
احكيلي يا جدي عن العفاريت اللي كانت في الشقة القديمة.. كانت أول مرة أشوف دموع جدي بتنزل بالطريقة دي، لدرجة إني غيرت الموضوع أكتر من مرة، بس هو مكنش بيقول غير عفاف، عفاف، عفاف.. يومها جالنا الخبر المشؤوم، جدتي عفاف ماتت، وانهارت أمي في الأرض لما شافت أمها على السر.ير وروحها فارقت جسمها، كلنا قلوبنا وج.عتنا، وكلنا حزنا أوي، بس وسط الحزن دا كله كان جدي محمد واقف مبيعملش حاجة غير إنه بيردد ـ صبرني يارب على الفقد..
ـ صبرني يارب على الفقد.. وبدأت د.موعه تسيل على خده، لمدة يوم كامل وهو بيد.مع في صمت، رفض إن حد يغسلها غيره، ورفض إن حد يشيل كف.نها غيره وتلاتة كمان، ووقف على ق.برها منع أي حد يلمسها حتى ولادها وأخواتها، يومها خدها في ح.ضنه بكل رفق وحطها في التراب وقعد جوة أكتر من خمس دقايق، بعدها خرج وبصلها وقال: ـ هجيلك قريب يا عفاف، استنيني..
الناس كلها بكت واتأثرت، مثال حي للعشق، حتى بعد ما عدى السبعين سنة لسة بيعشقها حرفيًا، وعدت التلت أيام عزاء والحزن قل نوعًا ما في القلوب إلا جدي، جدي اللي كان رافض ياكل لقمة أو يتكلم بنص كلمة، جدي اللي اتحول لجسم بدون روح.. كل اللي بيعمله إنه بيقف في الشارع طول النهار جمب كولدير المية اللي حطه صدقة على روح جدتي يسقي الناس منه، ووقت الصلاة يصلي ويرجع يقعد جمب الكولدير، كأنه بيجمع أكبر قدر من الثواب عشانها..
لدرجة إن أمي وأخواتها اتجمعوا عشان يحاولوا يطلعوا جدي من الحالة النفسية الصعبة دي، جدي حرفيًا كان بيمو.ت في صمت تام، كان بيقعد طول الليل حاضن صورة جدتي ويقعد يكلمها بصوت غريب.. لحد ما قررت أنا، أنا البنت اللي جدي بيحبها دونًا عن العيلة كلها، وبالأخص عشان شبه جدتي الله يرحمها واسمي على اسمها، كنا لسة قاعدين في بيت العيلة، بلغت أمي وأخوالي إني هبات مع جدي في الأوضة وهحاول أخليه يخرج من الحزن اللي هو فيه مهما كان..
خبطت على باب الأوضة ودخلت أجري زي الطفلة الصغيرة، وهوب مثلت إني وقعت جامد واتألمت، وللمرة الأولى من يوم مو.ت جدتي يستجيب جدي لمؤثر خارجي ويتنفض من مكانه ويجري عليا، عملت إني موجوعة وعاتبت جدي بنبرة غضب خفيفة: ـ شوفت أنت عملت أيه فيا يا جدي.. رد عليا بتعجب: ـ أنا يا عفاف عملت أيه؟! ـ عشان زعلانة على زعلك خلتني أقع.. ـ سلامتك يا حبيبتي.. ـ لا أنا لسة زعلانة منك.. ـ طيب أعمل أيه وتسامحيني..
عملت نفسي بفكر شوية وبعدها قلت: ـ نطلع نقعد على السطح زي زمان.. حسيته متردد وتعبان بس أنا بصيت بغضب مصطنع وقلت: ـ يالا عشان هقولك جدتي قالتلي عنك أيه قبل ما تتوفى.. اتنفض من مكانه وقام لبس الجلبية الصوف وخدني من إيدي وطلعنا السطح، كل اللي شافنا طالعين مكنش مصدق اللي أنا عملته، وأنا كنت ماشية مغرورة أوي في نفسي، طلبت منهم كوبايتين شاي وقلتلهم محدش يقاطعني أنا وجدي أبدًا.. وطلعنا السطح، قعدنا على الكراسي وتأملنا الصمت والهدوء والقمر اللي كان بدر في السما، وبعدها بدأنا نشرب الشاي، شوية وسألني جدي:
ـ مش هتقوليلي جدتك قالتلك أيه عني؟؟ ـ هقولك بشرط.. ـ شرط أيه يا مفعوصة.. ـ تحكيلي عن جدتي كل حاجة، خاصة عفا.ريت الشقة القديمة.. ابتسم أوي وعنيه دمعت، وبدأ يسترسل الكلام وكأنه بيتكلم مع الفراغ.. عفاف، هي والعفة كانوا توأم، الست اللي خ.طفت قلبي وعرفتني معنى الحياة، لسة فاكر يوم ما اخدت أبويا وروحنا نطلبها، يومها قعدت معانا متعصبة أوي، ورغم عص.بيتها كانت قمة في الجمال، وبدون مقدمات قالت لوالدها ـ أنا سمعت إن الأستاذ حافظ نص القرآن بس..
