روايات

جنـ,ـية المدار للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أنا كرهتها وكرهت كل الستات اللي في الدنيا.. قولت الجملة دي وأنا متعصب، مخـ,ـنوق، حاسس بسخط تجاه كل حاجة في حياتي، كل حاجة، كنت قاعد على القهوة في بلدنا مع صاحبي وحرفيًا دموعي هتنزل من القهر اللي أنا فيه.. وده ببساطة لأن مراتي هي العقبة السيئة في حياتي، الجـ,ـحيم اللي مش قادر اتخلص منه إطلاقًا، من كام سنة ساعدني والدها إني اشتري حتة أرض وشاركني فيها، ولما لقاني محتاس أنا وأمي اللي كان بيتنا خلاص هيتهد قالي معنديش مشكلة تبني بيت على نص الأرض وتقعد فيه أنت ووالدتك..

والله يسامحها أمي بقا، قالتلي لازم ترد الجميل للراجل وتناسبه، وكأن البنت عانس مثلًا، أو فعلًا هي كانت عانس ولا تستحق أي راجل في الدنيا، حتى لو سفاح، لأنها إنسانة لا تطاق حرفيًا، إنسانة سمجة وعنيدة ومغـ,ـرورة لدرجة تخلي إبلـ,ـيس يتعجب ازاي دي من نسل أدم.. واتجوزتها، وانقلبت حياتي لجحـ,ـيم، وأمي ماتت بعد جوازها بأسبوع واحد بس، ووقعت أنا في مصيدة مخيفة، وهي إني أعيش معاها ومينفعش أطلقها، لأن الوضع مع أبوها هيبقا مخيف لو طلقت بنته وأنا أصلًا باني على الأرض اللي هو شريك فيها، موقف كنت أتمنى العمى ولا إني أقع فيه..

الليلة وبكل عنجهية قاعدة بتشتكي إني ساكت خالص ومبتكلمش، والبيت من حوليها عامل زي الزريبة أصلًا، مفيش أكل معمول، حتى حقوقي الزوجية مخدتهاش من تلت أسابيع من كتر ما أنا مش طايق شكلها أصلًا، وثورت، ثورت وشتـ,ـمتها وطلعت كبت ست شهور، وهي ردت عليا بكل عنجهية وعايرتني إني عايش على أملاك أبوها..

وكان قدامي خيارين يا إما اقـ,ـتلها، أو إني أنزل وأسيب البيت، والحل التاني كان للأسف الحل اللي اختارته، البلد كانت هادية خالص، صمت تام كعادة الأرياف في كل مكان، القهوة عندنا معمولة في وش الأراضي الزراعية على طول، القعدة عليها تخليك تنسى الكون باللي فيه، بس أنا مقدرتش أنسى أي حاجة.. كلمت واحد صاحبي نزل قعد معايا، وأتحول الإنسان الصامت لبركان ثاير، فضلت أحكي يجي تلت ساعات، لحد ما دموعي بدأت تظهر في عنيا، وده زود سخطي أكتر، مينفعش الراجل يعيط، ده اللي أنا أعرفه..

ومن وسط دموعي لمحت قصاد القهوة واحدة نازلة تجاه الغيطان تحت، في العادي ده ينفع طريق الناس تمشي منه، بس بالليل نادرًا لما بنلاقي واحدة ماشية لوحدها كدا، الغريب إن جالي إيحاء غريب إنها سهيلة مراتي، البومة اللي حتى في خروجي جاية تتجسس عليا، أي نعم الجو ليل، بس مش صعب تعرف تميز قوام مراتك كويس.. سبت صاحبي مرة واحدة ونزلت في قلب الغيط، كان وقتها موسم الدرة وأغلب الغيطان مزروعة درة، الجو ليل والقمر غايب وكمان منظر أعواد الدرة مخيف، عاملة زي الجنود اللي واقفة مصطفة في انتظار الحرب، جنود من الجـ,ـحيم..

حاولت أميز المسار اللي مشيت فيه وانطلقت، وبالفعل رغم الضلمة كنت سامع إيقاع خطواتها الغير منتظمة، كنت شايف ملامح الكيان اللي ماشي في قلب الضلمة قدامي، في الوقت ده جتلي فكرة شيطانية، عنيا شبه أسودت وأعصابي شدت، أنا هقـ,ـتلها، بحط إيدي في جيبي وبالصدفة البحتة لقيت الكتر بتاعي اللي بشتغل بيه في المكتبة.. أداة حادة عاملة زي الموس تقدر تدبـ,ـح بني آدم في لحظات، وهسيبها مرمية وهرجع بيتي ولا من شاف ولا من دري، الفكرة تملكتني بطريقة مخيفة، غريبة، والله ما صدقت فكرة اد ما صدقت إني قادر أنفذ فورًا..

