روايات

مُراقب الجيران للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أنا ساكن في شقة في مكان ما بالقاهرة بحُكم إني مغترب عشان الكلية بتاعتي، وبما إني ملقتش مكان في السكن الجامعي فدورت كتير لحد ما وصلت للشقة دي، الشقة في مكان شعبي نوع ما وفي الدور الأخير في عمارة بتتكون من ٨ أدوار، خدتها أنا وواحد صاحبي أغلب أيامه بيروح يبات فيها عند عمه في الجيزة ومبيجيش غير وقت الإمتحانات للشقة، فكنت أغلب الوقت لوحدي في الشقة..

وزي ما قالوا إن قوة الإيمان وضعفه بيظهر وقت ما بتكون لوحدك خالص ومفيش عليك أي رقيب، أول ما فتحت شباك الصالة في أول يوم لقيتني في وش عبارتين وكاشف أكتر من خمس شقق، والغريب وبما إن الشقة دي مقفولة من فترة فالناس كانوا بياخدوا راحتهم ويفتحوا الشبابيك كلها تقريبًا، وأنا ببقا كاشف كل ده، كأنه جهاز تلفزيون وأنا معايا الريموت وأقدر أحول للقناة اللي أنا عاوزها.. وبما إن أغلب الوقت بكون لوحدي فبدأت ألاقي متعتي الحقيقية في مراقبة الناس دول، أشوف الستات بلبس البيت، أراقب اللي بيحصل بأدق أدق التفاصيل..

حتى إني مع الوقت عرفت مين العصبية على عيالها، مين بتطبخ أيه، الراجل ده بيرجع الساعة كام، الموضوع وصل معايا لدرجة الهوس، لدرجة إني كنت بقف أوقات بالست ساعات في الشباك ومضلم الصالة بتاعتي وقاعد براقب الشقق واللي بيحصل فيها.. لحد ما ظهرت مرة واحدة، كانت بنت من عمري تقريبًا جميلة بطريقة غير مفهومة، وسمعت وعرفت إنها كانت عند حد قريبهم ورجعت، وبدأت أركز معاها بطريقة مُبالغ فيها، قدرت أكشف أوضة نومها، اشتريت منظار صغير وبقيت وكأني معاها في نفس الأوضة..

كانت عاملة زي الحلم الجميل اللي مش عاوز أسيبه يضيع من بين إيديا أبدًا، بس اللي لاحظته على البنت دي إنها بتصحا بالليل أكتر من مرة وتغيب شوية وترجع تنام مرة تانية، ومكنتش عارف هي بتروح فين، ومن كتر هوسي بمراقبتها طلعت البلكونة وفضلت أدور يمين وشمال لحد ما بالصُدفة البحتة فوجئت إن الحمام بتاع شقتهم كمان مكشوف، كان الشباك بتاع الحمام مقفول بازاز شفاف، والمنظار اللي معايا كان بيقرب الصورة..

ولما راقبتها الليلة الجديدة لقتها بتخرج من أوضتها، ولما روحت البلكونة لقتها بتدخل الحمام، دقات قلبي زادت وحسيت من جوايا بلذة غريبة، ما أنت مش كل يوم هتشوف قدام عينك مشهد زي دا، وبالفعل البنت كانت بدون أي هدوم قدام عنيا، كانت تقريبًا هتستحمى، وبدأت أحس من جوايا بكمية نشوة ولذة غير طبيعية، وحسيت إن الشقة دي كنز لدرجة إني فكرت أشتريها بعد التخرج..

شوية ونزلت تحت الدش، وكان واضح إنها مية باردة لأنها كانت بتترعش بطريقة غريبة، وتحت المية شوفتها بترجع دم أسود وانكمشت على نفسها بطريقة عجيبة وفضلت تترعش، معرفش ليه حسيت بالخوف والشفقة الشديدة عليها، معرفش دي مجنونة ولا مريضة ولا أيه..

بس وسط تفكيري ده شوفت حاجة عجيبة أوي، شوفت كأن فيه بنت، نسخة منها لازقة فيها أو متعلقة على كتفها، بس الفرق إنها باصة العكس، يعني باصة ناحيتي أنا، كأنهم توأم مُلتصق، أول ما عنيا وقعت على المشهد دعكت عيني ومسحت المنظار كويس، وأول ما بصيت تاني ملقتش حاجة، وعرفت إني كنت بتخيل ليس إلا، بس وأنا براقبها سمعت صوت همس، همس جاي من ورايا أنا بالظبط، جوا ودني، كان صوت الهمس بيقول: ـ جميلة وجسمها حلو صح؟؟

المنظار وقع من إيدي وحسيت برعب محستش بيه في حياتي، خاصةً إني كنت حاسس بسخونية جاية من ورا ضهري كأن حد واقف ورايا بالظبط، شعري وقف وحسيت إني مشلول مش قادر حتى أبص ورايا عشان أعرف مين بيتكلم، عشان الصوت يكمل ويقول: ـ أنا ممكن أخليها تجيلك لحد شقتك لو حابب..

وقتها بس كنت وصلت لمرحلة من الفزع هتخلي شعري يشيب، عشان كدا صرخت وجريت فتحت النور وفضلت أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وشغلت قرآن في الشقة كلها، وقمت قافل شباك الصالة وباب البلكونة وحلفت ما هعمل ده مرة تانية أبدًا، وكفاية لحد كدا، لحظات الرعب دي خلتني أتأكد إن ألف لحظة من المتعة متساويش لحظة رعب واحدة..

ونوعًا ما الموضوع انتهى ومفيش حاجة تانية حصلت، لحد ما عدى أسبوع كامل على الموضوع ده، في الوقت ده كان فيه سواق تاكسي بركب معاه وخدت رقمه وبقينا أصحاب، حكيت معاه مرة واتنين لحد ما قالي إن طالما الشقة فاضية فهو ممكن يجيب بنات ونقضي ليلة مع بعض، الكلمة هزتني أوي ومعرفتش أرد عليه، ولما فضل يلح عليا قولتله إني هفكر في دا.. وقعدت طول الليل مش عارف أنام، والشيطان عمال يكبر الفكرة في دماغي بطريقة عجيبة، لحد ما في لحظة ضعف اتصلت بيه وقولتله أنا هكون لوحدي بكرا ولو كدا يجبهم ويجي، واتفقنا على الساعة 6 يكونوا حضروا..

وفعلًا على الساعة ٦ لقيت الباب بيخبط وهو بيدخل ومعاه بنتين بس مخبين ملامحهم كويس، دخلنا جوا وأنا تقريبًا قتلت ضميري بالكامل ومبقتش بفكر غير في لحظات المُتعة اللي جاية، بس مفيش لحظات وقبل ما نعمل أي حاجة لقيت صاحبي اللي ساكن معايا بيكلمني وبيقولي إن كنت عاوز حاجة يشتريها معاه عشان هو جاي.. وحسيت بقهر غريب لأن الليلة باظت، وطلبت من السواق ده ياخدهم وينزل بسرعة لأن صاحبي جاي وده شخص محترم وممكن يفضحنا، وبالفعل خدهم ومشي، وبعد ساعة كلمت صاحبي أشوفه مجاش ليه قالي إنه رجع البلد عشان عنده مشكلة..

رنيت على السواق قالي إن البنت رجعت بيتها ومش هتعرف تخرج، سألته إن كان ينفع يجيب التانية، قالي تانية أيه أنا جتلك ببنت واحدة بس، لأن التانية اعتذرت، وحسيت بنفس القشعريرة والرعب اللي حسيته يوم البلكونة.. وقبل ما أتحرك نور الشقة كله قطع، وسمعت همس من تاني بيقول: ـ أنا اللي كنت معاها، أنت مش عاوزني ولا أيه، أنا جمبك أهو وهنقضي الليلة مع بعض..

ولأول مرة في حياتي أتبول على نفسي من الرعب وأحس إن جسمي كله بينبض ويتنفض، وقدام عيني وسط الضلمة شوفت واحدة متعلقة في السقف زي الخفاش، ووقعت من طولي، وقعت زي القتيل، بس رغم إني وقعت حسيت بحاجة غريبة بتسحبني سحب وبترميني في مكان ضيق، لدرجة إني مكنتش قادر أخد نفسي إطلاقًا..