وقتها أبويا ضحك أوي، وقالها يا بنتي يحفظ النص التاني على إيدك، وتاخدي الثواب بدل ما ترفضيه، كان عنده لسان يقدر يقنع العالم إنه يعيش في سلام الله يرحمه، وفعلًا وافقت بيا عفاف.. وافقت عشان تحول حياتي ١٨٠ درجة للأحسن، ليلة دخلتنا صحتني قبل الفجر أصلي تحت التهديد، ومن يومها مبطلتش ضحك من أسلوبها وطريقتها اللي زي العسل.. حتى يوم ما ولدت خلتني أوعدها إني مش هسيب صلاة الفجر يوم ولادتها، وكانت دايمًا تفكرني إننا لازم نتجمع سوا في الجنة مع بعض، لسة فاكر كل كلمة حلوة قولتها، لما كان وشها بيحمر وتروح متعصبة وتجري على المطبخ..
جلساتنا كل يوم عشان نقرأ قرآن ونحفظ مع بعض، عمرها ما زعلتني غير لو قصرت في حقوق ربنا عليا، غير كدا فهي ملاك عايش عشان يسعدني في الحياة وبس، أول خناقة كانت مابينا لما خرجت بالصدفة وكان فيه ضيف ولمحها.. يومها ثورت، وهي استحملت واعتذرت وقالت أنا غلطانة، خلتني أعتذر وأبو.س على دماغها بعدها، وكملت الحياة بينا كلها حلوة وبس، لحد ما نقلنا لشقة مصر القديمة..
كانت حياة جديدة بالنسبالنا، وهي كانت متحمسة لأي حاجة معايا، كانت بتقول حتى لو هنروح للمو.ت مفيش مشكلة، المهم ربنا يبقا راضي عنا ونروح سوا، ودخلنا الشقة اللي كانت قديمة أوي، وكأنها من أيام الفراعنة، العنكبوت معشش في كل الأركان والتراب موجود في كل مكان، حتى الريحة كانت غريبة أوي.. بصيت بعين الاعتذار ليها إني جايبها معايا في مكان زي دا بسبب شغلي بس هي ضحكت، ضحكت زي البدر وشمرت ونزلت تنضيف في الشقة، وخلال ساعتين بس كانت الشقة كأنها شقة عروسة جديدة..
كل ده كان بيزود حبها في قلبي، الست اللي تغنيك عن كل حاجة في الدنيا حتى صحتها مش مستكتراها عليا، مش ناسي قسمها إني ممدش إيدي في أي حاجة، ونمنا ليلتها عادي جدًا.. وصحيت جدتك بالليل على صوت حنفية الحمام شغالة، قامت بهدوء عشان متصحنيش وراحت قفلتها، ومسافة ما خرجت من الحمام سمعت صوت الحنفية شغالة من تاني، جسمها اترعش وخافت أوي، خاصة إنها كانت رقيقة رغم عصبيتها.. دخلت من تاني وقفلت الحنفية ووقفت شوية قدام الحنفية بس محصلش حاجة، ومسافة ما خرجت سمعت صوت حاجة بتتحرك في الحمام وبتنادي عليها..
يا عفاف.. وقتها جسمها كله اتشل، وصرخت بأعلى صوتها، صحيت منفوض من نومي وجريت عليها لقيتها واقفة بتبكي قدام باب الحمام ومرعوبة، طمنتها بوجودي وقولتلها إن كل دي تخيلات وعدت الليلة عادي.. بس تاني ليلة صحيت أنا بالليل على صوت حاجة بتتحرك تحت السرير وبتخبط في الكراكيب اللي تحته، قلقت يكون فار ولا حاجة، فضلت أدور بهدوء شديد عشان أشوف فيه أيه بس ملقتش، قمت عشان اتوضى وأصلي ركعتين، ومسافة ما خرجت سمعت صريخ جدتك من تاني..
كانت بتحلف إن فيه حاجة لمست رجليها وشدتها وهي نايمة، غضبت أوي يومها، حتى لو عفريت ازاي يتجرأ ويلمس مراتي، احتوتها زي العادة وقعدت تالت ليلة له بالمرصاد.. هي نامت وأنا فضلت صاحي، وفعلًا بعد الساعة ١٢ سمعت صوت حنفية الحمام بتشتغل تاني، حسيت يومها فعلًا بالخوف، بس غضبي كان أكبر، خرجت للصالة ووقفت قدام باب الحمام أسمع،. فعلًا كان فيه صوت، دخلت بهدوء ملقتش أي حاجة..
قفلت الحنفية ومسافة ما خرجت للصالة لمحت راجل شكله وحش أوي كأنه محروق، أول ما شافني جري على أوضة جدتك، جريت زي المجنون وراه بس الباب اتقفل ومكنش راضي يفتح، وسمعت صوت صريخ جدتك جوا.. اتجننت يومها، كسرت الباب كله ودخلت وأنا ماسك العصاية وحالف لأكسره بيها، بس هو كان اختفى، مكنش له أدنى أثر، تاني يوم كنا سايبين الشقة، مش عشان الخوف، بس عشان أنا مش هتخيل فكرة إن العفريت ده يشوفها في يوم وهي بتغير هدومها أو وهي نايمة، حتى لو كان عفريت، وعرفنا بعدها إن الشقة دي كان فيها مشعوذ ومات مخنوق من الدخان..
كانت نقية أوي الله يرحمها، فاكر يوم ما خاصمتها تلت أيام عشان صلت قيام الليل لوحدها في ليلة ونامت، وفضلت تلت أيام صاحية عشان أصالحها وأرضى عنها، حتى أكتر يوم اتعصبت فيه في حياتها كان يوم عيد الأضحى.. كلكم جيتوا الشقة، أنتي وأخواتك وأولاد خالتك، وخالاتك كلهم، وكله بقا يقول أحنا أكلنا وشبعنا وشكرًا ومش قادرين، جدتك يومها طلبتكم كلكم في أوضتها، أمك وخالاتك وأنتي وأخواتك وأولاد خالاتك، وقفلت الباب بالمفتاح ومسكت العصاية..
حلفت إنها هتض.رب العيال بأمهاتهم عشان يحرموا ياكلوا يوم العيد وهما جايين، وكانت ليلة، محدش عرف يهديها ويشيل فكرة ض.رب العيال بأمهاتهم غيري لما عاكستها قدامكم وقولت عليها ـ القمر يعمل اللي هو عاوزه.. فضلت مكسوفة تلت أيام ومستخبية في أوضتها زي العيال الصغيرين، الله يرحمها كانت نور عنيا، كانت روحي وحياتي وكل ما ليا في الحياة، عتابي الوحيد إنها سابتني لوحدي، بس ده قدر ربنا وأنا راضي بيه.. ……………… دموعي وقتها نزلت أوي، ح.ضنت جدي وطبطبت عليه، كان بيدمع وباصص للسما، خاصة لنجمة معينة، شاور عليها وقال:
ـ عفاف كانت بتحب النجمة دي أوي.. ابتسمت أكتر عشان يقول بغضب: ـ قوليلي يا بت بدل ما أض.ربك جدتك قالت عني أيه.. ـ لا خلاص الطيب أحسن.. بصيت في عنين الراجل العجوز أوي وقلت: ـ قالتلي جدك دا مفيش راجل زيه في العالم كله.. وقتها وشه نور، ابتسم أوي وفضل يضحك، وسابني ونزل، دخل أوضته وهو مبتسم، وابتسمت أنا إني خليته يخرج من حزنه..
تاني يوم صحيت على صوت بكاء هيستيري وهرج ومرج، جريت زي المجنونة ناحية أوضة جدي، كانوا كلهم بيبكوا حوليه، جدي مات، مات بعد مو.ت جدتي بأيام، كأنه صدق ربنا في عهده معاها فربنا صدقهم وخلاهم حتى في المو.ت مع بعض.. كانت المصلية مفروشة وعليها الحامل والمصحف والسبحة، وريحة العطر بتاعه وبتاع جدتي مالية الأوضة، جدي كان وشه منور ومبتسم وهو ميت، بكيت كتير أوي، أوي.. وافتكرت حاجات كتير، قصص الحب اللي خلدها التاريخ ياترى أقوى ولا قصة حب جدي وجدتي، اتنين مسلمين عاهدوا ربنا إنهم يتقوا الله في بعض، وكانت النتيجة قصة حب تعيش على مر التاريخ..
قصة حب أقوى من قصة قيس وليلى نفسهم، وقتها فعلًا عرفت معنى إن خير متاع الدنيا الزوجة الصالحة، وجدتي كانت زوجة صالحة، صالحة لدرجة إن جدي حتى في مو.تها طلب من ربنا يبقا معاها، ربنا يرحمكم ويحشركم في الجنة مع بعض أنتوا وكل أمو.ات المسلمين.. ……………… [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] سورة الروم [وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ] سورة النساء (الدُّنيا متاعٌ وخيرُ متاعِها المرأةُ الصَّالحةِ) أخرجه مسلم
دعواتكم لأمو.ات المسلمين.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




