وهي.. ـ وأنا مالي يا هانم، معاكي بطاقتها روحي أعملي فيها محضر.. ـ أنا فعلًا هعمل فيك وفيها محضر يا شوية حرامية.. ركبنا العربية ونزلت أمي عند القسم وطلبت مني منزلش، دخلت لضابط معرفة وعملت محضر ورجعنا البيت، ماما كان شكلها مضايق جدًا، غضبانة، وأنا كنت بحاول أهديها قدر الإمكان.. وجه الليل ودخلنا ننام، كنت مبسوطة عشان الست مشيت، وزعلانة عشان سرقت ماما، ونمت، نمت وأنا سامعة صوت همسات، همسات عجيبة، وض.ربات

طاخ طاخ طاخ كل شوية كنت بصحا وأرجع أنام، ومسافة ما كنت بنام كنت بسمع من تاني.. همسات.. ض.ربات.. وانتهت الليلة، ليلة صعبة مشوفتش زيها، بس لما صحيت قررت إني أسكت، ومحكيش لماما حاجة، روحت المدرسة ورجعت مع ماما عشان نلاقي طنط منيرة جارتنا باعتالنا صنية كبيرة مليانة أكل.. قعدت معانا وواست ماما على سرقة امبارح وقالتلنا إنها هتبعت تجيب واحدة ثقة تشتغل عندنا وإنها عملتلنا الأكل ده عشان مش هنلحق نتغدى، والأسوأ إن المطعم اللي كنا بنطلب منه يوميًا قفل، وده مسبب لماما قلق وتوتر بقالها كذا يوم..

قعدنا ناكل أحنا التلاتة، بصراحة الأكل كان لذيذ جدًا، وبالأخص اللحم والبشاميل، كلنا ألذ وجبة في حياتنا وشربنا الشاي وقعدنا نتفرج علي التلفزيون، لحد ما الليل جه ودخلت أنام.. ومن أول ما دخلت سريري لقيت الهمسات رجعت تاني، بس كانت قريبة أوي من ودني، فتحت عيني لقيت فيه واحدة واقفة قدام باب الأوضة.. كانت لابسة أسود في أسود، جسمي كله اتكهرب وحسيت برعب محستش بيه في حياتي، دي هي، الست الحرامية اللي سرقتنا قبل كدا، جاية تعمل أيه عندنا، بصتلي كتير أوي ومشيت من الأوضة، قربت وأنا بترعش، خايفة أنادي على ماما..

قربت من باب الأوضة وجسمي عمال يتكهرب من الخوف، بصيت بهدوء لقيتها بتخرج من باب الشقة، لحظات وشوفت ماما خارجة من المطبخ بهدوء خالص وخرجت من باب الشقة.. كنت مرعوبة، مش قادرة حتى أناديها، فضلت واقفة في الضلمة مستخبية، مفيش دقيقة ورجعت ماما وهي شايلة أكياس في ايديها، دخلت المطبخ وحطتهم ورجعت تجري بشويش وخرجت من باب الشقة.. حسيت بخوف رهيب، خاصة إن ماما كان شكلها يخوف، يخوف أوي، كانت متلطخة بالدم، والأكياس كان شكلها يخوف، لحظات ودخلت تاني وهي شايلة شنطة وحطتها في المطبخ ورجعت خرجت من تاني..

قربت من المطبخ بشويش، وبصيت علي الشنط وأنا مش فاهمة، قربت واحدة واحدة ومسكت شنطة منهم، وبصيت فيها من خلال النور الضعيف، وصرخت، صرخت لما شوفت راس مقطوعة جوة الكيس، وقبل ما تكمل صرختي لقيت إيد قوية بتكتم صرختي.. فضلت اتنفض وأنا حاسة بفزع رهيب، سمعت صوت ماما من ورايا بتقول: ـ قمرايتي صحيت دلوقتي ليه بس فضلت أحاول أهرب منها بس هي اتكلمت تاني بنبرة وعيد: ـ لو صرختي هض.ربك ماشي..