ولما صحيت لقيت نفسي محبوس في مكان ضيق أوي، مش عارف أتنفس، جسمي هيت.ك.سر وكأني محشور في صندوق، أيوة هو صندوق، أنا جوة تابوت ومقفول عليا، هو ده الإحساس اللي أنا حاس بيه دلوقتي، بدأت أبكي زي العيال الصغيرة، أدعي ربنا واستغيث، أحلف إني مش هعمل حاجة حرام تاني بس يسامحني وينجيني..

بس واضح إن دعواتي مكنتش بتُستجاب، لأني حسيت بدود كتير أوي بيمشي على جسمي، وكأني مدفون وجسمي هيتحلل خلال لحظات بس، وفين وفين لما قدرت أصحا من الكابوس ده، عشان كل اللي جاي يكون أبشع منه بمراحل، على مدار تلت شهور كاملين، بشوف البنت إياها دي، بتظهر في كل مكان، وكابوس التابوت كل ليلة بلاقي نفسي بشوفه، لدرجة إني مروحتش الامتحانات من التعب النفسي والجسماني، وشيلت السنة كلها، وحسيت إن حياتي كلها بتدمر، بتنتهي، بسبب ذنب أنا عملته واستهونت بيه..

لحد ما صاحبي في السكن قالي إن فيه شيخ في الأزهر كويس والناس بتروحله، وفعلًا روحت وأنا من جوايا بدعي ربنا يشفيني ويخرجني من اللي أنا فيه ده على خير، وقدام الشيخ حكيت كل حاجة تفصيلًا، الغضب ظهر شوية على ملامحه بس معنفنيش..

قالي إن البيوت كلها مليانة ابتلاءات كبيرة، اللي مريض واللي تعبان واللي ظروفه المادية صعبة واللي مقهور واللي واللي واللي، الناس دول ربنا ابتلاهم وفي نفس الوقت بيتكفل بيهم ويسترهم عن عيون عباده، لأن هو الوحيد اللي يقدر يشوف ويسمع ويعالج أوجاعهم برحمته، إنما إن أحنا نتدخل في حاجة مش بتاعتنا ونكشف ستر البيوت وننتهك العورات يبقا عملنا جريمة بشعة، رهيبة، ووقتها ممكن ربنا يعاقبنا بعقاب شديد أوي..

البنت اللي شوفتها دي غالبًا مريضة سحر، ورغم كل اللي بتعانيه تيجي أنت كمان تكشف عورتها وتنتهك حرمتها، عشان كدا ربنا سلط عليك اللي معاها وبقا معاك أنت، وأديك متحملتش وحياتك وقفت وسقطت في كليتك، عشان بس بصيت جوة بيت واحد من بيوت الناس..

لو كملت كنت هتبتلى بأوجاع جوا بيوت ناس تانية، اللي مريض واللي فقير واللي جعان واللي واللي، بيوت الناس مستورة يابني إياك ترفع الستر عنها، ولو دخلت بيت إياك تخرج تحكي عن اللي بيحصل فيه، وإياك يدفعك فضولك تعرف اللي بيحصل جوة بيوت الناس، إياك، أنا هعالجك إن شاء الله بس تعاهدني متعملش كدا تاني، وعاهدته وعالجني..

وعرفت في النهاية إن البنت دي مريضة سحر شديد أوي، كانت بتنزل تحت المية الباردة كل ليلة عشان الوجع يخف عنها شوية، وأنا بقذارتي كمان كشفت عورتها ومرحمتهاش، فاللي فيها جه فيا، ولما ربنا رحمني ورفعه عني روحت أزني عشان أكمل في نفس الطريق، وقتها اللي فيها تمكن مني تمامًا، لأن المعاصي الكبيرة بتمكن منك أي أذى.. عشان كدا عاهدت ربنا ولا هنتهك عورات حد، ولا هبص لحاجة حرام ولا هكشف ستر بيوت تاني، حتى بصري هغضه عن أي بنت ماشية في الشارع، وربنا يسامحني على أفعالي..

(مَن تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ ، تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه ، ومَن تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه ، يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه) صحيح الجامع بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى