روايات

أطفال المشر.حة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

المشر.حة عندنا متقسمة لتلت أقسام، القسم الأول للرجالة، والقسم التاني للستات، والقسم التالت وده اللي كان شغله كتير الفترة دي كان للأطفال، والتقسيم ده كان لأسباب كتير منها إن الستات مكانوش بيتكشفوا على دكتور ولازم دكتورة تشريح، حتى لو كانت جُـــثة متبهدلة، العادات والتقاليد بتقول كدا، وأهل المنطقة استحالة يكشفوا بنتهم لدكتور..

واللي خلى قسم الأطفال شغال شغل زايد اليومين دول هو إن الشرطة كانت كل شوية بتلاقي جُ.ــثث أطفال في أكتر من مكان متفرغة من أعضائها، وعشان التحقيقات تتم كانت لازم الجُثث تتنقل للمشر.حة عندنا وتتشرح وتطلع التقارير اللي ممكن تساعد المباحث إنهم يلاقوا الجُناة اللي كانوا مُحترفين في شغلهم بصورة غير طبيعية..

وأنا كممرض شغال في القسم بتاع الأطفال فكنت مسؤول عن تخزين الجُـثث في أماكنها وترقيمها وكتابة بياناتها، وكنت متعود دايمًا لما كانت جُـ.ـثة الطفل تيجي كنت بحط في إيديها شريط لاصق وأكتب عليه رقم الدخول، وده كان كود متسلسل أنا اللي بعمله من خلال معادلة رياضية بسيطة، ودايمًا لما كنت بعمل الموضوع ده كنت بسمع صوت بُكاء.. دايمًا الصوت كان بييجي أول ما بكتب الرقم أو الكود ده، لحد ما من يومين بس جت جُـ.ـثة جديدة، كانت طفلة صغيرة، وكانت متفرغة من أعضائ.ها وجسمها سليم ومتخيط بصورة احترافية، صورة تقولك إن اللي بيعمل الشغل ده شخص متمرس ومحترف جدًا جدًا..

استلمت البنت ولزقت على إيديها الشريط اللاصق وبعدين كتبت الكود اللي كان الآتي (MX331) والرمز معناه إن الج.ثمان في مشر.حة المستشفى وإن الج.ثمان لبنت لأن رمزه X ورقمه 331، ولما خلصت حسيت إن صوابع الج.ثمان لمستني بقصد، جسمي كله اتوتر من اللمسة وبصيت للبنت مرة تانية، ولمحت شبه ابتسامة على شفا.يفها.. ولوهلة حسيت إن صد.رها بيطلع وينزل كأنها بتتنفس، لدرجة إني بصيت تاني على منطقة الصد.ر وشوفت الخياطة بتاعتها، استحالة تكون حية دي، حطتها في الدرج بتاعها وقفلت الباب عشان أسمع همس جوه ودني، همس بيقول:

ـ اسمي زينب.. جسمي اترعش غصب عني وخرجت من المكان وخدت إذن لأني كنت محتاج أرجع بيتي، وفعلًا رجعت البيت ونمت، نمت وكأني منمتش من سنين طويلة، ولكن النوم نفسه كان كله قلق، ابني الصغير كان عمال يلعب في الصالة وعامل دوشة شديدة، لكن من الإجهاد الشديد مكنتش متحمل، لحد ما صحيت تاني يوم الصبح، وأول حاجة عملتها لابني إني ناديت عليه وزعقتله لأنه كان بيلعب وأنا نايم.. لقيته بكل براءة قالي: ـ كنت بلعب مع زينب..

للوهلة الأولى مركزتش مع كلامه، لكن لما انتبهت بصتله مرة تانية، وقبل ما استوعب الكلمة لمحت حاجة مكتوبة على معصم إيده.. قربت منه وأنا بحاول أتمالك أعصابي ولقيت مكتوب (MY332) خبطت على راسي لأني كنت حاسس إني لسة نايم، لكن الغريب إني كنت صاحي، ابني مكتوب على إيده زي ما مكتوب على جُ.ثـث الأطفال، وطبعًا معناه إنه في المستشفى والجُ.ثة لولد ورقمه 332، يعني الجُـ.ـثة اللي جاية هتكون جُ.ــثة ابني..

زعقت فيه وسألته مين اللي كتبله ده، قالي إن زينب اللي عملت كدا وسابني وخرج يجري يكمل لعب في الشارع، وقعدت أنا هتجنن مكاني، عمال أستعيذ بالله، ببساطة لأن ده خطي أنا، خطي المميز واللي صعب حد يكتبه غيري، هل كتبتله وأنا نايم، ولا فعلًا زينب اللي عملت كدا، وقررت أروح فعلًا المشرحة وأشوف جُ.ــثة زينب، لعل وعسى أفهم..

وطلعت على المشر.حة وبعد ساعتين كنت هناك، لكن المباحث كانت بتاخد تقارير وكان صعب أدخل أباشر الشغل براحتي، عشان كدا استنيت ٦ ساعات كاملين، ست ساعات وحاجة بتلح عليا إني أحكي، أتكلم، أوقف مفتش المباحث وأقوله، لكني كبحت الرغبة دي، كبحتها تمامًا.. وبعد ٦ ساعات وقبل ما أوصل لدرج زينب سمعت ضحكة جاية من الدرج، ضحكة طويلة وصوت بيهمس ويقول: ـ الفرصة انتهت..

وقبل ما استوعب اللي بيحصل الدكتور رن عليا وقالي استلم الجُ.ــثة الجديدة، وفعلًا استلمتها من الإسعاف وأنا لسة شارد في الهمس اللي بسمعه، لدرجة إني دخلت بالجُ.ــثة جوه المشر.حة وحطيتها في الدرج ونسيت أكتب على إيديها، لحد ما افتكرت وجبت الشريط اللاصق ومسكت المعصم بتاعها عشان أكتب عليه.. وكانت صدمتي لما لقيت إن فيه رقم موجود، أيوة فيه رقم مكتوب، مكتوب MY332 ومقدرتش أرفع الملاية من على وشه عشان أشوفه، وفضلت منهار يمكن تلت دقايق كاملين، لحد ما قررت في النهاية أرفع الملاية ولقيته ابني أدهم، ابني بقا جُـ.ـثة متفرغة من أعضا.ئها وأنا اللي بستلمها بنفسي..

للوهلة الأولى ضحكت، أيوة ضحكت لما افتكرت الصوت وهو بيقول «الفرصة انتهت» لأن فعلًا كانت قدامي فرصة، كانت قدامي فرصة ٦ ساعات وأنا شايف الخطر بيقرب من ابني، كان لازم أفهم إن ده تحذير واعترف للمباحث بكل حاجة.. أنا فرد من أفراد العصابة اللي بتخ.طف الأطفال وتاخد أعضا.ئهم، وأنا تحديدًا اللي بقفل الجُ.ــثث بعد ما تتفرغ، وشغلي في المشر.حة مجرد واجهة عشان أغطي على شغلي المشبوه..

أنا اللي عايش في جحيم الكوابيس والأصوات والبكاء، أنا اللي مبعرفش أنام من يوم ما دخلت الشغلانة القذرة دي، ولما نمت آخر مرة وصحيت لقيت ابني مكتوب على إيده كان لازم أفهم إنه تحذير وإني لازم أحكي واعترف بكل حاجة.. اتصلت بالدكتور المسؤول عن الشغل وسألته عن آخر جُـ.ـثة ومين قفلها، قالي إنهم اتصلوا بيا وكان تليفوني مقفول، وإن الطفل الأخير كان هيعملهم مشكلة لو طول معاهم فقرروا يستعينوا بغيري ينجز الشغل، الطفل ده اللي كان ابني، ابني اللي كان بيلعب مع زينب..

فضلت أصرخ زي المجنون، لدرجة إن المستشفى كلها اتجمعت عليا، ولما جت المباحث حكيت كل حاجة واعترفت على أفراد الشغل كلهم بكل بياناتهم، عملت كل ده لكن مرتاحتش، النا.ر اللي في قلبي فضلت مو.لعة، ومكنش هيطفيها غير المو.ت، المو.ت وبس.. ودلوقتي أنا في زنزانة منتظر حُكم الإعد.ام، حُكم الإعد.ام اللي بيتحكم عليا بيه كل يوم، كل يوم بشوف ابني ومعاه زينب، ودايمًا مبيلعبوش غير في الزنزانة بتاعتي، وكأنهم قاصدين يد.مروني، ولما بصرخ فيهم بيضحكوا، وكأن صراخي مبيخوفهمش، ولو ليا كلمة أخيرة هقولها فأنا عايز أحكي حكايتي، عاوزها توصل للناس..

مش أي حد ظروفه صعبة يروح يشتغل شغل مشبوه أو حرام، أو شغل بيأذي فيه غيره، الفلوس اللي بتيجي من أي شغل حرام بتبقا فلوس مل.عونة، واللي بيشارك في الشغل ده بيتلعن، حتى لو كان ممرض بيقفل الجُـ.ـثث بس، كونك دخلت مكان محرم وشاركت فيه فأنت اتوشمت بالل.عنة، الل.عنة اللي بتطول الكل، وأكيد العقاب هيطولك، هيطولك مهما حصل.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى