
لما كنت دكتورة في سنة الإمتياز جالي التكليف بتاعي في قسم الطوارئ في مستشفى حكومي كبيرة ومعروفة في مكان شعبي نوعًا ما، وعرفت من أول يوم إن قسم الطوارئ هناك هو أكتر قسم مُرعب ممكن تعدي عليه أو تشوفه بس من بعيد، كل دقيقة تقريبًا بيجي واحد جسمه متقطع، إما في خناقة أو حادثة..
مشهد الد م قدام عنيك بيكون أكتر مشهد تقليدي ومتكرر بتشوفه، لدرجة إنك ممكن تشوف واحد بيمـ ـوت قدامك، وتشوف واحد منظر جسمه مش طبيعي وأعضاء مخلوعة من مكانها، ورغم الرعب اللي كنت فيه إلا إن التكرار والروتين بيحولك لإنسان بارد تمامًا، لأنك لو متعلمتش البرود استحالة تقدر تكمل يوم واحد في المكان ده..
ومع الوقت اتعودت فعلًا، وبقيت أنا اللي بستقبل المُصاب مع أهله واتكلم معاهم بكل هدوء رغم إن ممكن المُصاب يكون جاي والسـ,ـكينة مغروزة في جسمه، وبقيت بشوف شغلي لدرجة إن الكل كان بيشكر فيا وفي طريقتي في التعامل مع أهل المُصاب وازاي كنت بمتص غضبهم بدون أدنى مجهود مني، لحد ما في يوم اتفاجئت بواحدة ست قدامي شكلها غريب، لابسة عباية سودة ومطلعة خصلة شعر بيضا من الحِجاب بتاعها، وشها شاحب أوي وعنيها جامدة..
فكرتني بالستات بتوع زمان اللي كانوا بيروحوا للجنـ,ـازة يصرخوا ويندبوا على المـ ـيت وياخدوا فلوس، كنت بسمع إنهم بنفس الشكل ده، قالتلي بصوت هادي إن بنتها جت انهاردة في حـ,ـادثة وعاوزاني أشوفلها بنتها راحت فين بالظبط، قولتلها تروح الاستقبال تسأل عليها بس الغريب إنها قالتلي: ـ عاوزاكي أنتي اللي تشوفيهالي بنفسك.. في الأوقات العادية شخص زي ده بتجاهله تمامًا، أو بقولها حاضر وبكمل شغلي، لكن حاجة في عنين الست دي قالتلي مينفعش أتجاهلها، يمكن هيئتها، ويمكن شكلها، حاجات كتير خلتني اسألها على اسم بنتها، وبهدوئها المعتاد قالتلي:
ـ حنان السيد أحمد.. طلعت على الاستقبال وفتشت في أسماء المصابين اللي وصلوا الطوارئ من بداية اليوم على اسم حنان لكن ملقتوش، دورت على اسم مُشابه؛ مثلًا حنان سيد، حنان أحمد، حنان أحمد سيد، لكن مفيش ولا اسم حنان إطلاقًا، فتحت كشف اليوم اللي قبله ودورت وبرضه مفيش.. رجعت للست عشان اسألها يمكن قالتلي اسم بنتها غلط، لكن الست مكنتش موجودة، استغربت الموضوع لكني تجاهلته ورحت عشان أكمل شغلي مرة تانية، وبعد ٣ أيام لقيت نفس الست قدامي وقالتلي إن بنتها جت في حادثة وعايزة تشوفها، وقتها كنت نسيت الموضوع نوعًا ما، سألتها إن كانت جتلي هنا قبل كدا قالتلي:
ـ لا.. ومن دوشة المكان طلعت وفتشت على اسم البنت وبرضه مفيش، اليوم اللي قبله مفيش، رجعت للست ومكنتش موجودة، ورغم إن الموضوع بقا غريب إلا إني كملت شغلي.. وبعد ٣ أيام كمان جتلي الست ووقتها افتكرتها، وقالتلي عايزة توصل لبنتها (حنان السيد أحمد) وقتها لقيت نفسي بنفعل عليها وقولتلها إنها بتخرف وإن مفيش بنت جت هنا بالاسم دا الأيام دي، لقتها بصوت بارد أوي قالتلي: ـ هو أنتوا الحاضر عندكم بينسيكم خطايا الماضي، أنا مش همشي من هنا إلا لما أخد حاجة بنتي كلها..
قالت الكلام الغريب ده ومشيت من قدامي، فضلت أراقبها لحد ما تاهت وسط الناس وفضل عقلي مشغول بيها، وبقيت طول اليوم بشوفها بتراقبني، أغير لمصاب ألاقيها واقفة آخر العنبر بتبص ناحيتي، أروح أجيب حاجة من المخزن ألاقيها في الطرقة، أخرج برة المستشفى ألاقيها على الكوبري اللي قصادي، واقفة بصورة غريبة وبتبرق بعيون مُخيفة أوي..
فضلت شاغلة بالي يوم كامل لحد ما فضلت أفكر وأفكر، الست بتقول (الماضي) يمكن بنتها جت هنا مثلًا من فترة وهي دلوقتي في الرعاية أو قسم تاني، ليه مشوفش الأرشيف يمكن ألاقيها جت فعلًا بس من فترة، عشان كدا نزلت الأرشيف ودورت، سيستم الكمبيوتر كان بيسجل كل شهر الحالات، عشان كدا كلمت البنت بتاعة الأرشيف تشوفلي اسم البنت دي (حنان السيد أحمد)..
وفعلًا وبعد بحث لقينا اسمها، كانت جاية من ٦ شهور كاملين، حمدت ربنا إن معداش عليها سنة عشان أقدر أوصل للملف بتاعها، لأن كل سنة الملفات بتسافر، فتشت في الملفات لحد ما وصلت لملف البنت، قرأت التقرير وعرفت إنها جت في حـ,ـادثة، البنت كانت حالتها صعبة أوي وماتت بعد ساعة واحدة في المكان، لكن الغريب إني لقيت جوة الملف قطنة صغيرة جواها حلق دهب..
استغربت أوي من وجوده في ملف البنت ولقيت نفسي ببص على التوقيع، كان التوقيع باسم إسعاد، الممرضة إسعاد اللي اتطردت واتسجنت لأنهم مسكوها أكتر من مرة بتسـ,ـرق المرضى، أي حد جاي في حـ,ـادثة ومعاه حاجة غالية كانت بتاخدها وتحديدًا لو بنت، حلق أو خاتم أو سماعة غالية أو حتى فلوس، وقتها خـ,ـمنت إنها سـ,ـرقت حلق البنت وخبته في الملف لحد ما تاخده وهي مروحة لكنها اتمسكت بعدها بأيام وملحقتش تاخده.. خدت الحلق وحطيته في جيبي واستنيت، وتاني يوم لقيت الست قدامي، ابتسمت المرة دي وقولتلها:
ـ أنا انهاردة اللي مستنياكي.. لقتها ردت وقالت: ـ عارفة إنك مستنياني، جبتي الحاجة؟؟ لقتني بدون وعي بديها الحلق، ولأول مرة تبتسم الست ابتسامة هادية وتبـ,ـوس على راسي ومشيت، مشيت بدون كلمة زيادة، وحسيت براحة ما بعدها راحة بعد ما الست مشيت.. وبعد ساعة لقيت ممرضة قسم الأرشيف جتلي وقالتلي إنها عرفت إني كنت امبارح في القسم وبدور في الملفات، وسألتني إن كنت محتاجة مساعدتها لأن البنت اللي هناك لسة جديدة ومش فاهمة أوي، قولتلها إن فيه ست مجنونة جتلي وكنت بدور على ملف بنتها اللي اسمه (حنان السيد أحمد)..
معرفش ليه وقتها وش الممرضة اتغير وقالتلي إنها فاكرة الحالة دي كويس أوي لأن البنت فضلت تصرخ ساعة كاملة بصوت مُرعب قبل ما تمـ,ـوت من الوجع، بس البنت دي مكنتش لوحدها كانت أمها معاها ومـ ـاتت في نفس الحادثة.. جسمي كله اتنفض وطلبت منها تطلع ملف البنت ومنه جبنا اسم أمها، وقدرنا نجيب ملف لأمها، ولما شوفت صورتها في الملف اترعبت، كانت هي الست اللي جتلي وخدت الحلق، لكن الست دي كانت مـ ـاتت مع بنتها من ٦ شهور، مشيت من المكان وأنا حاسة إني هتجنن..
وفضلت أدور على تفسير لمدة ٣ شهور، لحد ما قابلت شيخ، وقالي إننا مش عايشين لوحدنا، ويمكن الحلق ده جه عليه د م في الحادثة، ويمكن الحلق ده له رمز عند قرين البنت، لكن اللي أنا عملته كان هو الصح، حمدت ربنا إن الموضوع عدى على خير ومشغلش بالي غير حاجة واحدة، مين يجيله قلب يسرـ,ـق حد بيتألـ ـم قدامه زي إسعاد، أو الناس اللي بيسـ,ـرقوا المصابين في الحوادث على الطرق، أو الناس اللي بياكلوا أموال اليتامى..
الناس دي ازاي مبتتعظش ومبتخفش وهما شايفين المـ ـوت حوليهم، ازاي تقدر تاكل سُحت وأنت عارف إنك هتمـ ـوت، وعارف إنك بتاكل نار، وما أدراك ما النار.. [وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] سورة المائدة بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