طلعت الكتر من جيبي وفتحت الشفرة بتاعته، وقتها شوفت الجسم دخل في قلب عيدان الدرة، الله ينور عليكي، دخلتي في الفخ زي الفريـ,ـسة السـ,ـاذجة.. ودخلت في قلب الدرة، وحاولت أركز عشان أشوف الحركة فين، ورق الدرة كان عامل زي الموس، بيجـ,ـرح في وشي ودراعي، بس أنا موقفتش، كنت حاسس بشغف، مبسوط أوووي، وكأني في مغامرة، مغامرة هتخليني انتقم لكل لحظة عيشتها في هم وكرب وغم.. بس في اللحظة دي اختفي صوت الحركة، حاولت أركز بس المكان كان ضلمة والصوت اختفي تمامًا، ووقفت أنا وسط الدرة بلعـ,ـنها وألعـ,ـن كل حاجة فيها، وفجأة لقيت صوت من ورايا بيقول:

ـ أنت ماشي ورايا ليه؟! لفيت مخضوض وجسمي كله بيتنفض ناحية اللي بيتكلم، كانت واحدة بنت واقفة ورايا بالظبط، حسيت إن وشها منور، كانت لابسة فستان أحمر زاهي ووشها كان جميل بدرجة لا توصف، جلدها رقيق أبيض وعنيها تشبه عيون القطط وشعرها ناعم حريري نازل على ضهرها باستثناء القصة اللي نازلة على عنيها.. كان صوتها ناعم، بريء لقيتني اترددت كتير قبل ما أرد بتلعثم: ـ أنا أصل، لا أنا كنت مروح وسمعت صوت أيوة، فخوفت يكون حد تايه ولا حاجة..

بصتلي في عنيا وابتسمت، بعدها قالتلي: ـ أنا فعلا تايهة.. ـ تحبي أوصلك فين.. ـ أنا كنت رايحة الفرح اللي هنا.. ـ مفيش أي أفراح في البلد انهاردة.. ـ لا فيه تعالى بس معايا للجنب التاني.. مشيت أنا وهي وقلبي عمال يدق من جمالها، شكلي كنت كداب ومكرهتش كل الستات اللي في الدنيا ولا حاجة، هو فعلًا فيه ستات حلوة بالشكل ده، غريبة، والأغرب إني فعلًا بدأت أشوف نور بعد خمس دقايق بس، فرح وصوان في قلب الأراضي الزراعية، والحقيقة إن ده مكنش غريب خالص، لأن أغلب الأفراح في الريف بنعملها بعيد عن البيوت..

وصلنا للصوان وكان فيه ست رجالة وحوالي أربع ستات، الصوان كان ضخم، مضاء بأنوار كتيرة، كان فيه راجل فيهم طويل ودقنه طويلة وبيضا زي الثلج، والتلاتة التانيين كانوا لابسين بدل أنيقة، والستات كانوا لابسين فساتين ملونة بس نفس الشكل تقريبًا.. ممكن يكون فرح للعائلات اللي عايشة على محطة بلدنا، اتحرجت وحاولت أمشي بس لقيتها بتقولي ـ تعالى سلم عليهم طيب.. دخلت بهدوء على الشخص الكبير وسلمت عليه، كانت إيده دافية جدًا، حتى ابتسامته كانت ودودة، في اللحظة دي جت البنت وقفت قصادي..

اتكلم العجوز وقال ـ فين العريس.. ـ أنا قررت أغير العريس.. ـ ده حقك، بس فين الجديد؟! ـ أهو.. وشاورت عليا، أنا بصتلها بذهول غريب، عريس مين، أيه الغباء ده، فضلت ثواني مش عارف أنطق إطلاقًا، في اللحظة دي، لقيته مسك إيد البنت ومسك إيدي وبدأ يهمهم بكلمات غريبة، وكأنها لغة مش موجودة على الأرض.. في اللحظة دي شديت إيدي من إيده وقولتله ـ أنتوا مجانين؟! مسافة ما نطقت بيها نور الصوان كله طفى، وأتحول المكان كله لظلام دامس، والمرعـ,ـب إني شوفت عينين الكل لأنها كانت حمرا بلون الدم، الكل بيبصلي بصات مخيفة..

في اللحظة دي صرخت ووقعت على الأرض، زحفت بسرعة ووقفت وجريت، جريت زي المجنون ناحية غيطان الدرة، بس من ورايا لقيت الدرة كلها بتتهز، وكان فيه أصوات مخيفة، كأن فيه قطيع من الكلاب الشرسة بتجري ورايا.. قلبي كان بيصرخ وأنفاسي بتضيق، الدنيا بتدور بيا وجسمي متخدر من الخوف، كابوس، كابوس حقيقي عاوز أهرب منه، أصوات الزمجرة كانت بتقرب وعيدان الدرة كلها بتتهز جامد، خوف، رعب، فزع، رهبة، حاولت أصرخ بس مكنش فيه نفس إطلاقًا، في النهاية خرجت من جوة أعواد الدرة، ووقعت على الأرض وحسيت إن دراعي اتكسر من وجع الوقعة..

بصيت على غيط الدرة ولمحت العيون الحمرة المخيفة، فضلت بصالي شوية وفي الأخر اختفت، ورجعت بيتي فضلت أسبوع كامل نايم في السرير بهلوس، بشوف كوابيس، وعندي حمى غريبة، في النهاية قدرت أقف من تاني، بس العجيب إن في أول ليلة خفيت فيها، وفي ظلام الليل لقيتها واقفة.. كل اللي قالته.. ـ مستنياك في الفرح السنة الجاية في نفس الميعاد.. ولما اتكلمت من وسط تخشب جسمي وشهقاتي وقلت ـ أنتي مين؟! ردت وقالت ـ جنية المدار..

…………………………. يقال أن جنية المدار دي بتظهر كل سنة في يوم محدد وتحاول إنها تتزوج من أحد البشر، ويقال إنك لو تزوجتها فأنت هلكت لامحالة، لأنها بتتغذى علي صحتك كل يوم لحد ما تمتص منك كل حاجة وتسيبك جـ,ـثة بلا روح، وإن اللي بيهرب منها بترجع تطارده العام الجديد.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى