روايات

سيدة الشقة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أنا عندي مشكلة كبيرة ومش لاقية ليها أي حلول لحد انهاردة، من وقت للتاني الأطفال بيتجمعوا في مدخل العمارة عندي ويفضلوا يلعبوا ويخبطوا ويزعقوا طول النهار تقريبًا، وبما إني ساكنة في الدور الأرضي فكان الخبط ده كله بييجي فوق دماغي، وكأني قاعدة في سوق مش في الشقة بتاعتي.. طلعت في البداية وكنت هادية وكنت بمشيهم وأرجع شقتي، لكن كلها ساعة وكانوا بيرجعوا يلعبوا تاني، ومش عندي بس، دول كانوا بيلعبوا في كل مداخل العمارات تقريبًا، مرة بالكورة، ومرة استغماية، وطول اليوم الوضع على كدا..

لحد ما بدأت أشتكي لأكتر من جارة ولقيت حالة غريبة من البرود، كله بيقول دول أطفال وفترة وهتعدي وإن أحنا كنا زيهم كدا، كله عامل نفسه مش متضرر، وطبعًا لأن كلهم عندهم أطفال إلا أنا، أنا اللي عايشة بطولي وماليش أي حد في الدنيا، ولا زوج ولا أطفال..

فضلت عايشة على وهم الكاريير والوظيفة لحد ما كملت ٥٠ سنة ولما فوقت عشان أعمل بيت وأسرة كان الوقت عدى، يمكن اللي مضايقني مش الأطفال بقدر ما مضايقني إنهم مش أطفالي، ويمكن لو كانت عندي طفلة بتلعب معاهم كنت هتحمل ومش هتضايق، معرفش دي غيرة ولا أنا فعلًا عندي حق في إني أكون متضايقة بالصورة دي.. وبعد شكاوي كتير اكتشفت إن ده أمر واقع مش هيتغير وتحديدًا أيام الإجازات، الأطفال ٢٤ ساعة هيلعبوا، أيوة ممكن أقفل باب العمارة، ممكن أعمل أكتر من حاجة تبعدهم، لكن هيفضل صوتهم في الشارع مزعج، خبط الكورة وصراخهم وكلامهم..

ومع الوقت بدأت نفسيتي تتعب أوي، وبقيت مش متحملة صوتهم ولا كلامهم، لدرجة إني بقيت بخرج من الشباك أصرخ فيهم عشان يبعدوا.. في البداية كانوا بيخافوا ويمشوا، لكن مع الوقت بقوا يضحكوا، وبقوا يتعمدوا يستفزوني، وبقت لعبتهم إني أخرج متعصبة ويطلعوا يجروا ويضحكوا على شكلي، لدرجة إني في مرة سمعتهم بيقولوا: ـ المجنونة خرجت..

الكلمة دي أثرت فيا لدرجة إني بقيت أقطع في شعري زي المجنونة فعلًا من الغيظ اللي كان فيا، ولما خرجت وحاولت أمسك عيل منهم أضـ,ـربه معرفتش، ست تخينة مفاصلها تعبانة مش قادرة تتحرك وهما أطفال بيجروا زي الصواريخ، ومع إصراري ومحاولتي وقعت في مرة وأنا بجري وراهم، وسمعت الشارع كله بيضحك عليا.. كان ضحك هيستيري وأنا مرمية على الأرض وجسمي كله واجعني، وبسبب الموضوع ده اعتزلت في البيت، اختفيت تمامًا، بقيت صامتة ومبخرجش إطلاقًا، ومع الوقت الأطفال نسيوا وبقوا بيلعبوا مرة تانية قدام العمارة وفي مدخلها..

خرجت عليهم في مرة لكني كنت مبتسمة، خافوا مني في البداية لكن لما ناديت عليهم قربوا مني، أدتهم حلاوة ومية عشان يبلعوها، وكانوا فرحانين وكلهم خدوا منها، لكن اللي مكنش حد يعرفه إن ده كان برشام باخد منه لأن قولوني كان تاعبني ودايمًا عندي إمساك، والبرشام ده كان بيساعد على الإخراج، يعني ببساطة بيعمل خروج سريع جدًا للفضلات.. وكلهم خدوا منه، حتى إن اللي كان مضايقني واللي كان سبب وقوعي خد أربعة مرة واحدة، وضحكت معاهم ودخلت شقتي، كنت عارفة إن العيال كلها هيجلها مغص وإسهال وهيتعبوا ويشتكوا من بطنهم طول الليل..

واتحقق اللي كنت عاوزاه لما فعلًا غالبية العيال اختفوا تاني يوم، كنت فرحانة أوي، حاسة بانتصار غير طبيعي، زمان كل واحد منهم بيشتكي من بطنه، اللي موجوع، واللي في المستشفى، واللي أمه وأبوه قاعدين جنبه مش عارفين يعملوا أيه.. وعشت يوم كامل في راحة غير طبيعية، يوم كله صمت وهدوء، ولما رجعوا بعد يومين يلعبوا أدتهم تاني من البرشام، كان عندي منه كتير أوي، حتى إن كانت عندي شرايط منتهية الصلاحية كنت بديهم منها، ياخدوا من هنا ويختفوا أسبوع ولا حاجة لحد ما يرجعوا..

ومع التكرار اختفى الأطفال تقريبًا، بقا اللي بيخرجوا يلعبوا عدد قليل جدًا، وكأن المشكلة انتهت تمامًا، انتهت للأبد، لحد ما خرجت مرة الصبح بدري أخرج الزبـ,ـالة قدام الشقة واتفاجئت بحاجة بشعة، للوهلة الأولى مكنتش فاهمة أيه ده لحد ما فهمت، بـ ـراز، بـ ـراز قدام شقتي أنا بس، بـ ـراز سائل كأن فيه حد مريض بيعمل كدا قدام شقتي، ومن شدة البشاعة جريت على الحمام وخرجت كل الأكل اللي في بطني، وفضلت طول اليوم مرهقة، قرفانة، حاسة باشمئزاز غير طبيعي..

كلمت حد مخصوص ودفعتله مبلغ عشان ينضف المكان كله، وفضلت طول اليوم في حالة نفسية سيئة جدًا، الأذى بقا أكبر من إني أتحمله، وعدى اليوم وأنا مشغولة بالموضوع لحد تاني يوم لما اتفاجئت بنفس المشهد قدام شقتي وعلى الباب كمان، شقتي أنا بس اللي قدامها كدا، والريحة مبتدخلش غير على شقتي أنا وبس..

ودفعت تاني ونضفت المكان، وبقا الموضوع بيتكرر كتير أوي، بصورة شبه يومية، لدرجة إني كنت مقيمة ورا الباب عشان أمسك اللي بيعمل كدا لكني ولا مرة قدرت أمسك اللي بيعمل كدا، وكأنه شبح مش إنسان طبيعي، لحد ما اقترحت عليا واحدة صاحبتي أركب كاميرا قدام البيت وأعرف مين اللي بيعمل كدا وأعمل محضر للشرطة في أهله لو كان طفل.. وقد كان، دفعت مبلغ محترم لشركة وجت ركبت الكاميرات ووصلتها بالجهاز عندي جوه الشقة وبقيت براقب المكان ٢٤ ساعة، لحد ما صحيت ولقيت الفضلات دي قدام شقتي، وكنت فرحانة جدًا لأني أخيرًا هعرف مين اللي عمل كدا..

وشغلت الفيديو وفضلت أراقب المكان، صمت، صمت طويل، مفيش أي حاجة، لحد ما ظهر المشهد المرعـ,ـب، اللي خلاني مش قادرة أنطق، أنا اللي خرجت من شقتي بالليل وأنا اللي عملت كدا، أيوة أنا، أنا بقضي حاجتي بالمشهد المقـ ـزز ده وقدام الناس.. والمرعب إني خلصت ووقفت وبصيت للكاميرا وابتسمت ابتسامة مرعبة، لدرجة إني مكنتش قادرة أقوم من مكاني، وبعدين دخلت الشقة تاني وسبت ورايا المنظر المرعب ده، ومن يومها الموضوع اتطور بصورة مُخيفة أوي..

بقيت بلاقي الفضلات دي في شقتي، مرة في الصالة، مرة في الحمام على الأرض، مرة على السرير، لدرجة إن ريحة شقتي بقت تجيب أمراض فعلًا، على طول ريحتها بشعة ومُتعبة، لحد ما صحيت في يوم لقتني مبهدلة الدنيا حوليا وكأني طفلة صغيرة، أيوة عملت حمام على نفسي وأنا نايمة، أنا الست الكبيرة الواعية عملت كدا..

ومع الريحة والمنظر جالي مرض في جهاز المناعة وأمراض شديدة في الجهاز الهضمي، وبقيت تعبانة ٢٤ ساعة، مباكلش لأن ريحة الشقة استحالة تعرف تاكل فيها، لحد ما في ليلة سمعت صوت وخرجت، لقيت واحدة شبهي بالظبط بتعمل كدا في الصالة، خرجت أجري في الشارع وأصرخ زي المجنونة.. كان شكلي مبهدل وريحتي مقززة لدرجة إن محدش قرب مني، الناس بلغوا الشرطة ودخلوا شقتي لقوها مستنقع، وحطوني في مصحة نفسية عشان أتعالج فيها، اللي عرفته مع الوقت بقا إن فيه طفل مـ ـات من الأقراص اللي خدها بسببي، وإن اللعـ,ـنة اللي اتلعـ,ـنتها كانت بسبب مـ ـوت الطفل ده..

أنا قتـ ـلت طفل وتقريبًا بتحاسب على فعلتي، اللي تأكدت إني همـ ـوت بسببها لأن وضعي في المصحة بقا أسوأ وأسوأ، حكيت حكايتي للمختصين في المصحة محدش صدقني وقالوا دي مختلة عقليًا، لكن أنا مش مختلة يا أستاذ أحمد، أنا واعية لكل كلمة بقولها.. وواعية كمان للي هقوله ده قدامك، لما تتأذي من الأطفال حاول تعالج الموضوع بأسلوب هادي، وافتكر وقتها أفعالك وأنت صغير هتبتسم لأنك هتكتشف إنهم نسخة منك وأنت صغير..

افتكر إنهم مش قاصدين يضايقوك ومش فاهمين لسة، وافتكر إنك لو تحملت لوجه الله هتاخد أجر كبير، وافتكر إنك لو تعاملت بحكمة هتقلل الأذى بأسلوب هادي وبدون أذى ليهم أو لنفسك، إنما تسيب مشاعر الغضب تسوقك هتهلك نفسك، لأن الغضب كفيل يدمـ,ـرك في لحظة.. أنا كنت ضحية من ضحايا الغضب، عشان كدا رسولنا الكريم ﷺ وصانا وقال (لا تَغضَبْ) واللي يغضب لازم يتوضى ويتعامل بحكمة عشان ميأذيش غيره.. [وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ] سورة آل عمران

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى