
وأنا صغير وبالأخص يوم وفاة جدي بالليل شوفت نظرات غريبة في عيون أخوالي، نظرة شر، وشوفت نظرة تانية مختلفة في عيون أمي، نظرة خوف غريبة، وبما إن أبويا ميت وكنا عايشين مع جدي فأخوالي بدأوا ومن يوم الوفاة بالليل يتكلموا بحزم عشان أنا وأمي نسيب البيت، وبما إن أمي ست مر.يضة وأغلب من الغُلب معرفتش تاخد معاهم ولا حق ولا باطل..
كانت النتيجة إننا نترمي في الشارع وهما ياخدوا البيت كله كمان، لسة فاكر لما لفينا أنا وأمي في الشوارع وقعدنا على الرصيف مش عارفين هنعمل أيه، لحد ما أمي عيطت قدام عنيا على الرصيف، عيطت وهي مش عارفة أحنا هنروح فين وهنعيش منين..
يومها جه راجل ضخم وسألها بتبكي ليه، كان شكله مُخيف ونظراته قاسية، ولما عرف حكايتها ملامحه بقت أهدى وشوفت في عنيه نظرات شفقة، قال لأمي إن عنده أوضة بسيطة شوية هنقعد فيها ومش عايز مننا إيجار، وفعلًا روحنا معاه، وخدنا الأوضة، وطمن أمي إنه هيوصي علينا الجيران وكمان ممكن أمي تاخد المنطقة اللي قدام البيت تبيع فيها أكل أو أي حاجة ومحدش هيقدر يتعرضلنا..
وشوفت من تاني دموع أمي، بس دموع فرحة، قالتلي إن ربنا مش هيسبنا، أحنا اتظلمنا بس مش هيسبنا، بس من اليوم دا وبدأ سخط جوايا يتربى تجاه كل حاجة، سخط تجاه الضعف وقلة الحيلة، سخط على شكل أمي اللي كانت بتقعد نص اليوم تقلي بطاطس وطعمية على طاسة صغيرة وتبيع عشان ناكل، سخط على الأوضة المع.فنة اللي كنا فيها والبيئة الز.بالة دي..
عشان كدا طلعت للشارع، وما أدراك ما شوارع مصر القديمة، الشوارع اللي ممكن تتعلم فيها كل حاجة وأي حاجة، وكانت صورة أخوالي ونظراتهم القاسية بتلاحقني دايمًا في أي خلاف مع أي حد، كنت قاسي، ومن صغري نزعت كلمة رحمة من قلبي.. كان الكل بيتنبئ إني هكون شيطان، شيطان رجيم، خاصة في خنا.قاتي اللي كنت بقف فيها لجيش كامل، سكة المخـ ـدرات والبرشـ ـام اللي مشيت فيها، وحتى البو درة والشابـ ـو، وصلت إني بقيت بشتغل لحسابي، وبعمل أرقام كبيرة وكويسة، في الفترة دي المرض اشتد على أمي اللي مكنتش قادرة تردعني عن أفعالي..
ولما عرضت عليها أعالجها رفضت لأنها فلوس حرام، ولما عرضت أسكنها في مكان غير الأوضة رفضت برضه، أمي على فراش المو.ت طلبت مني أسيب السكة دي واتقي الله، ولما ثورت فيها وقولتلها ماحنا لما اتقينا الله بيتنا راح وحياتنا باظت، ردت وقتها رد زلزلني أوي وقالت إن المظلوم بيأمن يوم الفزع عن الظالم، وإن المظلوم دايمًا معاه الخالق، وأحنا ربنا مسبناش وسترنا بمعجزة..
وماتت قدام عنيا، ومع ذلك مخدتش بكلامها، الطيب في الزمن دا أو اللي عنده رحمة أو شفقة بالناس بيداس بالرجلين، وبدأت أوسع نشاطي أكتر وأكتر لحد ما وصل الموضوع إني بقيت بتاجر في أعضاء العيال الصغيرة وأنا لسة ابن الـ ٢٣ سنة، كان فيه أطفال لناس أغنيا بيتولدوا بتشوهات وبيحتاجوا عمليات نقل قرنية، كلية، كبد وغيره، وأنا كنت بعرف من خلال شبكة من البلطجية إننا نسرق أطفال، وعملت ثروة كبيرة، ثروة استحالة حد في سني يقدر يعملها، ثروة اتكونت من سرقة وقتل ٨ أطفال..
لحد ما جالي تليفون إن حد من اللي شغالين معايا اتمسك، واعترف علينا كلنا، والحكومة وأهالي العيال قالبين علينا الدنيا، يومها جمعت كل فلوسي في شنطة ومسافة ما طلعت من البيت لقيت فوج من الناس بيولعوا في البيت بتاعي، الدنيا كلها اتقلبت بس خلاص كنت طلعت من المنطقة وممكن نقول للأبد، أنا عملت فلوس تعيشني لسن الـ ٩٠ مرتاح، مش محتاج شغل تاني ولا أي حاجة..
وخرجت من البلد كلها وطلعت على ليبيا، بلد هادية ومفيش فيها مشاكل وحد قدر يساعدني ووصلت هناك بالسلامة، وكمان اشتريت شقة كويسة وبدأت أفكر عشان أعيش حياتي بعيد عن الحياة الخطر اللي كلها مشاكل اللي كنت عايشها.. بس كنت محتاج أعمل حاجة أخيرة، عشان أقدر أعيش حياتي مرتاح، بعت مبلغ كبير لواحد معرفة مقابل إنه يقـ ـتل أخوالي واحد ورا التاني، وبعد أسبوع التلاتة كانوا أموات، دلوقتي أقدر أقول إن الطيب فعلًا بيتداس تحت الرجلين وإنك لازم تحارب عشان تاخد اللي أنت عاوزه..
بس واضح إن الصفحة دي كانت اتقفلت وجت الصفحة التانية، صفحة تخليص الحقوق، يومها كنت واقف في البلكونة اللي كانت بتطل على مكان فاضي تمامًا، وقدام عنيا في الضلمة شوفت مشهد غريب أوي، شوفت ٨ أطفال طالعين من تحت التراب، وكأنك بتتفرج على يوم البعث قدام عنيك.. أطفال طالعة من تحت التراب وكل واحد فيهم مشوه بطريقة غريبة، اللي عنده عين تالفة، واللي بطنه مشقوقة، واللي فيه جرح عند صدره، مشهد بشع متقدرش تشوفه حتى في أصعب أفلام الرعب..
قفلت باب البلكونة بسرعة وفضلت قاعد في الصالة خايف ومش قادر أتكلم بنص كلمة، فتحت البلكونة مرة تانية ملقتش أي حاجة، واضح إني بتخيل، بس ليه شوفت ٨ بالأخص، ليه ٨ أطفال بنفس عدد الأطفال اللي قتلتهم.. شوية وبدأت أسمع صوت أطفال بيجروا وبيلعبوا قدام باب شقتي بالكورة، وكل شوية الكورة بتاعتهم تخبط في باب شقتي، خرجت أزعق فيهم من التوتر اللي كنت فيه لقتهم بنفس الأشكال، أطفال مشـ ـوهين بيلعبوا كورة بـ ـراس طفل منهم، والراس صاحية وبتتفاعل معاهم، مشهد قادر يخليك تفقد عقلك تمامًا..
ومن يومها بدأت حياتي تتغير، عارف لما شقتك تبقا ملعب كورة لأطفال مشوهين، يجروا ويلعبوا كأنهم عايشين معاك، كنت بمو.ت بالبطيء، شعري شاب وضهري انحنى من اللي كنت بشوفه، وفي النهاية روحت لشيخ ليبي وحكتله، بس مقولتش إني عملت كذا، قالي إن الحل إني أتجوز وأخلف، لما أخلف طفل من الإنس أطفال الجن هيمشوا.. وفعلًا قابلت بنت مصرية كانت عايشة هي وأهلها في طرابلس، كان عليهم تار وهربانين من بلدهم، اتجوزتها وخلال أقل من سنة خلفت منها شهد، اليوم اللي شهد اتولدت فيه شوفت الأطفال بعنيا ماشيين من الشقة للأبد..
شهد اللي رجعتلي عقلي وقلبي، شهد اللي فكرتني بأمي وحنانها عليا، حبيت شهد أكتر من أي حاجة في الدنيا، لدرجة إني بقيت عايش تحت رجليها، بحافظ عليها، هي السبب في نجاتي من الجنون وهي اللي حيتني من تاني.. لدرجة إن بقت روحي كلها مع شهد، لو حصلها خدش كان ممكن أتجنن، وجه اليوم الأبشع في حياتي لما سمعت هرج ومرج، على باب شقتي، كانت الشرطة الليبية وبيقولوا إنهم لقوا طفلة مسـ ـروقة أعضـ ـائها ومرمية تحت شجرة..
كانت هي شهد، وشوفتها بعنيا في المشرحة متفرغة تمامًا وحوليها التمن أطفال، كانوا بيشدوها عشان تصحا تلعب معاهم، عن وجع القلب وقتها والقهر، النار اللي كانت بتحرق فيا، نار بجد، أشد من نار الدنيا كلها.. رجعت مصر ميت، سلمت نفسي للشرطة وحكيت كل حاجة، واتحكم عليا بالإعدام بعد ما فقدت عقلي مع ظهور الأطفال ومعاهم شهد، وأنا على حبل المشنقة جه صحفي يصور معايا، حكتله كل حاجة وطلبت منه يضيف كلامي ده في الآخر..
لما تتظلم إياك ثم إياك تتحول لظالم، ربنا سبحانه وتعالى بيكره الظالمين والظلم، ربنا أعد للظالم نار ملتهبة، صعبة، بشعة، لما تتظلم إما إنك تاخد حقك من اللي ظلمك، ولو مقدرتش فوض الأمر لله، إنما إياك تظلم بحجة إنك اتظلمت قبل كدا، إياك، عيش يابن آدم مظلوم ألف سنة ولا إنك تعيش ظالم يوم واحد.. [وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ] سورة إبراهيم بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