هزيت راسي بسرعة، وأول ما سابتني طلعت أجري زي الصاروخ ناحية أوضتي، قفلت الباب من جوة بالمفتاح، سمعت صوت خبطها وفضلت تنادي عليا عشان أفتح، كنت مرعوبة، بتنفض، اتصلت برقم بابا، فضل يرن، يرن، لحد ما رد، أول ما رد قولتله: ـ تعالى بسرعة يا بابا.. قفلت الفون وفضلت اترعش مكاني، سمعت صوت ماما وهي ثايرة برة وعمالة تقولي: ـ أفتحي يا ليلى، أفتحي بقولك.. كنت خايفة، خايفة أوي، سمعت ماما بتقول بهدوء: ـ يا ليلى دي الست الوحشة اللي سرقتنا، أحنا مش هنعمل فيها حاجة، هناكلها بس، مش أنتي بتحبي اللحمة؟؟

وقعت علي الأرض وفضلت أبكي من الرعب، فقدت القدرة على جسمي، وقتها سمعت تكة من برة واتفتح الباب، وبصيت لقيت ماما وطنط منيرة واقفين بيبصولي بكل غضب وهدومهم غرقانة دم.. بصوا علي الفون ومسكته منيرة وشافت اتصالي برقم بابا: ـ قولتي أيه لبابا؟؟ كنت بترعش مش قادرة اتحرك، بصت منيرة لماما وقالتلها: ـ يا البت يا ابوها، اختاري.. ـ البت لا، أبوها ماشي.. ودخلوا المطبخ بسرعة جابوا سكاكين وحطوها تحت المخدة بتاعتي، وقربت مني ماما وأنا بترعش وقالتلي:

ـ خايفة ليه يا لولي؟؟ ـ من ااااللي شفته.. حضنتني بقوة وقالتلي: ـ مش أنتي كنتي بتحبي اللحمة اللي بنجبها من المطعم كل يوم؟؟ ـ أيووووة.. ـ طيب المطعم ده قفل وأحنا مش لاقيين لحمة ناكلها، فبناخد من لحمة الست الحرامية دي عشان ناكل، ولا نسبها ومامي تمو.ت من الجوع؟؟ بصتلها وأنا مش عارفة اتكلم، عشان تكمل منيرة: ـ ده طبيعي يا لولي، أحنا بنحب ناكل لحم البشر، وكنا هنمو.ت لما المطعم قفل، ولحم الست دي هيكفينا شهر كامل، مش أنتي كلتي منها امبارح، لما كلنا لحمة وبشاميل..

في الوقت ده سمعنا صوت عربية، كان بابا، لقيت طنط منيرة استخبت في الدولاب، وماما بصتلي وقالتلي: ـ بابي وحش يا ليلى ولازم ناكله زي الست الحرامية.. في الوقت ده كان بابا طالع زي الصاروخ على السلم، دخل من باب الشقة على أوضتي، في العادي مكنش هيدخل شقة طليقته بالطريقة دي، بس مكالمتي رعبته، دخل لقاني أنا وماما واقفين.. بص لماما بغضب وقالها: ـ بنتي مالها يا سوسن؟! ـ بنتك كويسة أهي حتى شوف..

قرب مني وحضني أوي، وفجأة وهو في حضني لقيته بيتنفض، بصيت بفزع لقيت طنط منيرة ض.ربته بسكـ ـين في ضهره، مرة واتنين وتلاتة، كان بيتنفض في حضني، بيتنفض أوي.. ووقع ج.ثة هامدة، وفضلت مذهولة مش قادرة أنطق، لقيت ماما بتقول لطنط: ـ المفاتيح أهي روحي رجعي عربيته عند شقته، واتأكدي إن فرج نايم كالعادة، ومشفوش وهو طالع الشقة.. مشيت طنط، مشيت وماما حضناني، حضنتني وفضلت تفهمني ساعة كاملة إن اللي بتعمله ده عشان ناكل، وإني لازم أساعدها كمان..

وشيلنا بابا لحد شقة طنط منيرة اللي جت مبتسمة، كله تمام، وشوفت أوضة عاملة زي محل الجزارين، وبدأنا نقـ ـطع بابا ونعبي التلاجات كلها باللحمة.. وحكولي، حكولي إن لما المحل اللي بيبيع لحم البشر قفل كنا هنمو.ت من الجوع، ولازم نتصرف، عشان كدا خطفنا سماح وعملناها لحمة، وبابا كمان وحش ويستاهل.. الغريب إني مبقتش خايفة، بقا الأمر طبيعي، طبيعي خالص، طبيعي لدرجة إني بعد عشر سنين كنت واقفة في صالة الشقة وأمي ج.ثة هامدة قدامي، كنت بقطع فيها وبقول:

ـ سامحيني يا مامي، بس الجوع كا.فر، الجوع عا.ق بالوالدين.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى